إعلان

صلاحيات رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة: الاشتباك السياسي يغطي على الدستور ويفاقم الأزمة!

المصدر: النهار العربي
روزيت فاضل
"ميشال عون وسعد الحريري في قصر بعبدا. "النهار
"ميشال عون وسعد الحريري في قصر بعبدا. "النهار
A+ A-

يشكل التعثر المقلق في عملية تشكيل الحكومة مصيبة جديدة تضاف إلى مجموعة مشكلات يواجهها اللبنانيون منذ عام ونصف العام. يتزايد لدى الغالبية الساحقة شعور بأن انسداداً في الأفق ظهر واضحاً اليوم بعد كلام رئيس الجمهورية ميشال عون عن غياب أي فرصة للتأليف في وقت قريب وما رافقته من تصريحات لم تخلُ من الضبابية في شرح دور رئيس الجمهورية والصلاحيات الدستورية المنوطة به في تشكيل الحكومة، وذلك بالتوافق مع رئيس الحكومة المكلف.

 

موقع " النهار العربي" أجرى حواراً مع كل من وزير الداخلية اللبناني الأسبق زياد بارود والمحامي الدولي الأستاذ الجامعي الدكتور أنطونيوس أبو كسم حول صلاحيات رئيسي الجمهورية والحكومة في تشكيل الحكومة ودور مجلس النواب في تفعيل عملية التأليف.

 

يرى بارود أن "الاشتباك" سياسي أكثر منه دستوري، وهو يعبّر عن بلوغ محاولات التشكيل الحائط المسدود لاعتبارات لا علاقة لها بالصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية أو لرئيس الحكومة، بل هي اعتبارات سياسية بامتياز تتعلق بموازين القوى في الداخل الهش وبالإرباك الحاصل إقليمياً ودولياً وربما أيضاً محلياً على خلفية الانهيار الاقتصادي والتدابير غير الشعبية الواجب اتخاذها لإنقاذ ما تبقى".

 

وإعتبر أن "كل ذلك أدى ولا يزال إلى حرمان الناس من حقهم بأن تتولى شؤونهم الصحية والاقتصادية والمعيشية والأمنية وغيرها، حكومة مكتملة الأوصاف، لا حكومة تصريف أعمال، تستطيع أن تواجه الكم الهائل من التحديات الراهنة والآتية".

 

 الصلاحية

 

وعن الاختلاف في مقاربة صلاحيات رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة دستورياً، لا يرى بارود "إشكالية حقيقية مهما حاول البعض الإيحاء بتفسيرات مختلفة للنص الدستوري،" مشيراً الى أنه "استند في ذلك صراحة إلى الفقرة 4 من المادة 53 من الدستور، التي أعطت رئيس الجمهورية صلاحية أن يُصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة".

 

هذا يعني وفق بارود، "أن كلاً من الرئيسين أن يتفق مع الآخر لإنضاج تشكيل الحكومة من دون أي تفرد، بحيث يأتي تأليفها كنتاج مشترك بينهما".

 

وتوقع عند "الإصدار" الحكومي بالمعنى الدستوري أن "يكون ذلك فعلاً إيجابياً وجوهرياً، بمعنى أن رئيس الجمهورية، عندما يصدر المرسوم، يكون شريكاً في التشكيل، إذ لا يمكن اعتباره في حالة ما نشير إليه بالصلاحية المقيدة (competence liée)، أي بمعنى مبسط أنه يعود لرئيس الجمهورية أن يوقع أو لا يوقع، ما يستتبع أيضاً وحكماً أن يناقش رئيس الحكومة المكلف في ما يراه من توجه".

 

ولفت الى أن هذا الكلام "لا ينتقص إطلاقاً من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، الذي يبقى هو أيضاً شريكاً كاملاً في التشكيل، ويبقى توقيعه جوهرياً. فالفقرة 2 من المادة 64 من الدستور، تنص صراحة على أنه يوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها أي الحكومة".

 

إنجاز التشكيل

 

"أما المشكلة الأساس"، فهي وفقاً له، "في أن لا مهلة لإنجاز مهمة التشكيل: لا مهلة لرئيس الجمهورية ولرئيس الحكومة ليصدرا مرسوم التشكيل، ويمكن أن يستغرق أشهراً طويلة، وقد حصل ذلك في حالات عدة، منها حكومة الرئيس تمام سلام التي استغرقت أكثر من عشرة أشهر لترى النور".

 

وقال: "بالمختصر، أن لا إشكالية دستورية حقيقية على مستوى الصلاحيات، بل هي الشجرة التي تخفي الغابة: غابة الاعتبارات الكثيرة في غياب الضوابط الزمنية في النص الدستوري".

 

وبالنسبة إليه، "لا دور لمجلس النواب دستورياً في هذه الحالة، بل يكتفي باعتبار الحكومة مستقيلة، منتظراً البيان الوزاري للحكومة العتيدة التي عليها أن تتقدم به لنيل الثقة منه في مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها، هذا إن صدر...".

 

 بالنسبة إلى أبو كسم "هناك أزمة سياسية مرتبطة باختلاف موازين القوى، انعكست على تأليف الحكومة، حيث أن معركة الرئاسة فتحت باكراً، والأنظار متوجهة إلى ما بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية".

 

دور رئيس الجمهورية

 

وإعتبر أنه "بحسب الدستور اللبناني (المادة 62)، في حال خلو سدة الرئاسة لأي علّة كانت، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء"، مشيراً الى أن "أزمة النظام مرشحة للاستمرار، إذا كانت الحكومة العتيدة هي التي ستدير شؤون البلاد في حالة الفراغ، وهي التي ستشرف على الانتخابات النيابية في عام 2022".

 

وشدد على أن "رئيس الجمهورية، بحسب الدستور، هو المؤتمن على ضمان احترام الدستور، وبالتالي يتوجب عليه تصويب أية شائبة تعتري أي تصرف أو سلوكٍ مخالف للدستور".

 

عن دور رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة، ذكر أبو كسم أن "الدستور اللبناني أناط برئيس الجمهورية صلاحيات يمارسها منفرداً، أبرزها تسمية رئيس الحكومة بعد إجراء استشارات نيابية ملزمة بعد التشاور مع رئيس مجلس النواب، فهو الذي يُجري الاستشارات منفرداً مع أعضاء مجلس النواب من أجل اختيار رئيسٍ للحكومة، وهو يصدر مرسوم تسمية رئيس الحكومة منفرداً، وذلك وفقاً للمادة 53 من الدستور".

 

مجلس النواب... والإعتذار

 

أما في ما يخص تشكيل الحكومة، فقال إن "الرئيس المكلف يشكل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، ويوقعان معاً مرسوم تشكيل الحكومة"، مشيراً الى أن "كون رئيس الجمهورية هو المؤتمن على احترام الدستور، فهو تالياً يؤتمن على احترام تشكيل الحكومة والاستشارات، التي أجراها مع السلطة التشريعية".

 

واعتبر تالياً أن "دور رئيس الجمهورية لا يقتصر على توقيع مرسوم تشكيل الحكومة، فعلى رئيس الجمهورية مسؤوليتان، الأولى المحافظة على الدستور وفقاً لقسم يمين الإخلاص للأمة والدستور بحسب المادة 50 من الدستور، والمسؤولية الثانية المحافظة على الميثاق الوطني".

 

فرئيس الجمهورية، وفقاً له، "ليس ممثلاً للطائفة المارونية وليس ممثلاً للتيار الوطني الحر، بل هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن"، مشيراً الى أنه "وبصفته الدستورية كضامنٍ لاحترام الدستور المؤلف من نصوصٍ مكتوبة ومن مجموعة من الأعراف، عليه ضمان أن يكون تأليف الحكومة ميثاقياً يكفل المشاركة الفعلية لمكونات المجتمع اللبناني التعددي".

 

ورداً على سؤال عن دور مجلس النواب في دفع الأمور نحو تشكيل الحكومة، لفت أبو كسم الى أن "النظام اللبناني كنظام برلماني يقوم على فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، ويقتصر دور مجلس النواب على المشاركة في عملية الاستشارات لتسمية رئيس للحكومة ولإعطاء الثقة للحكومة وفقاً لبيانها الوزاري وللرقابة على عمل الحكومة وصولاً إلى طرح الثقة".

 

وإعتبر أن "ليس من نص دستوري يمنح السلطة التشريعية صلاحية التدخل لسحب الثقة من رئيس الحكومة المكلف أو لإلزامه مهلة معينة ليؤلف حكومته بالاتفاق مع رئيس الجمهورية".

 

وخلص أن "على رئيس الحكومة أن يتخذ القرار المسؤول، إما أن يمضي بعملية تشكيل الحكومة في حال استمرار دعم الأكثرية النيابية، أو أن يعتذر عن التكليف في حال فقدان الأكثرية النيابية، إلا أنه لا يجوز له أن يستغل غياب مهلة دستورية لتشكيل الحكومة كورقة ضغطٍ قد تؤدي إلى تعطيل عمل السلطة الإجرائية عبر استمراره كرئيس حكومة مكلف إلى ما لا نهاية"، وقال إن "ليس هناك من نص دستوري يخول رئيس الحكومة فرض تشكيلة حكومية على رئيس الجمهورية، فالأخير هو شريك في عملية التشكيل الدستورية، بصفته رئيس الدولة والمؤتمن على حماية الدستور والميثاق، حيث أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

 

 Twitter:@rosettefadel

 

 

 

الكلمات الدالة