إعلان

قتلٌ وحرقٌ واغتصاب... عنفٌ مجتمعي يصدم مصر والبرلمان يتدخّل

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
يرى خبراء في علم الاجتماع أن عقوبات السجن وحدها لا تكفي لردع العنف المجتمعي.
يرى خبراء في علم الاجتماع أن عقوبات السجن وحدها لا تكفي لردع العنف المجتمعي.
A+ A-

شهدت مصر في الآونة الأخيرة سلسلة من الحوادث المروعة التي أحدثت صدمة داخل المجتمع المصري، ارتكبها أشخاص ضد أفراد أسرهم: فتاة تحرق والدها وهو نائم بالتواطؤ مع خطيبها، وأب يغتصب ابنته القاصر، وزوج يقتل زوجته، وزوجة تقتل زوجها.

 
هذه الحوادث الغريبة على المجتمع المصري، استدعت تحركات برلمانية عاجلة لاستيضاح سياسة الحكومة وخططها في مواجهة تزايد تلك الحوادث، وما إذا كانت تمتلك استراتيجية للحد من تلك الجرائم.
 

وعلى رغم أن صندوق الأمم المتحدة للسكان أشار إلى ارتفاع العنف الأسري حول العالم بنسبة 20 في المئة بسبب جائحة كورونا، إلا أن الحوادث التي وقعت في مصر تدق ناقوس الخطر، لأنها تتجاوز العقاب البدني أو النفسي ضد النساء والأطفال، وتمتد إلى جرائم قتل واغتصاب صادمة.

 

ويقول استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز لـ"النهار العربي" إن "الجرائم سوف تتزايد للأسف الشديد، نحن في زمن يمكن أن نسميه زمن المسخ الثقافي، وهذا نتيجة متوقعة للانهيار الثقافي الذي تعرضنا له، والسبب في ذلك هو سيطرة الازدواجية الدينية، ما بين الشكل الديني الظاهري الذي يتمسك بالحجاب والخمار والنقاب والصليب، فيما السلوكيات معيبة، والعلاقات الأسرية تتهاوى".

 

تحرك برلماني

من  جانبه، تقدم طارق الخولي، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، بطلب لمناقشة عامة بشأن سياسة الحكومة في مواجهة العنف الأسري.

وقال في المذكرة التي وجهها إلى المجلس: "أرجو إدراج طلب مناقشة عامة على جدول أعمال المجلس بشأن سياسة الحكومة في مواجهة العنف الأسرى، الذي ارتفعت معدلاته في الآونة الأخيرة".
 

وأضاف الخولي: "خرجت علينا الأخبار بجرائم غير مألوفة في المجتمع المصري، ما بين قتل الأزواج لزوجاتهم والعكس، وتعرض الأطفال لجرائم وحشية على يد ذويهم مثل: التعذيب، القتل أو الاغتصاب؛ وهو ما يدفعنا إلى ضرورة النظر بجدية في تلك القضية المُلحة، التي من شأنها إحداث خلل في مُكَوِّن الأسرة المصرية".

 

وأشار النائب إلى تصريحات رسمية تكشف عن حجم الأزمة، قائلاً: "إن وزيرة التضامن الاجتماعي، قد أدلت بتصريح في أيلول (سبتمبر) الماضي بأن 42.5 في المئة من النساء المتزوجات اللاتي تراوح أعمارهن بين سن 18 و64 عاماً تعرضن للعنف النفسي من أزواجهن. كما صرح مدير خط نجدة الطفل بالمجلس القومي للأمومة والطفولة، أن خط النجدة قد تلقى خلال العام الماضي، 11 ألفاً و761 بلاغاً بتعرض أطفال للخطر أو الموت، من بينها 764 بلاغاً بجرائم تحرش أو اغتصاب".

 

ولفت الخولي إلى أن "العنف الأسري هو أحد التفسيرات الواضحة على زيادة حالات الطلاق والتي سجلت 213 ألف حالة عام 2020، وفقاً لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء".

 

"متهم رئيسي"

ترى أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر أن "الإعلام، خصوصاً المرئي، يلعب دوراً مهماً في انتشار هذا النوع من الجرائم الغريبة عن مجتمعنا".

 

وتقول: "لقد نشأت في أسرة تقرأ كل الصحف كل صباح، لم تكن هناك حوادث بهذا القدر الذي نراه حالياً، وكانت إحدى الصحف تنشر الحادثة، وبجوارها عمل خيري أو حادثة تنم عن النبل والإنسانية داخل مجتمعنا المصري".

 

وتضيف عالمة الاجتماع: "ما نراه حالياً في الإعلام، خصوصاً المرئي منه، مغاير تماماً لما تربينا عليه. نرى أحد الإعلاميين يتساءل عن كم من المال يحصل محمد صلاح (نجم نادي ليفربول)، ولا يتحدث عن أفعال الخير التي يقوم بها اللاعب في قريته، ونرى الإعلام ينشر خبراً عن شاب "راح ضحية الشهامة"، ثم نتعجب من خوف الناس من مواجهة جريمة يرونها في الشارع".

 

وتؤكد أن "الإعلام يلعب دوراً رئيسياً في ما نراه حولنا من جرائم، والدولة بمقدورها أن تلون شعبها باللون الثقافي الذي تراه، إذا أرادت ذلك، يمكنها أن تعزز القيم، والإنسانية، وفعل الخير، ولا أقول أن ندفن رؤوسنا في الرمال، ولا نتحدث عن الجرائم، بل يمكن أن ننشرها ولكن يجب أيضاً أن ننشر ما يعزز القيم".

 

وتحكي أستاذة علم الاجتماع عن واقعة أثرت فيها للغاية حينما كانت تعيش مع أسرتها في فرنسا، وتقول: "اختفت فتاة صغيرة تبلغ من العمر 13 عاماً، وحدثت ضجة كبيرة بعد اختفائها، وسادت تنبؤات بخطفها، لكن حين توصلت الشرطة إلى مكانها وهمّت بالقبض على خاطفها المفترض، وجدت أنه رجل يتجاوز 85 عاماً، ولا يقدر على الحركة".

 

وتضيف خضر: "لقد اهتزت فرنسا بعدما علمت بأن الفتاة ذهبت لهذا الرجل الذي كانت تعرفه طواعية، لأنه كان يحن عليها، لتعتني به، وتساعده على الاستمرار في الحياة، وذلك لأنها وجدت معه الرحمة والاهتمام، فيما كان والداها مشغولين في العمل، ويتعاملان معها بعصبية وعدم اكتراث. لقد طرح الفرنسيون تساؤلات عن الإنسانية، وأين أصبحوا، وأعادوا النظر في أسلوب حياتهم بسبب ما نشرته الصحف في ذلك الوقت".

 

"المسخ الثقافي"

أستاذ علم النفس فرويز يؤكد أن جرائم العنف الأسري هي "نتاج طبيعي لحالة الانهيار الثقافي الذي تمر به مصر والمنطقة العربية، بسبب العديد من العوامل، منها الازدواج الديني، وعدم الاهتمام بالعلاج النفسي على يد متخصصين, فنحن نرى اليوم أشخاصاً يحصلون على دورات في علم النفس ثم يقومون بافتتاح عيادات للعلاج النفسي! نرى المشايخ الذين يزعمون علاج الناس من مس الجن إذا ظهرت عليهم سلوكيات مضطربة!".

 

ويضيف استشاري الطب النفسي: "نرى أستاذاً جامعياً يذهب بزوجته إلى شيخ ليخرج منها الجن، هذه كارثة، هناك غياب للوعي حتى بين الفئات المتعلمة، هناك أيضاً افتقاد للهوية، وطالما كانت الهوية منهارة سوف نرى المزيد من الكوارث الاجتماعية".

 

ويشير إلى أن "المجتمع يتحرك نتيجة حوادث العنف التي تحدث له صدمة، لكنه لا ينظر إلى ارتفاع معدلات الطلاق التي تتصاعد بشكل غير مسبوق، ولا يعبأ بتزايد معدلات الإلحاد، بل ينكر وجودها أحياناً، ولا يريد أن يصدقها، ولا نتحدث عن الاضطرابات الجنسية المتزايدة".

 

ويعتقد عالم النفس أنه "لا بد من تحرك ضد الفن الهابط، يجب أن يكون هناك تحرك مع الممثلين والمنتجين الذين يقدمون فناً يساهم في الهبوط بالقيم والأخلاق في المجتمع، فهناك أعمال فنية تدمر الهوية والمجتمع، خصوصاً أن قطاعاً كبيراً من المواطنين لا يستقي معارفه سوى من الأفلام والمسلسلات".

 

ويقترح فرويز للخروج من الأزمة "الاهتمام بالتعليم، والثقافة، والتخلي عن الحلول الشكلية مثل تأسيس المجالس القومية واللجان المتخصصة من دون التركيز على جوهر المشكلة أو الهروب من الاعتراف بوجودها".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم