إعلان

لبنان انتهى... من السّبب؟

المصدر: النهار العربي
يحيى شمص
تظاهرة ضد الأحزاب والفساد في ساحة الشهداء وسط بيروت
تظاهرة ضد الأحزاب والفساد في ساحة الشهداء وسط بيروت
A+ A-
بين تفاؤل حذر وحزن مجاز، واقع محال، الخروج عنه هروب الى الخيال، إنه سقوط الفضوليين حين يدنون من مدح النشاز، هم فرحون ينسون المؤرخ الذي لا يرحم ضحاياه، ونحن نلقي تحيات الصباح كالسعداء، مرّ الشتاء سريعاً وها هو الربيع يومئ لنا آتياً باكراً، لعله يهمس فينا بعضاً من أمل، في زهر لوزه خصب الطواحين، وفي صباحه عطر زهر التفاح وذكرى عصفور على شباك قرميد.

ليس للتاريخ عاطفة حتى نؤلهه كما نريد على مقياس طائفة أو أحزاب لبنانية وعربية استجلبت فوضى ثم حكمت تحت عناوين "التضحيات"، قادة دم خرافيون في خرافاتهم، لن نرضى بالبقاء على أبواب قيامتهم، أخذتنا هذه الأحزاب ومؤيدوهم والمتعاطفون معهم الى جحيم، ومن هم الضحايا سوى المستقلين، لن نألف حياة البائسين، ونبقى في أبيات الشعر القديم... لنحدد من هو القاتل الأكبر؟

لا فائدة من سرد التاريخ، لأننا سنبقى فيه، وهم يريدون من السذج أن يبقوا يتقاتلون ويتمادحون على هامشه، متى خرجنا منه خرجنا اليهم، وقُضي عليهم، لا بد من إكمال الطريق بدون هؤلاء، لن ننسى مجازر "إسرئيل" وما فعله بنا "أشقاء" مفترضون تحت شعارات عابرة للبنان، تكرار من ترهات الماضي من ستينات القرن الماضي حتى اليوم، ولكن صدّق "الفقراء" للأسف أخباراً عن بناء وطن على شاكلة زعماء ميليشيات يشتهون ولا يعتاشون إلا على الدماء.

كان أتباعهم يدمرون لبنان بأيديهم، منهم من علم بذلك ومنهم من لم يعلم، لكن قادة الدم أكثر العالمين، لن أكثر الكلام عن ماض عابر، دعونا نحدد بعضاً من الحقيقة، ونفصل مسار التاريخ عن محاولة صنعهم وامتلاكهم "التاريخ المزيف" بسردية الاستمرار الاضطرارية، وفق ما يعتقد مؤيدوهم منذ بدء الحوادث اللبنانية مطلع سبعينات القرن الماضي حتى الآن، وليكتب كل منا حكايته، لنرى النهاية، ونسأل: من يحق له أن يرث الأرض، أرض بلادنا؟
 

أزمة نظام أم أزمة حكم أحزاب
 
بات النظام اللبناني عبئاً على حامليه وحاميه، تاريخياً لم تُبنَ الأيديولوجيات السياسية والأنظمة الدستورية وقوانين الحكم في الدول وتتراكم إلا بعد كفاح طويل قاده مفكرون ومثقفون نخبويون من الثورة البلشفية (1917) الى الثورة الفرنسية (1789) وحتى مؤسسي النظام الديموقراطي الليبرالي على يد جان لوك (1776) وغيرها من الثورات الفكرية، ومع هؤلاء تأطرت الشعوب مرتكزة على أفكار العامة من النخبويين تحديداً، مؤسسين بذلك قواعد الحكم في الغرب، وواكبت النظم السياسية وبناء الدساتير وتوجهات الأحزب انتقادات وإصلاحات إيجابية من معارضين، ولعل التجربة الشيوعية في روسيا لا تزال أبرز مثال لضعف إرساء نظم فكرية دائمة مع رحيل مؤسسيها، ما أتاح لقوى غربية اختراقها بقوة، وهذا ما يجري حالياً.

أما هنا في الإقليم، وتحديداً البلد الصغير لبنان، بُنيت البلاد على يد قادة ميليشيات منذ بدء الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي، وحتى الآن نقبع في نظام تحاصص متوارث لسببين، أولهما خطيئة نظام الطائف بتوزيع السلطات بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، ما أضعف سلطة القرار وفاقم من صراع الصلاحيات، وثانيهما خطيئة الأحزاب الطائفية بعدم السير بتطبيق اتفاق الطائف (برغم علاته) لجهة مجلس الشيوخ تمهيداً لإلغاء الطائفية السياسية والانتقال الى دولة مدنية يعلم كثيرون منا أن هذه الأحزاب بمرجعياتها السياسية والدينية لا تريدها لأنها تعني نهايتها، نظراً لرصيدها وتراثها الطائفي لا الوطني حتى تبقى على قيد الحياة في حال السير فعلياً نحو نظام علماني مدني.
 
 
ثورة تشرين
 
لم تكن ثورة تشرين خطيئة، ولم يكن ينقصها مفكرون ولا برنامج إصلاحي ولا قادة مستقلون، ولكن من قال إن النظام الحديدي قابل للخرق، "معادلة التراضي" القائمة على الحفاط على ممثلي "محور الممانعة" في مقابل التكتم والتستر على "نظام الفساد" مستمرة، إنه العشق الأعظم، كأنهم أحبة مجهولون لا نسيان يجمهم بل ذاكرة حكاية مشتركة عن تبادلات كثيرة، دمّروا خلالها بنيان الدولة وكيانها، إنها علاقة سببية انكفأ وراءها الدستور والقانون، وحموا من خلالها أنفسهم وأطاحوا كل شيء، لا ينسى كثيرون حكومات "الترقيع" الوطني التي انتهكت السيادة والدستور والدولة، على قاعدة تشريع اللاشرعية.
 
حتى التدويل إن حصل فهو تحت عناوين الحماية المتبادلة، والمبادرة الفرنسية جزء من التدويل الإيجابي لأن هذه الأحزاب دوّلت لبنان حين احتلت الدولة فباتت غير مستقلة ومرتهنة القرار، ولا بد من التذكير بأن حكومات ما بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 واتفاق الدوحة واتفاق التيارين (المستقبل والوطني الحر)، كلها أخطر من التدويل الخارجي، وربما رفضهم السير بالخطة الاقتصادية الفرنسية دليل على عدم رغبتهم في تغيير نهجهم، فهم لا يختلفون على لون العلم الوطني ولا النشيد الجديد، فلبنانهم واحد.
 

دعوة البطريرك الماروني
 
الصيغة اللبنانية "التوافقية" التي أتت بالويلات على لبنان غير مؤهلة للتغيير والاستبدال بأخرى، أفضل أم أسوأ، وفي النهاية ستبقى البلاد في المعادلة نفسها، واشنطن وباريس الغرب وكل دول الإقليم وأحزاب الداخل تدرك ذلك، ولعل المبادرة الفرنسية وهي الأمل المتبقي لن تخرج عن دائرة "معادلة التراضي"، فالتسوية الشاملة مع إيران بعيدة حتى الآن، ودعوة البطريرك الراعي يبدو أنها لا تزال تحت هذه الدائرة وقد يكون الحوار المشترك بين الطرفين في بكركي مجرد تأملات مشتركة بأفكار متناقضة، تنتظر انفراجة أكبر لا تبدو متاحة، لا بل سيستمر ضرب الكيان اللبناني حتى قتله وتغيير هويته، وربما السعي لمؤتمر تأسيس لم يعد خافياً على أحد، ولكن ما هو الثمن ومن سيجرؤ على المس بالتوازنات الطائفية!

نهاية الطريق
 
الاتفاق المحتمل على حكومة جديدة، لن ينتشلنا من القعر، ولن تقدم دول الخليج وحتى تحت ضغوط الغرب من واشنطن وباريس على تغيير سياساتها الحذرة تجاه لبنان بسهولة، وربما في أحسن الظروف والأحوال ستدعم الليرة اللبنانية قليلاً حتى لا يستمر الانهيار.

في مطلع التسعينات، وبعد انتهاء الحرب، بدأ العمال بإزالة الركام من قلب بيروت لإعادة إعمارها، وأثناء عملهم عثروا في أحد المستودعات على عدد من سيارات "هيلمان" لا تزال ملفوفة بالنايلون، كانت مدمرة، ولكن لم تدمرها الحرب، بل دمرها الوقت والنوم الطويل.
 
وقد تبين بعد البحث أن وكيلها استوردها عام 1975 وحين اندلعت الحرب خبّأها من أجل حمايتها، ظناً منه أن المواجهات ستنىتهي بعد أيام، وما لبثت أن امتدت الأيام لسنوات، ونامت هذه السيارات ولمّا أيقظها العمال من النوم كانت الشركة المصنعة غير موجودة والموديل بات قديماً، فحملوها الى "الكسر والإتلاف" وظل عدّاد السير لم يتجاوز "الصفر".
 
وربما هذه حالنا، حين عشنا منذ التسعينات حتى الأمس القريب في نوم عميق، ظناً منا أن رفاهيتنا وحسن معيشتنا وكل شيء جميل حولنا سيستمر، وهو نتيجة ثمرة ثقافتنا وإبداعاتنا السياسية والفكرية بحق أنفسنا ووطننا، لكن لم نكن نعلم أننا سنجني ثمن خياراتنا الخاطئة المدمرة بسبب زمرة من الطائفيين انتخبوا هؤلاء الحكام، كنا أنانيين وكان الضحية لبنان، فمتنا نحن وما زالوا، هم، ملوكاً... ملوكاً حتى النهاية... أظن أن العقل المكوّن قد يكون أشد خطورة ودماراً على محيطه نسبة الى العقل الفطري.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم