إعلان

السّودان: "تمرّد" عناصر الشّرطة على وزير الداخليّة هل يؤدي الى إعادة هيكلة الجهاز؟

المصدر: النهار العربي
الخرطوم - وائل محمد الحسن
وزير الداخلية السوداني
وزير الداخلية السوداني
A+ A-
أثارت هتافات مناوئة لوزير الداخلية السوداني عز الدين الشيخ، أطلقها عناصر من الشرطة، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأمنية السودانية. حصلت الحادثة أثناء مخاطبة الوزير عناصر من قوات الشرطة في ساحة الحرية شمالي الخرطوم، ورافقها خروج عناصر من الساحة، ما يعتبر تمرداً من قوات نظامية على الدولة.

ودعا الوزير العناصر الى التزام الانضباط وتقدير القادة والمهنة، وخيّرهم بين البقاء في سلك الشرطة أو الاستقالة بكل احترام. وقال: "لن نسمح بعدم الانضباط، ومن لا يريد العمل فعليه أن يغادر لأن البلد لن تنكسر لأحد، وهذه المهنة أيضاً لن تكسر لأفراد".


بوادر تمرد
وحذرت مجموعة من ضباط الشرطة المفصولين تعسفياً في عهد الرئيس عمر حسن البشير من نذر وبوادر تمرد وسط قوات الشرطة، ووصفت ما حدث الاثنين بـ"انفراط عقد الانضباط من قبل أفراد الشرطة"، وحملت وزير الداخلية مسؤولية الفشل في إدارة الأزمة بصوره معقولة.
 
وقالت المجموعة في بيان إن الهشاشة الأمنية قادت إلى ما يشبه انفراط عقد الأمن المجتمعي وتفشي جرائم النهب والسلب والقتل، وازدياد نشاط العصابات واهتزاز الإحساس بالأمن لدى المواطن وانعدام الثقة في قوات الشرطة.
 
وأضافت: "سلوك وأداء قوات الشرطة أصبحا ضعيفين للغاية وغير متماسكين نتيجة إحساس أفرادها بعدم الرضا والأمان الوظيفي، بسبب الوضع الاقتصادي والقانوني وانعدام الثقة بالقيادة، بالإضافة الى التهميش المتعمد لدور الشرطة مع سلبها سلطاتها وتكبيلها، الأمر الذي أدى لتقاعس أفرادها". 
 
وطالبت المجموعة رئيس الوزراء بتدارك تداعيات الأزمة المتوقعة التي من شأنها أن تطيح أمن البلاد، وذلك من خلال اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل إقالة وزير الداخلية وهيئة قيادة الشرطة وإعادة هيكلة الشرطة وتحسين أجور أفرادها وإعادة ضباط الشرطة المفصولين تعسفياً فوراً للخدمة، والإسراع في إنشاء إدارة الأمن الداخلي، على أن يكون أساسها وعمادها ضباط الشرطة المفصولين تعسفياً. 
 
ودعت المجموعة قوات الشرطة إلى تفويت الفرصة على المتربصين بالفترة الانتقالية، وعدم منحهم الذريعة لتغيير التحول الديموقراطي الى "هبوط ناعم" يعود بالنظام السابق.

وقال مختصون ومراقبون إن حالة التراخي والفوضى التي يشهدها جهاز الشرطة السودانية حالياً تحمل بصمات إخوانية واضحة، تهدف إلى ضرب الأمن وخلق الفوضى، مستغلين وجود عدد كبير من الضباط الموالين لنظام البشير والذين تم تمكينهم في أعقاب انقلاب 1989 بعد فصل المئات من الضباط المؤهلين.

لكن عمر عبد الماجد، الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة، وصف ما حدث أمام وزير الداخلية بأنه "مظاهر عدم انضباط شرطي من مجموعة محدودة ومحددة"، مؤكداً أن الأوضاع الأمنية في البلاد "جيدة". 
 
وأكد أن قوات الشرطة لم تنفذ أي إضراب "وصباح اليوم تم إجراء التمام الصباحي في جميع الوحدات كالمعتاد من دون ملاحظات، وتم إنفاذ خطة التأمين وانتشار القوات في ولاية الخرطوم لتأمين المتظاهرين والمنشآت الحيوية والاستراتيجية".

مسببات الأزمة
الخبير الأمني العقيد جمال شندقاوي أوضح لـ"النهار العربي" أن الشرطة "منذ عهد الإنقاذ البائد تم تهميشها وتحييدها عن المشهد، وتمت أدلجتها، وهذا يتنافى مع طبيعة وضع الشرطة بحسب الدساتير والقوانين، واستمر التهميش بعد سقوط نظام الإنقاذ وظلت هى القوة النظامية الأقل والأضعف من ناحية المرتبات والمعينات والمهمات، والمحتجون هدفوا من خلال ما قاموا به الى تحسين أوضاعهم المعيشية أسوة بنظرائهم من القوات النظامية الأخرى".
 
وأشار شندقاوي الى وجود عناصر محرضة تتبع للنظام السابق في قيادات الشرطة تستغل سوء الحال. 

 وذهب الكاتب والمحلل السياسي عاطف الشريف الى ما ذهب اليه شندقاوي بقوله لـ"النهار العربي": "لا بد من أن نقر بأنها سابقة غير معهودة من جسم نظامي مشهود له بالكفاءة، وهذا إن دل إنما يدل على عدم ربط وضبط في صفوفه لأسباب عدة، منها أنه بعد الثورة أصبحت نظرة الشعب الى الشرطة عدوانية بسبب القمع الذي قامت به تجاه الثوار. لكن مع ذلك لا أستبعد وجود فعل قصدي ممنهج تم ضد الشرطة من جهات همها أن تبعد أو أن تزيد الشقة ما بين الشرطة والمواطن، على الرغم من أن غالبية عناصر الشرطة من عامة الشعب وغير مؤدلجين سياسياً، وكانت لهم مصلحة في تغيير النظام الذي أهمل الرتب الصغيرة واهتم بالقيادات والرتب العليا من الضباط". وتحدث الشريف عن "روح الإحباط لدى منسوبي الشرطة، ما جعلهم لا يقومون بدورهم في حفظ الأمن ورعاية مصالح الوطن، ما أدى الى بروز حالات الانفلات الأمني وانتشار العصابات والنهب المسلح في العاصمة والولايات". 
 
وخالف الشريف رأي شندقاوي في وجود أيدٍ محركة ومحرضة على احتجاجات الشرطة بقوله: "ما من أيد خفية محركة، فما حدث نتاج لعدم تقبل المواطن لها وعدم مؤازرتها من قياداتها، سواء أكانت وزارة الداخلية أم السلطة التنفيذية الانتقالية، في رفع الإهمال ودعم الشرطة لتوازي نظراءها في الأجهزة الأمنية الأخرى".


هيكلة قوات الشرطة
وشددت بعض الكتل السياسية على الإسراع في عملية هيكلة قوات الشرطة لتتوافق مع مقتضيات الثورة، ووفقاً لمنطوق الوثيقة الدستورية وإزالة حالة الالتباس في تبعيتها بين مجلسي السيادة والوزراء.

وعلق الشريف على عملية الهيكلة بقوله: "يجب هيكلة الشرطة وكل الاجهزة النظامية الاخرى، نتيجة لما تم من صياغة ايديولوجية لمدة ثلاثين عاما طوال حكم الإنقاذ، سواء أكان في القبول للكليات العسكرية ام الانتساب للقوات النظامية فأصبحت مجيرة لحزب المؤتمر الوطني والإنقاذ، وهذا لا يعني أن كل منسوبيها ينتمون للنظام السابق، ولكن العقيدة العسكرية والتوجه والميول العامة كانت تتجه لمصلحة حزب المؤتمر الوطني، وهذا أمر يمكن معالجته، وهناك بعض القيادات العسكرية التي لا تزال في الخدمة تمارس بعض المسؤوليات التنظيمية للحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول، فيجب إبعاد هذه العناصر وهيكلتها ولا بد من إعادة التأهيل والتدريب المهني بمساعدة دولية لقوات الشرطة بالذات، لأنها قوات مدنية أكثر منها عسكرية واحتكاكها المباشر مع المواطن".

كذلك  رأى شندقاوي أن "هيكلة قوات الشرطة باتت أمراً حتمياً، إذ إن جماعة النظام السابق ما زالوا يسيطرون على مفاصل الشرطة ومكامن القرار، وبالتالي حدوث أمر كالذي حدث يمكن أن يتكرر ويتفاقم بتحريض من بعض القادة أو الضباط الذين ينتمون الى الحزب المحلول".
وختم شندقاوي بقوله: "تستطيع الشرطة العودة الى حضن الوطن والمواطن بتحسين وضع المهنيين من الشرطة، بعد الهيكلة والخروج من عباءة الساسة والسياسيين وتنفيذ حكم القانون على الجميع، وتطبيق شعار العدالة الذي هو أحد شعارات ثورة ديسمبر".
وشدد على أهمية أن تفرض الدولة هيبتها بالقانون وتعزيز الوجود الشرطي بشكل مخفي ليظهر عند الحاجة.
الكلمات الدالة