إعلان

​استئناف الملاحة النهريّة بين السّودان والجنوب .. خطوة حيويّة دونها عقبات كبيرة

المصدر: النهار العربي
الخرطوم - وائل محمد الحسن
سفينة في النيل بين السودان وجنوبه
سفينة في النيل بين السودان وجنوبه
A+ A-
 
أعلنت الحكومة السودانية استئناف الرحلات النهرية مع دولة جنوب السودان، اعتباراً من تاريخ الأول من أيلول (سبتمبر) المقبل.

ودعت مصلحة الملاحة النهرية شركات النقل النهري وأصحاب المراكب التي تعمل على الخط الملاحي بين البلدين، والغرف التجارية والمؤسسات الخدمية داخل الميناء، إلى "الاستعداد لاستئناف الرحلات بين البلدين".

وذكرت مصلحة الملاحة أن ذلك "يأتي تحقيقاً لإرادة ورغبة الشعبين في الدولتين، في التواصل وتبادل المنافع التجارية والاقتصادية التي تعود بالفائدة عليهما، ووفاءً وتنفيذاً لتوجيهات قيادة البلدين في إزالة كل المعوقات التي تعترض فتح المعابر".

معوّقات ملاحيّة
ويرى مراقبون أن النقل النهري واحد من طرق عدة لنقل كميات كبيرة وأنواع كثيرة من البضائع تُرسل إلى الجنوب، وكشفوا عن ثلاث مشكلات تواجه النقل النهري، تتمثل في المناطق الضحلة، وآخرها منطقة حجر الظليط الذي يصعب تجاوزه، بالإضافة لوجود رمال وحصى في النيل الأبيض بكميات كبيرة في منطقة الرن. كما أن كثافة الرمال المتحركة تمثل عوائق ملاحية تؤدي أحياناً إلى إغلاق ميناء جنوب السودان.

وهناك معضلة أخرى في النيل الأبيض في جنوب السودان، تتمثل في عدم استقامة النهر، ما يجعله يحتاج لفتح قنوات في حدود خمسة كيلومترات. ويقول خبراء إن منحنى واحداً في النيل الأبيض يمكن حال تتبع مسار النهر فيه أن يُقطع في 24 ساعة، بينما يمكن حفر قناة مختصرة بطريق مستقيم لا يتجاوز 5 كيلومترات يمكن عبورها في أقل من ساعة، لافتين الى أن فتح الخط الملاحي بين الخرطوم  وجوبا يحتاج أولاً الى كثير من التدابير التي تجعل رحلاته ذات جدوى اقتصادية كبيرة، فضلاً عن اختصار الوقت.

وأشاروا إلى معوقات أخرى في النقل البري، تتمثل في وجود جسور عائمة لا تستطيع تحمل الشاحنات التي تحمل 70 طناً، ما يجعل أصحايها مضطرين إلى التوقف في ملكال وتوزيعها على شاحنات أقل حمولة للعبور بها، وقالوا إن فتح الحددود ينشّط بعض المدن كسنار والقضارف وربك وكوستي. 

تداعيات القرار 

وعن انعكاسات القرار الاقتصادية والسياسية والأمنية، قال الخبير في الشؤون الأفريقية مستور آدم إسماعيل لـ"النهار العربي"، واستهل حديثه بالإشارة الى إعلان مدير مصلحة الملاحة النهرية معاوية خالد في تصريحات، أن القرارات السياسية صدرت بعودة الملاحة النهرية بين السودان ودولة جنوب السودان، وذلك في إشارة إلى التوجيهات التي أصدرها في حزيران (يونيو) 2021 رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان عقب استقباله المستشار الخاص لرئيس حكومة جنوب السودان توت قلواك بفتح المعابر البرية والنهرية بين السودان وجنوب السودان.
 
وفي آب (أغسطس)، وعقب زيارة رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك لجنوب السودان، جاء في البند الرابع من بيانها أن الجانبين اتفقا على فتح المعابر، ومنها النقل النهري بالطبع، وأن القرار السيادي قرن التوجيهات بتحديد المهلة بأسبوعين لفتح المعابر. 
 
ورأى إسماعيل أن "مثل هذه القرارات في القضايا ذات الأبعاد والأطراف الكثيرة والمعقدة لا تكفي فيها القرارات السياسية فحسب. نعم، هي قرارت مهمة ومفتاحية ولكن ليست كافية وحدها، إذ صدرت مثل القرارات في عهد حكومات الإنقاذ المتعاقبة كثيراً، بخاصة بعد الانفصال، فكلما وقعت الحرب والنزاعات والاضطرابات تغلق الحدود والمعابر. دوماً كما يقولون الكلام سهل والتطبيق على أرض الواقع صعب، لذلك نرى أنه ينبغي أن تكون عملاً على الأرض لتربط السودان وجنوب السودان عملياً".
 
وأضاف إسماعيل: "نعم هناك تكاليف عالية للصيانة والعودة من جديد في ظل أوضاع اقتصادية غير مواتية، فلكل دولة أولويات وللبلدين ما يشغلهما عن صرف أي دولار للصيانة الآن، فلكل دولة أفواه فاغرة تحتاج إلى الرغيف عاجلاً وتوفير الوقود للزراعة والأدوية الضرورية المنقذة للحياة وتوفير الكتاب للمدارس، ولا نتحدث عن الخلافات السياسية القديمة والراهنة التي عطلت كثيراً من المواعين السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أن تنطلق، من المكوّنات السياسية الحاكمة وغير الحاكمة (وما في حد أحسن من حد)، ونشير إلى تلك التي أسميناها مجازاً مواعين، وهي كثيرة، مثل قيام المجلس التشريعي والمفوضيات الخاصة بالحكم الرشيد والقضاء والمحاكم، وهي مواعين سياسية كان يمكن في حال توافرها أن تسهم في استقرار البلاد". وذهب إسماعيل إلى القول إنه "إذا توافرت السيولة النقدية اللازمة وبالعملة الصعبة، وتأمنت الصيانة للمواعين الملاحية، يظهر مجدداً البعد السياسي الأمني الذي يؤدي إلى تعطيل الملاحة مجدداً. وبالقطع لا يعني هذا ألا يشرع في تنفيذ التوجهات العليا لقادة الدولتين، إذ من الطبيعي أن تتعاون الدول في ما بينها، وبخاصة دول الجوار وذات الروابط القوية".
 
لكن إسماعيل ربط بين عودة الملاحة والأوضاع في البلدين لجهة عدم الاستقرار قديمه وحديثه "وهذا يعني وحتى يكون تنفيذ القرارات أمراً واقعياً، يجب أن يسبق القرار السياسي القرار الفني الاختصاصي والمتكامل، وهذا يقتضي من الدولتين أن تكون لهما الإرادة القوية والعزيمة لتنفيذ ما تتفقان عليه، وأن تعهد المهمات الى الجهات المختصة (الملاحة النهرية /الولايات المختصة /السلطات الأمنية والعسكرية ذات الصلة /وجهات ممولة وضامنة وراعية وأصحاب المصلحة الخ)، وكل ذلك لردم كل المعوقات التي تحول دون إنفاذ مثل هذه القرارات المصيرية". 
 
وبغض النظر عن المعوقات، رأى إسماعيل أن "النقل النهري مشجع للسياحة بمختلف ضروبها، بخاصة أن معظم الآثار السودانية موجودة على جانبي النيل، إضافة الى سياحة الاستثمار، وكلها تدر دخلاً عالياً لاقتصاديات أي دولة، وذلك بالنظر إلى الميزات التفاضلية للنقل النهري، بخاصة إذا أدخلت إلى مرافئه مرافق نقل حديثة ومتطورة وأدخلت معها خدمات نقل البضائع والركاب بالطرق غير التقليدية". 
 
وختم إسماعيل بالقول: "بالقطع يحتاج النقل النهري لتوفير كثير من الإجراءات الإدارية والمالية والأمنية، بخاصة إذا وضعنا في الحسبان أن الخط الملاحي الذي جرى التركيز عليه (كوستي جوبا) يمر بمناطق وولايات، وصولاً إلى جوبا، وهي مدن وحواضر لا تنعم بالاستقرار في كثير من الأحيان، وهو أمر يقتضي تفهماً خاصاً من الحكومتين على مستوى المركز، وتفهماً خاصاً من القادة السياسيين والأمنيين والعسكريين الذين لهم تأثير في هذه المناطق بأن يبادروا إلى الإسهام لحماية هذا الخط  الملاحي المهم، وأن يتعهدوا ذلك في كل الأحوال من أجل مصلحة المواطن، علماً أن هذا الخط ينقل أكثر من 70% من البضائع التي يحتاجها إنسان هذه المناطق.
إذاً القرار السياسي ولكنه ليس كافياً، ومطلوب توفير مقومات ضرورية أخرى".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم