إعلان

متصدّياً لـ"الكراهية" التي غذّتها تيارات متطرفة... الأزهر يهنّئ المسيحيين بالأعياد

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
شيخ الأزهر أحمد الطيب والبابا تواضروس في صورة من الأرشيف.
شيخ الأزهر أحمد الطيب والبابا تواضروس في صورة من الأرشيف.
A+ A-

مع حلول العام الجديد، واقتراب احتفال أقباط مصر بأعياد الميلاد المجيدة في 7 كانون الثاني (يناير)، يتفجر الجدل مجدداً بين المسلمين حول شرعية تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية، ما يكشف عن التأثير العميق الذي تركته تيارات الإسلام السياسي، لا سيما التيار السلفي المتشدد، في أفكار قطاعات واسعة من المصريين الذين لا يتبعون تلك التيارات، على الرغم من تراجعها سياسياً.

 

ويأتي هذا الجدل الذي يشتعل على مواقع التواصل الاجتماعي، مع أن المؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية بمصر (الأزهر) أعلنت موقفها من أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم جائز شرعاً. كما أن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب نشر تهنئة بأعياد الميلاد موجهة لقادة الكنائس المسيحية الغربية والشرقية على صفحته الرسمية بموقع "فايسبوك". وكذلك أصدرت الصحيفة الرسمية للمشيخة "صوت الأزهر" عدداً خاصاً، الأربعاء، للاحتفاء بالأعياد المجيدة.

 
 

وظلت تيارات الإسلام السياسي تعمل بنشاط كبير على مدار أكثر من 5 عقود متتالية، ونجحت في نشر خطابها المتزمت عبر الكتب، وأشرطة الكاسيت، وقنوات تلفزيونية فضائية، ومنابر المساجد التي سيطرت عليها تلك التيارات حتى سنوات قليلة ماضية، قبل أن تتجه الدولة المصرية إلى وضع ضوابط صارمة للخطابة بالمساجد، وتشترط تأهل أئمة المساجد وحصولهم على تراخيص لمزاولة الخطابة، في إطار حربها على الإرهاب والتطرف.

 

كيانات موازية

يقول الكاتب الصحافي أحمد الصاوي رئيس تحرير "صوت الأزهر" في حديثه لـ"النهار العربي" إن "الخطاب الديني المصري (الرسمي والشعبي) الذي عبر عنه الأزهر الشريف لأكثر من ألف عام ظل منفتحاً، وقابلاً للآخر، ومعززاً لحرية الاعتقاد وحق ممارسة الشعائر الدينية، ولم تظهر في المجتمع المصري مشكلات وظواهر ذات علاقة بالتعايش بين المسلمين والمسيحيين، ومنها جدل جواز التهنئة بالأعياد، إلا بعد خلق وانتشار كيانات وجماعات أريد لها أن تكون موازية للأزهر الشريف، وتحاول - بدعم منظور وخفي - سحب مكانته ومرجعيته لدى العامة".

 
 
 

ويشير الصاوي إلى أن "تلك الكيانات، للأسف الشديد، نجحت في فرض خطابها، ليس فقط على أتباعها، ولكن على قطاعات واسعة اعتبرت أن هذا هو الخطاب الديني الطبيعي والتقليدي".

 

ويرى الكاتب الصحافي أن ما سبق ذكره "جعل خطاب الأزهر ومواقفه الداعمة للتعايش تظهر وكأنها مستجدة أو طارئة رغم أنها مواقف ثابتة ومتجددة طوال قرون، طورها وعصرنها الأزهر في عصر الإمام الطيب بتبني مفاهيم المواطنة والتأصيل لها إسلامياً، ومواجهة المفاهيم السابقة ذات السياق التاريخي المنتهي، كالجزية، وأهل الذمة، باعتبارها ماضياً تاريخياً، كان له ظروفه وسياقه، وتجبه المواطنة الكاملة، وهو ما انعكس على مقررات الأزهر الدراسية ووثائقه، ومواقف شيخه الأكبر وهيئاته".

ويضيف الصاوي: "تجربتنا في "صوت الأزهر" أيضاً دليل عملي على ذلك، حيث نحتفل كل عام مع المحتفلين بعدد خاص يتناول المشترك الديني والقيمي بين الإسلام والمسيحية، ومن ذلك تبجيل السيد المسيح وتكريمه، وأمه العذراء عليهما السلام، كما يتم الرد على كل الشبهات في هذا الملف، ومنها الرد على ادعاء أن الإسلام يحرم بناء الكنائس، بالتأكيد على عدم صحة هذا الزعم، والتشديد على رؤى فقهية تؤكد حرية بناء الكنائس، وواجب حمايتها من قبل المسلمين، والتأكيد على أن المسلم الذي يموت دفاعاً عن كنيسة يكون شهيداً بالمعنى الشرعي الإسلامي".
 

ويعتبر رئيس تحرير الصحيفة الرسمية للمشيخة أنه "لا يمكن تقييم مواقف الأزهر من دون العروج على تتويجها بتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، كبيان عالمي ومنتج واضح للحوار الإسلامي المسيحي المثمر بين الأزهر الشريف وإمامه الطيب وبين الفاتيكان والبابا فرنسيس".

 

التشبع بالكراهية

من جانبه يرى كبير أئمة وزارة الأوقاف بمحافظة الدقهلية الشيخ نشأت زارع أنه "من الغريب والعجيب أن الأوساط العلمية العالمية تتحدث عن إطلاق أعظم تليسكوب فلكي لخدمة الإنسانية (جيمس ويب)، واكتشاف أسرار الكون ثم ننظر إلى حالنا فنجد عندنا من يحدث ثورة أيضاً، ولكن من نوع آخر، ثورة في الكراهية والبغضاء وفقه النكد".

 
 

ويقول زارع لـ"النهار العربي": "في كل عام، وفي أعياد الميلاد تخرج علينا طائفة معينة في المجتمع متشبعة بالكراهية، يقدمون الكراهية بدلاً من الحب، والبغض بدلاً من المودة، والتكفير بدلاً من التفكير، ويحرمون تهنئة إخواننا المسيحيين بعيد الميلاد، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً ويجاهدون في سبيل الله، ويتناسون أن ثوابت الإسلام تحث على المودة مع أي إنسان مسالم، من دون النظر الى هويته الدينية".

 

ويوجه كبير أئمة الدقهلية سؤالاً "لكل الكارهين الذين يرفضون تهنئة إخواننا المسيحيين الذين يتعايشون معنا في أوطاننا: أود أن يقنعني أحد أتباع التيار السلفي، كيف يجوز لي أن أتزوج (بمسيحية) وأعاشرها وأنجب منها ويصبح بيننا علاقة دم ونسب ومصاهرة وأولاد وعشرة ومودة ورحمة، يعني خال أولادك جورج واسحاق وميشيل مثلاً، كل هذا، كما أنك توافق أن تأكل طعامهم، وكل هذا جائز شرعاً، ثم يأتي عيدهم، فترى أنه من المحرم أن أهنئهم بعيدهم، وإذا توفيت ترى أنه محرم أن أقول الله يرحمها، أو أن أدعو لها بالرحمة، فهل هذا منطق؟ أين العقول التي تفكر؟".

 

ويعتبر زارع أن "التهنئة هي مودة اجتماعية، وعلاقة إنسانية، ليس لها علاقة بالأديان. متى نترفع عن هذه السفاسف؟ إنني أقول رداً على هؤلاء الكارهين: كل عام وإخواننا المسيحيون في مصر والعالم بخير وسلام".

 

تحريف مقصود

ويقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أحمد سلطان لـ"النهار العربي": "لا بد من الإشارة إلى أن مسألة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية هي من المسائل الفقهية، وليست من المسائل العقدية".

 

ويضيف سلطان: "على مدار تاريخ المسلمين لم يكن هناك إجماع على حكم التهنئة، لكن كان هناك قدر كبير من السماحة في التعامل مع الآخر، وكان هناك تهنئة في الأعياد، ومواساة في الأحزان، باعتبارهما من أعمال البر التي حضت عليها الشريعة الإسلامية، خصوصاً أن هناك نصوصاً قرآنية وأحاديث نبوية تحض على ذلك".

 

ما حدث، حسبما يقول الخبير هو أنه "جرى نقل هذه المسألة من كونها مسألة فقهية فرعية، إلى اعتبارها مسألة عقدية أساسية قائمة على مبدأ الولاء والبراء، وهذا النقل تم بواسطة التيارات السلفية على مدار عقود طويلة، حتى ترسخت في أذهان بعض الناس بمرور الوقت على أنها مسألة عقدية، وقد تخرج صاحبها من الملّة، وكل هذا الكلام الذي جانبه الصواب".

 

ويشير سلطان إلى أن "هذا التأثير الذي نشهده اليوم، تم تكوينه على مدار عقود طويلة، سادت فيه أفكار التيارات السلفية، نتيجة ظروف اجتماعية وسياسية منحت تلك التيار فرصة للانتشار الواسع داخل المجتمع".

 

ويؤكد الباحث على أنه إلى جانب هذا "جرى تسييس هذه الفتاوى بواسطة بعض تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة "الإخوان المسلمين" وذلك لاعتبارات براغماتية بحتة، لاستخدامها في ترسانتها للهجوم على الرموز الدينية والشخصيات السياسية، وللحشد في الشارع".

 

ويرى سلطان أن "ما يجعل هذه المفاهيم المغلوطة سائدة رغم إصدار الأزهر وكذلك دار الإفتاء المصرية فتاوى تؤكد مشروعية تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، هو أنه كان هناك حرص على خلق مرجعية سلفية موازية للمؤسسات الدينية الرسمية".

 

وتطرق الباحث إلى أن "هذه المرجعية السلفية تقوم بالأساس على إهدار رأي الأزهر، واعتباره رأياً سياسياً متخاذلاً، وليس رأياً دينياً، وذلك لحرمان الأزهر من مصداقيته والزخم الذي يتمتع به في أذهان المسلمين على مستوى مصر والعالم، وذلك لصالح مؤسسات أخرى".

 

ويختتم حديثه بقول: "نحن لا نزال نعيش في تبعات هذا الواقع الذي صُنع على مدار عقود، وتعمل تيارات الإسلام السياسي على ترسيخه لأهداف سياسية، ولمعالجة هذا لا بد من التعامل مع المشكلة على أساس أن لها جذوراً اجتماعية وسياسية".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم