إعلان

التّخيير الميليشيويّ بين الإذعان أو الاحتراب... العراق ولبنان نموذجاً

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
كتائب حزب الله العراقي، 2017 - "أ ب"
كتائب حزب الله العراقي، 2017 - "أ ب"
A+ A-

لـ"محور الممانعة" علاقة إشكالية مع القوانين والدساتير. هو يؤيّدها ما دامت تخدم مصلحته المباشرة ويرفضها في جميع الأحوال الأخرى. هذه هي "وحدة المعايير" الوحيدة التي يتعامل من خلالها مع مقوّمات أيّ دولة، إن ترَكَها تتأسّس. العراق ولبنان قدّما أمثلة على ذلك خلال السنوات، لكن أيضاً خلال الأيام القليلة الماضية. تحالفُ "الفتح" الذي يمثّل ميليشيات الحشد المدعومة من إيران أطلق تهديدات عدّة انطلاقاً من رفضه نتائج الانتخابات التشريعيّة التي أجريت الأحد الماضي.

 

بعدما أكّد القيادي في "الفتح" أبو ضياء البصري أنّ تحالفه توصّل إلى "حتميّة حول عملية التزوير بالدليل القاطع والدامغ"، أضاف في حديث إلى شبكة "رووداو"، أنّه إن لم تأخذ المفوضية العليا للانتخابات بهذه الأدلّة "فسيكون لنا موقف آخر". أعلن البصري أنّ كلامه "ليس في حيّز التهديد، بل موقف من عمليّة التزوير". وأوضح أنّ تحالف الفتح "لن يترك الساحة لأميركا وحلفائها وغيرهم ليلعبوا بها".

 

لم يكن موقف البصري يتيماً. قال النائب السابق عن التحالف مختار الموسوي إنّه تمت "سرقة أصوات الفتح من أجل ضرب الحشد الشعبي باعتبارنا الجهة المدافعة عن حقوقه". ورأى أنّ "جهات داخلية ودولية تريد ضرب الحشد، وبعد عجزها عن استهدافه عسكرياً، لجأت لاستهدافه سياسياً". وكان "الإطار التنسيقي للقوى الشيعية" الذي يضمّ "الفتح" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" و"ائتلاف النصر" و"دولة القانون"، قد أعلن رفضه لنتائج الانتخابات وتقديم الطعن بها.

 

وأعلن أبو علي العسكري المتحدّث باسم "كتائب حزب الله" أنّ "ما حصل في الانتخابات يمثّل أكبر عملية احتيال والتفاف على الشعب العراقي في التاريخ الحديث"، مضيفاً في بيان "أنّنا نقف بكل حزم وإصرار لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، والإخوة في الحشد الشعبي هم المستهدفون الأساسيون، وقد دُفع عربون ذبحهم إلى من يريد مقاعد مجلس النواب، وعليهم أن يحزموا أمرهم وأن يستعدوا للدفاع عن كيانهم المقدس".

 

وفسّر العسكري مكمن فقدان الانتخابات لنزاهتها بكونها قد شهدت النسبة الدنيا من المشاركة منذ سنة 2003. لكنّ العسكري تناسى أنّ جزءاً كبيراً من أسباب فقدان الناس حماستهم الانتخابية يعود إلى حملات العنف والقمع التي طالت المتظاهرين وحراك أكتوبر عموماً منذ 2019 وحتى اليوم، وتحديداً على أيدي الميليشيات الموالية لإيران. هذا على الأقلّ ما يقوله الناشطون المقاطعون للانتخابات بعدما سقط مئات القتلى وقرابة عشرة آلاف جريح منذ اندلاع الاحتجاجات.

 

في لبنان، يبدو الوضع مشابهاً إلى حدّ بعيد. يعلن الثنائيّ الشيعيّ ("حزب الله" و"أمل") المقرّب من إيران (بنسب متفاوتة)، احترامه لحكم القانون ودولة المؤسّسات. لكنّ هذا الاحترام يستمدّ جذوره لا من القيمة الموضوعية المترسّخة في حكم القانون نفسه بل من المصالح المباشرة التي يؤمّنها القانون والمؤسّسات للثنائيّ. أحدث مثل على ذلك هو طريقة تعاطي هذا الثنائيّ مع التحقيقات في ملفّ انفجار مرفأ بيروت. هو وقف ضدّ التحقيق الدوليّ لأنّه "مسيّس" و"يستهدف المقاومة". وهو يؤيّد التحقيق المحليّ بشرط ألّا يوجّه الاتّهامات إلى وزراء تابعين للثنائيّ. وحين استدعى المحقّق العدليّ طارق البيطار النائبين عن "أمل" علي حسن خليل وغازي زعيتر، أصبح البيطار "مسيّساً" وينفّذ "أجندات خارجية".

 

اللافت للنظر أنّ الثنائيّ وجّه توصيفات مشابهة إلى سلفه القاضي فادي صوان الذي كفّت محكمة التمييز يده عن القضيّة بناءً على طلب خليل وزعيتر بحجّة "الارتياب المشروع". أن يرتاب الثنائيّ من قاضيين لبنانيين ومن القضاءين اللبناني والدوليّ هو معضلة غير قابلة للحلّ، باستثناء اقتراح أنّ المسار القضائي الذي لن يرتاب منه الثنائي هو ذاك الذي يرسمه هو من الألف إلى الياء. طبعاً ثمّة جهات لبنانية أخرى مرتابة من البيطار. لكنّ الطرف الوحيد القادر على تحويل ارتيابه إلى تحرّكات ضاغطة في الشارع، وتهديدات مبطّنة بوقوع حرب أهليّة إذا استمرّ بعمله هو "حزب الله" و"أمل".

 

على أيّ حال، هذا ما كادت تتحوّل إليه التظاهرات الأخيرة أمام قصر العدل والتي كان الثنائي قد دعا إليها الخميس الماضي للاحتجاج على إدارته للملفّ. فقد تفرّع عن التظاهرة الأصلية التي توجّهت إلى قصر العدل حشد دخل أحد أحياء عين الرمانة، مجتازاً "خطوط تماس قديمة" على وقع استفزازات أدّت إلى وقوع صدام دمويّ واشتباكات دامت ساعات، سقط على إثرها ستة قتلى من طرف الثنائيّ.

 

كما يحصل مع تحالف "الفتح" حالياً، وقف "حزب الله" ضد نتائج الانتخابات سنة 2009، حين أطاح حكومة الرئيس سعد الحريري بعد عام ونصف على توليها مهامها. وتعرض المتظاهرون اللبنانيون بعد انطلاقة انتفاضة أكتوبر 2019 للقمع والضرب والاستهداف على يد الثنائيّ، كما حصل مع المنتفضين العراقيين، وإن يكن عدد الضحايا العراقيين أكبر بكثير. للحشد الشعبيّ كما للثنائيّ الشيعيّ تبريراتهم المستنسخة عند خسارة الاستحقاقات الانتخابية أو الحكوميّة أو القضائية: "المؤامرة" التي غالباً ما تحمل طابعاً "كونياً".

 

في العراق كما في لبنان، ثمّة تهديدات مستدامة بوقوع حرب أهلية. لكنّ الحرب بحاجة إلى طرفين مسلّحين. في العراق كما في لبنان، الطرف المسلّح الوحيد هو ذاك المدعوم من إيران. إنّه الطرف نفسه الذي لا يؤمن بمؤسّسات الدولة وحكم القانون إلّا اعتباطياً، أي حين تمكّنه من تحويل الدولة إلى خادمة للدويلة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم