إعلان

الشّعب اللبناني ومتلازمة الزّيت المدعوم

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
مساعدات غذائية من برنامج الغذاء العالمي لدى وصولها إلى مرفأ بيروت.رويترز
مساعدات غذائية من برنامج الغذاء العالمي لدى وصولها إلى مرفأ بيروت.رويترز
A+ A-
لطالما تغنى الشعب اللبناني وتبجح بدوره الريادي، إن كان بلسان النابغة المجنون سعيد عقل، أو باختراعه حروف الأبجدية، أو بسخافة أكبر صحن حمص وأكبر قرص كبة. "إنجازات" أعطت ربما بعض الجماعات الموجودة على أرض لبنان شعوراً خادعاً بالتفوق العرقي والثقافي.

وإلى هذه الهلوسة يضاف إيمان اللبنانيين العميق بأنهم - كما أجدادهم الفنيقيون المزعومون - شعب مرن (Resilient) قادر على النهوض من كبوته وإعادة إعمار الحجر والبشر تحت أحلك الظروف، وأوهامهم المُرضعة من ثدي أمهاتهم بأن العالم الغربي والعربي لم ولن يتخليا عنهم تحت أي ظرف، فقط لأنهم قيمة مضافة على البشرية.

في الواقع، الشعب اللبناني وفي هذه المرحلة الدقيقة والمدمرة بالذات لا يمر فقط بأزمات اقتصادية وسياسية، بل يعاني اضطرابات نفسية عميقة وخطيرة أدت إلى إصابته بمتلازمات عدة، وعلى رأسها متلازمة الزيت المدعوم.

بحسب التعريف العلمي، فإن المتلازمة هي "مجموعة من العلامات والأعراض الطبية المرتبطة بعضها ببعض والمتعلقة غالباً بمرض أو اضطراب معين"، وهي تُعرّف بالإنكليزية بالـ Syndrome. في حالة لبنان، تنطبق متلازمة الزيت المدعوم على شعبه الذي تقاتل في ما بينه عبر الأسابيع المنصرمة في المحال والمتاجر للحصول على المواد الغذائية المدعومة من سكر ورز وحليب وزيت نباتي.

صور وتسجيلات فيديو لهذا التقاتل تناقلها اللبنانيون حول العالم، أحدثت حالة من التعاطف والغضب اللذين ما لبثا أن تحوّلا دهشة من قبول هذا الشعب "العظيم" بقدره واتجاهه إلى اقتلاع الزيت والحليب من أفواه مواطنيه، من دون إن يحوّل نهمه وغضبه باتجاه اقتلاع السلطة السياسية وأمرائها المسؤولين عن نكبته من جذورها.

متلازمة الزيت المدعوم تمتد كذلك لتشمل قناعة راسخة عند مجمل اللبنانيين بأن أموالهم المودعة في المصارف ستعود إليهم عاجلاً أو آجلاً، نتيجة تدخل المجتمع الدولي أو يقظة ضمير طبقتهم السياسية. والطبقة السياسية الفاسدة تقوم من جهتها بتعزيز هذا الوهم وبعث الأمل في نفوس السذّج الذين أودعوا مدخراتهم وجنى عمرهم في سراديب الطغمة المصرفية التي بدورها قامت بتمويل الدولة اللبنانية واقتصاد السحر والشعوذات المالية.

الصفقة التي غرّرت بالشعب اللبناني ليسلّم أمواله إلى المصارف مقابل فوائد خيالية كانت قانونية، لكنها بكل بساطة لم تكن أخلاقية، سواء من جانب المودع أم من المصارف. فالفائدة على الودائع التي وصلت أحياناً إلى 14 و15% كانت كفيلة بجعل أي إنسان عاقل، ولو بعد حين، أن يعي بأن الربح السهل والسريع لا يختلف كثيراً عن المقامرة، مع فارق وحيد ربما أن لعب الميسر، برغم خطورته، هو أضمن من نظامهم السياسي والمصرفي.

الشعب اللبناني ليس ضحية طمَعه ولا ضحية طبقة سياسية فاسدة متحالفة مع السلاح الإيراني فحسب، بل هو ضحية اعتقاده أنه مميز، في حين أنه ليس سوى أمة تعاني الأرق والقلق والإدمان وحفنة من التحديات النفسية والأخلاقية الأخرى التي لا تعالج بأطنان من العقاقير والحبوب المهدّئة.

ولمواجهة مستقبله القاتم والقاتل، على الشعب اللبناني أن يتنازل أولاً عن أوهامه ويقتنع بأن ماله قد تبخر، ولا سيما أولئك المناضلين والمناضلات في سبيل استرجاع أموال المودعين والأموال المنهوبة في الخارج، ومن ثم عليه أن يعترف بأنه وكجماعة يعاني مجموعة من المتلازمات، وعلى رأسها متلازمة الزيت المدعوم التي تجعل منه عبداً عند أسياد امتهنوا المتاجرة بدماء الشهداء في معارك وهمية. وبعد اعترافه بإصابته بأمراض عضال، يمكنه أن يبدأ رحلة العودة إلى رشده واستبدال أدويته المخدرة السياسية والنفسية بحمية جديدة تقدّم الواقع وحكم القانون على الوهم وفائض القوة والتذاكي.. لعنة اللبنانيين لعنة منذ الأزل.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم