إعلان

سفينة الوقود الإيرانية... ‘حزب الله‘ وإيران يخفيان مشكلتهما

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
مناصرون لحزب الله - كانون الثاني 2020 - "أ ب"
مناصرون لحزب الله - كانون الثاني 2020 - "أ ب"
A+ A-

لم يكن إعلان الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله يوم الخميس استقدام سفينة وقود إيرانيّة بعيداً من مشهد دوليّ وإقليميّ، ترفع فيه إيران حدّة المواجهة مع الولايات المتحدة، بما أنّ القطاع النفطيّ الإيرانيّ خاضع للعقوبات الأميركية. كيفية رد واشنطن على هذه الخطوة لو تحققت، أو حتى معرفة ما إذا كانت ترغب بالرد أساساً، قد تكشف عنهما الأيام والأسابيع المقبلة. بالتوازي، كان الحزب يروّج لسردية سياسية، على خلفية المشاهد الأفغانية، مفادها أنّ إيران لا تتخلى عن حلفائها حتى ولو كانت تحت العقوبات، في مقابل تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها، كما حدث مع كابول. لكن في هذا الإعلان المزيد من المضامين السياسية.

 

المشكلة الداخلية

شهد الحزب ضغوطاً كبيرة بعد انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 حين نزل المنتفضون إلى الشارع بإسقاط كامل قوى السلطة. لم يكن بإمكان الحزب إنكار وجود مطالب شعبية محقة بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية، لكنّه بالمقابل لم يرد أن تتمدّد التظاهرات لتطال بيئته الشيعية المباشرة، كما لم يرد أن تنهار الحكومة التي كان راعيها والتي شكّلت مظلّته الشرعية. بمرور الوقت، ومع عدم قدرة المتظاهرين على تنظيم أنفسهم ومع تنفيس استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري غضب الشارع، وبالتوازي مع شنّ مناصري الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) اعتداءات على المتظاهرين في وسط بيروت، خمدت الاحتجاجات. لكن منذ ذلك الحين، راحت البلاد تدخل أزمة اجتماعية واقتصادية أعمق، أوّلاً في ظلّ حكومة الرئيس حسان دياب، ولاحقاً بعد استقالتها على خلفيّة انفجار الرابع من أغسطس (آب).

 

في بداية التظاهرات، وعد نصرالله محازبيه ومناصريهم بأنّهم لن يجوعوا. وقال إنّه قد يأتي يوم لا تستطيع الدولة فيه دفع رواتب موظفيها، لكنّ الحزب سيظلّ قادراً على تحويل الرواتب إلى مقاتليه وعائلاتهم. وسرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر مناصرين للحزب يستعرضون ملايين الدولارات في إشارة إلى قوّة الحزب المادية. لكن مع اشتداد الأزمة خصوصاً في الأشهر القليلة الماضية، انتشرت مقاطع فيديو أخرى تظهر مناصرين للحزب يقولون "نحن جعنا يا سماحة السيّد" وإنّهم غير قادرين على تأمين حاجاتهم اليوميّة. حدث ذلك حين كان الدولار يساوي 11 ألف ليرة، بينما هو في الأسابيع الأخيرة عند حدود 20 ألفاً.

 

في وقت وصل التململ إلى بيئة الحزب المباشرة، كان الأخير يعاني من انتكاسات في شعبيّته داخل الطوائف الأخرى. شكّلت حادثة قرية شويّا الحدوديّة التي أوقف فيها مواطنون من طائفة الموحّدين الدروز راجمة صواريخ تابعة للحزب بعد عودتها من قصف مراكز إسرائيلية في مزارع شبعا، حدثاً غير مسبوق بالرغم من لملمة تداعياته سريعاً. سبق ذلك قتل أحد أفراد عشائر "عرب خلدة" عنصراً من "حزب الله" خلال وجوده في أحد الأعراس، على خلفيّة قتله أحد أطفالهم خلال مواجهات حدثت في 2020 بين العشائر و"سرايا المقاومة" المقرّبة من "حزب الله". وهاجمت العشائر مجدداً موكب التشييع التابع للحزب في اليوم التالي، على خلفية ما وصفته بأنّه "استفزاز" لمشاعرها.

 

أبعد من ذلك، يواجه "غطاء حزب الله المسيحيّ" أي التيار الوطني الحر تآكلاً في شعبيته بسبب سوء أدائه الحكوميّ. جيّر "التيّار" شعبيّته المسيحيّة الواسعة التي حظي بها بعد انتخابات 2005 (حوالي 70% من الأصوات) لفكّ عزلة الحزب داخلياً وتأمين شرعية له في الخارج. لكنّ هذه الشعبية تآكلت إلى حدّ كبير حتى قبل اندلاع الأزمة. حصل التيار الوطني الحر على 25.1% من أصوات المسيحيين (على أساس احتساب الصوت التفضيلي) بينما حصدت القوات 23.1% من الأصوات نفسها في انتخابات 2018. وفي دراسة للخبير في استطلاعات الرأي كمال فغالي، ولخّصتها "النهار" في 6 تموز (يوليو) الماضي، انخفض تقييم المسيحيين لنصرالله إلى النصف. ففي حين كان يحصل على معدّل يتراوح بين 4.5 و 5 نقاط من عشرة، أصبح في الاستطلاع الأخير يحصل على تقييم يتراوح بين 1.8 و 2.5 في البيئة المسيحية.

 

هذا التململ الشعبيّ من أداء الحزب، وإن كان مختلفاً بحسب اختلاف الطوائف، يبقى أمراً واقعاً في الحياة السياسيّة اللبنانية. وإظهار الحزب قدرته على "إنقاذ" لبنان أو "التخفيف من أعباء الأزمة" يُفترض بحساباته أن يخفّف من هذا التململ، على الأقلّ داخل بيئته. لكنّ قلق الحزب ليس داخلياً صرفاً.

 

قلقاً ثنائياً إقليمياً

تعاني إيران في المنطقة من تآكل كبير في صورتها. ولعلّ هذا ما يمكن تلمّسه تحديداً بين شيعة العراق الذين سعت إلى ترسيخ نفوذها في بيئتهم بعد إسقاط واشنطن صدام حسين سنة 2003. ومع مشاركة فصائل موالية لإيران في الحشد الشعبيّ ضد داعش، ارتفع التأييد الشيعيّ العراقيّ للدور الإيرانيّ بشكل كبير. لكن منذ انتصار العراق على داعش، تراجع هذا التأييد إلى حد بعيد. تشير دراسة لـ"المعهد الألماني للشؤون الأمنية والدولية" إلى العديد من الأسباب التي أدت إلى تآكل الصورة الإيرانية الإيجابية لدى العراقيين.

 

فوفقاً لـ"المعهد المستقل لدراسات الإدارة والمجتمع المدني"، كان لـ70% من العراقيين نظرة إيجابية لإيران في 2017. لكن بحسب المعهد نفسه، انخفضت هذه النسبة في أواسط 2020 إلى 15%. وهذا أحد عوامل قلق إيران و"حزب الله" في المنطقة. يرتبط هذا التراجع بالقتل الذي مارسته الميليشيات الموالية لإيران بحق المتظاهرين، لكنّه يعود أيضاً إلى أسباب سابقة تتعلّق بحكم الساسة المقرّبين من طهران كما بتجذّر الميليشيات الموالية لإيران في القطاعات الاقتصادية والإنتاجية للبلاد ممّا عمّق مشكلة الفساد.

 

أدّى ذلك بحسب المعهد الألمانيّ نفسه إلى قياس عدد من القادة السياسيين هذه الموجة الشعبية الجديدة المناوئة لإيران والتكيّف معها كما حدث مع الزعيم مقتدى الصدر الذي كان أبرز من قاتل القوات الأميركية منذ 2003 قبل أن يقدّم نفسه كوطنيّ براغماتيّ. ومنذ اغتيال القائد السابق لـ"قوة القدس" قاسم سليماني، انتقد الصدر إيران علناً، من وقت إلى آخر، في محاولة "للّحاق" بالتغيّر في موقف الشعب العراقي الذي طالب بتدخّل إيراني أقل في بلاده. حتى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي يبدو وكأنّه يبعد نفسه عن إيران وسط جهود لكسب الدعم الشعبيّ من أجل تولّي رئاسة الحكومة مجدداً. ووصل به الأمر إلى أن يقول: "إنّ معارضة المحور الأميركي-الإسرائيلي-السعودي لا تسمح لإيران بالتدخل في العراق".

 

ويبدو أنّ صورة إيران ليست أفضل حالاً بين شيعة العراق. ففي استطلاع رأي حديث نسبياً لـ"المعهد المستقل لداراست الإدارة والمجتمع المدني"، وهو فرع شرق أوسطيّ لمؤسّسة "غالوب" البارزة، يرى 82% من شيعة العراق أنّ إيران تلعب دوراً سلبياً في العراق. وكان رئيس المعهد منقذ داغر قد تحدّث في حزيران (يونيو) 2020 عن أنّ العراقيين لا يفضّلون إيران أو الولايات المتحدة، "لكن للمرة الأولى منذ فترة طويلة نرى تفضيلاً للولايات المتحدة بين العراقيين على حساب إيران".

 

علاوة على كل ذلك، لا يمكن إغفال التحوّل الكبير الذي عبّر عنه وصول مصطفى الكاظمي إلى رئاسة الحكومة العراقيّة. فالكاظمي نفسه كان عرضة لانتقادات إيرانية بسبب دوره المفترض في تسهيل اغتيال سليماني بحسب الاتهامات الإيرانية. بناء على تلك الاتهامات، كان قبول طهران ومناصريها بوصول الكاظمي إلى الحكم تسليماً بالتحوّل الشعبيّ العراقيّ على مستوى النظرة إلى إيران.

 

إنّ تراجع شعبية إيران في دولتين استثمرت فيهما إيران الكثير خلال السنوات بل العقود الماضية لا يدعوها إلى التفاؤل بقوّتها الناعمة أو حتى الصلبة في المنطقة. إلى جانب هذا الوضع، تعاني إيران نفسها من غياب للاستقرار بسبب التظاهرات الكثيرة التي بدأت تشهدها منذ سنة 2017 وكانت آخرها تظاهرات الأحواز التي انطلقت أواسط تموز (يوليو) الماضي. حتى انتفاضة 17 أكتوبر اللبنانية تزامنت مع انتفاضة عراقية أخرى ضد النفوذ الإيراني في 2019.

 

ثمّة تحليل رائج مفاده أنّه عادة ما تكون السياسة الخارجية وجهة صنّاع القرار للتغطية على أخطائهم في الداخل. قضيّة النفط الإيرانيّ المتوجّه إلى لبنان، بما فيها من محاولة "إنقاذ" اقتصادي، والأهمّ، بما فيها من تحدّ واستعراض للقوّة في مواجهة عدوّ خارجيّ، تناسب هذا التحليل. لكنّ نجاح هذه المحاولة من عدمه مسألة أخرى.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم