إعلان

4 آب... يوم الزلزال الكبير الذي غير وجه بيروت

المصدر: النهار العربي
يحيى شمص
انفجار مرفأ بيروت
انفجار مرفأ بيروت
A+ A-
 
 سلاماً للأرواح تمرّ ذاكرة لذاكرتي. أمشي لأول مرة حزيناً، أجهش بكاءً... لي حكمة المحكوم بالإعدام. أترك قصائد الحب القديمة، أنأى عن زماني حين أدنو من تضاريس المكان. كتبت وصيتي بدمي، ونمت مضرجاً ومتوّجاً بغدي، لم أحلم... بما سأحلم؟ لا أشياء أملكها لتملكني. سنحيا مرة أخرى... تأجّل الإعدام... فعدّلوا الوصية!
 
كانت ساعة الميناء تعمل وحدها، صيادو السمك لا يسمعون سوى سردية الغيتار، يرمون شباكهم وينتظرون انجدال الأمواج. على سطح مبنى "النهار" عشاق يرقصون ويلهون على ما تبقى من أقحوان.
 
الشمس تستعد للغياب... غياب مؤلم.... انها السادسة وثماني دقائق من ثلثاء الرابع من آب (أغسطس) قبل عام، اهتزت الأرض تحت أقدامنا. كأن السماء وقعت علينا. زلزال يهز بيروت ويقلب مساءها ذاك جحيماً لا يُنسى.
 
حريق، دخان، انفجار صغير.. ثم ثانية، ثانيتان، ثلاث ثوان.... الانفجار الكبير. انفجار غيّر وجه بيروت ومعه وجوه بيارتة ولبنانيون كثر لم يعرفوا مذّاك طعم الطمأنينة.
 

دمّر الانفجار أجزاءً كبيرة من العاصمة، منذراً لصفحة سوداء جديدة في تاريخ المدينة التي عصفت بها الزلازل والحروب من دون أن تنال منها.
 
وجاء ذلك الزلزال بعد ساعات من انطلاق موقع "النهار العربي" آخر عناقيد صحيفة "النهار". كانت الأضرار في مكاتب الصحيفة كبيرة، بشرياً ومادياً. زملاء كثر أصيبوا بجروح ونزفوا طويلاً قبل أن يُنقلوا الى المستشفيات.
 
المكاتب دُمّرت، ومعها صار مصير الخطط لمشروع عربي  طموح ينطلق من قلب بيروت،  في المجهول. ولكن الضّياع لم يطل. ففي أقل من 24 ساعة حسمت رئيسة التحرير نايلة تويني الأمر: "نحنا مكفيين" (نحن سنتابع).
 
لملم الزملاء جراحهم سريعاً. حاولنا تحويل الانتكاسة، قوة. رُمّمت المكاتب على عجل، وأعيد التواصل مع مراسلينا في بقية الدول العربية، مؤكدين لهم استمرار الموقع.
 
 
بين حكايتين عن البطولة والعذاب... أهل الضحايا وذووهم هم أكبر ضحية، فلا ضحية تقتل أخرى، في الحكاية هنالك قاتل وضحية، أما الباقي فتفاصيل من آثار المأساة، كوردة باردة تنتظر ذوبان الثلج كي تعود بعد غياب.
 

لنحترم القيامة بعد هذا الموت، نريد أن نحيا قليلاً... الموت لا يعني لنا شيئاً، نكون فلا يكون... الموت لا يعني لنا شيئاً، يكون فلا نكون.
 
إعلان الحقيقة في انفجار مرفأ بيروت يعني حكماً إقراراً من الدولة اللبنانية التي تحكمها الأحزاب بأنها دولة فاسدة وعاجزة عن حماية مواطنيها. لهذا وغيره، لن تُعلَن حقيقة الانفجار إلا بعد عقود (ويمكن ألا تعلن). حينها تتغير الأحوال وترحل الأجيال لتأتي أخرى، وذوو الضحايا قد تعبوا حزناً وبكاءً. من خسر معنوياً ستبقى جراحه لذاته وللتاريخ، كل هذا يلغي احتمال أي محاسبة، وحينها أيضاً لا ندري من سيبقى حياً من ذيول هذه الكارثة المأسوية ليصرخ في وجه التاريخ والقدر... قدر هم اصطنعوه... وليس الله.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم