إعلان

جورج وجيسيكا...قصتا حياة وموت في مستشفى بيروتي

المصدر: أب
الدمار في مستشفى "سان جورج"
الدمار في مستشفى "سان جورج"
A+ A-

 شعرت إيمانويل خنيصر بالمخاض طوال اليوم. وقرابة السادسة كان قد اقترب موعد ولادة طفلها الاول. 

 

وتحتها بخمسة طوابق، كانت الممرضة الشابة في قسم الأمراض النفسية جيسيكا بيزدجيان وصلت للتو إلى مستشفى القديس جاورجيوس في بيروت قبل موعد دوامها بساعة.

 

وفجأة، انفجر  كل شيء.

 

في لحظة واحدة، تطايرت النوافذ والأبواب، وانهارت الأسقف في كل الطوابق. وتصاعد الغبار وغطى الزجاج المحطم الممرات والقاعات. وفي الظلام والفوضى والدماء، تعالت صرخات المرضى والأطباء والممرضات.

 

يقع مستشفى القديس جاورجيوس، أحد أعرق المراكز الطبية في لبنان وأقدمها اوالمطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط، على بعد حوالي 900 متر من مرفأ بيروت. 

 

في 4 آب (أغسطس) من العام الماضي، انفجرت مئات الأطنان من مادة نترات الأمونيوم المخزنة في مستودع المرفأ، في أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ. 

 

دمّر الانفجار العاصمة اللبنانية والأحياء المجاورة  الساعة 6:07 مساءً، وأسفر عن مقتل 214 شخصاً على الأقل، ومنهم 22 في مستشفى القديس جاورجيوس.

 

وبعد مرور عام، لا تزال كل لحظة من ذلك اليوم المشؤوم مطبوعة في أذهان اللبنانيين. ولا يزال الكثيرون يعانون من الصدمات الجسدية والنفسية.

 

ويتصارع البعض مع ألم فقدان أحبائه، في وقت يحاول البعض الآخر فهم معنى البقاء على قيد الحياة.

 

وقال إدموند خنيصر، زوج إيمانويل: "كانت أجمل لحظة في حياتي والأبشع في الوقت نفسه".

 

حوالي الساعة الخامسة من ذلك الصباح، "طقت مية الراس"، في إشارة الى أن لحظة الولادة لإيمانويل قد حانت، فهرع الزوجان إلى المستشفى، وتحديداً الطابق الخامس.

 

وانضم إلى إيمانويل والداها وأختها، بالإضافة إلى والدة زوجها وأخته، في انتظار ولادة الطفل جورج. 

 

وفي الضواحي الشمالية لبيروت، أيقظت شوشان يغيان ابنتها الصغرى جيسيكا (22 سنة) الساعة الرابعة بعد الظهر لتستعد لعملها. وعادة، كانت جيسيكا تنام معظم اليوم، بسبب دوامها الليلي في المستشفى حيث كانت تعمل لتوفير قسطها لدراسة الماجستير.

 

تناولت طعامها، ومع وصول أختها الكبرى روزالين إلى المنزل حوالي الساعة 5:30 مساءً، استقلت السيارة وغادرت المنزل، ملوّحة لوالدها، جورج بيزدجيان، الذي كان يقف على الشرفة.

 

وقالت والدتها والدموع تنهمر على وجهها: "يا ريت ما وعيتا" (ليتني لم أوقظها).

 

الساعة 5:45 مساءً، ظهر رأس الطفل، ونقلت إيمانويل إلى غرفة العمليات. كان زوجها إدمون يسأل الممرضات اذا كان يستطيع مشاهدة الولادة،عندما دوى انفجار عنيف.

 

وانهار السقف وإطارات النوافذ على إيمانويل، وطمرها الزجاج من خصرها إلى أسفل جسدها. 

 

رمى عصف الانفجار طبياً تحت السرير فيما سقط الحطام على آخر. المآزر البيض للأطباء والممرضات صارت حمراء.  والآلة التي كانت تسجّل نبضات قلب جورج،  انكسرت.

 

تخبر إيمانويل أنها كانت في حالة صدمة، ولم تكن تعي ما يحصل.

 ووثقت مقاطع فيديو التقطها إدمون حالة الذعر التي عمّت المكان. وفي أحد المقاطع، كان يصرخ: "وين مرتي؟ خليكي خليكي. يا عدرا!". 

 

 

كانت ساقه تنزف ىولكنه راح يزيل الحطام عن جسد زوجته.

 

ولحظة الانفجار، عاد الطفل مجدداً الى داخل إيمانويل، ما تطلّب إعادة الولادة من الصفر. ونقل الأطباء سريرها إلى ممر في مخرج الطوارئ، حيث كان الضرر أقل.

 

كانت الأم مشوشة ولم تعرف ما إذا كان طفلها لا يزال على قيد الحياة. وأحضر طبيب شاشة ووضعها على بطنها. بعد لحظات قليلة من التوتر، سمعوا دقات قلبه.

 

في حينه نسيت إيمانويل ما يحصل حولها، وشعرت بأن لديها سبباً  تحيا من أجله، فاستجمعت كل قواها وتخلصت من كل الأفكار السلبية وعادت للتركيز على الولادة.

 

بينما كانت إيمانويل تدفع للمساعدة في ولادة طفلها، كانت تسمع  بكاء حولها وصفارات سيارات الإسعاف تدوّي. مر بها أشخاص  مذعورون يدخلون ويخرجون من مدخل الطوارئ، بحثاً عن أحبائهم. ومع حلول الظلام ، واصل الأطباء عملية الولادة على أضواء الهواتف  المحمولة.

 

  ومع حلول الظلام، تابع الطبيب عمله على ضوء هاتفه المحمول.

 
 
خرج إدمون ليتفقد والدته التي عانت من كسور في الأضلع، ووالد إيمانويل الذي أصيب في رأسه.

 

وعندما عاد، شاهد الطبيب يستخدم ملقطاً لإخراج جورج. وفي الساعة 7:18 مساءً، أطل طفل ذو الشعر البني الداكن، بعد 71 دقيقة من الانفجار.

 

قالت إيمانويل، وهي تحاول إمساك دموعها، أنَّها لم تصدق أن جورج قد ولد. وعندما وضعوه على صدرها، شعرت بذنب شديد واعتذرت منه عن ولادته بهذه الطريقة. 

 

وفي أحد مقاطع الفيديو التي صورها إدمون، يمكن سماع ممرضة تحضر الطفل باكياً إلى إيمانويل، قائلة: "إنه جميل جداً".

 

عندما تصل جيسيكا إلى العمل، ترسل إلى والدتها رموزاً تعبيرية من القبلات أو القلوب. في 4 آب (أغسطس)، وعند الساعة 6:05 مساءً، أرسلت رمزاً تعبيرياً لملاك. بعد دقيقتين، وقع الانفجار المروّع.

 

عندما وصلت الأنباء عن قوة الانفجار إلى العائلة، بدأت يغيان بالصراخ: "حاسة شي بقلبي. يمكن ماتت البنت".

 

 

قصد  زوجها وابنتها الكبرى  الى مسشتفى القديس جاورجيوس، فيما بقيت الوالدة في المنزل، تحاول الاتصال بجيسيكا. ومع مرور الوقت، لم تعد تستطيع الانتظار،  فطرقت باب جارها وطلبت منه أن يأخذها إلى المستشفى. وبسبب السير الكثيف، نزلت من السيارة وأوقفت رجلاً على دراجة نارية، وشقا طريقهما عبر المركبات إلى المستشفى. 

 

وصل الأب وابنته أولاً. وقيل لهما إن جيسيكا كانت في قسم الطوارئ، فاعتقدا أنها كانت تساعد الجرحى.

 

تعرفا عليها من حذائها. كانت مستلقية على أرضية جناح الطوارئ، ويضغط الأطباء على صدرها

شاهد   بيزدجيان الجرح في كتف ابنته وحقيبتها الملطخة بالدماء على الأرض بجانبها.

 

وتذكر بصوت مرتجف أنَّه نزع حذاءها وبدأ يقبل قدميها. وتوسل إلى الله أن يأخذ من عمره ويطول من عمر ابنته. وعندما وصلت يغيان ورأت جثة ابنتها، أغمي عليها.

 

توفيت جيسيكا متأثرة بجروحها في الوقت نفسه الذي وُلد فيه جورج.

 

كان مستشفى القديس جاورجيوس في أزمة وسط دمار هائل. وكان لا بد من إغلاقه، لأول مرة منذ تأسيسه عام 1878.

 

أجلى الطاقم الطبي المذهول المرضى وحملهم على كراسيّ بلاستيكية. واصطف المرضى على الرصيف في الخارج. وعالج الطاقم الطبي المصابين في الهواء الطلق في الفناء الرئيسي.

 
 

ووصلت سيارات الإسعاف والجرحى من مختلف أنحاء المدينة. وتذكر ألكسندر نعمة، كبير المسؤولين الطبيين في المستشفى، قوله لهم: "لم نعد موجودين". 

 

في  الطابق الخامس، كان إدمون يمسك ابنه بإحكام، خوفاً من فقدانه وسط الفوضى. وأخبر الأطباء الثنائي أن عليهما  نقل جورج إلى مستشفى آخر في غضون أربع ساعات.

 

نُقلت إيمانويل على كرسي، بينما أرسل إدمون رسائل إلى كل المجموعات عبر "واتساب" لمعرفة الأقرب إلى الموقع لمساعدتهم على الخروج من المنطقة. سارت العائلة بين الحطام والزجاج، إلى حيث كان صهر إدمون ينتظر في سيارته التي تضررت بشدة.

قطع إدمونوإيمانويل وطلفهما  حوالي 8 كيلومترات نحو شمال   مدينة بيروت، ليصلوا الى مستشفى يستقبلهم.  

 

أمضت العائلة أسبوعاً في المستشفى حيث تعولجت إيمانويل من التهاب أصيبت به. وأخيراً، أحضر الوالدان طفلهما إلى المنزل.

 

عادت عائلة جيسيكا إلى المنزل قبل وقت قصير من منتصف ليل. وفي اليوم التالي، اتصلت إدارة المستشفى للطلب من بيزدجيان أن يأتي لأخذ جثة ابنته بسبب انقطاع الكهرباء في المشرحة.

 

 

وانتظرت العائلة أربعة أيام قبل وصول قريبها من الخارج لتقيم مراسم الجنازة، التي زُينت كحفلات الزفاف. وارتدى المعزون ملابس بيضاء. وأدى الكاهن الكاثوليكي صلاة تقام في الأعراس.

 

وقال الوالد: "أشكر الله أن ابنتنا بقيت قطعة واحدة وتمكنا من دفنها"، لا سيما أنَّ بعض عائلات الضحايا دفن أجزاء من أجساد فلذاتهم.

 

وبعد ثلاثة أيام من الجنازة، أخذت العائلة كلب جيسيكا، ماكر، إلى حيث دفنت، وشاهدته من بعيد يركض من قبر إلى آخر، ثم قفز على قبر جيسيكا وبدأ ينبح.

 

وفي ذكرى عيد ميلاد جيسيكا الثالث والعشرين، زارت العائلة قبرها حيث احتفلت بالمناسبة.

 

اليوم، يراقب إدمون وإيمانويل جورج وهو يلعب في غرفته. ورغم فرحتهما به، قررا الاحتفال بعيد ميلاده الأول بعد أيام قليلة من آب (أغسطس) احتراماً للضحايا.

 
 

وأكد إدمون ، المواطن اللبناني - الكندي، أنَّ الثنائي لا ينوي مغادرة لبنان، رغم جميع الأزمات التي يشهدها.

 وروت إيمانويل أنها ستخبر جورج ذات يوم عما حدث، وكيف كانت ولادته شعاع نور وسط كل الظلام. 

الكلمات الدالة