إعلان

استمرّ العمل به ألف عام... هكذا أحيت مصر "طريق الكباش"

المصدر: النهار العربي
القاهرة - عبدالحليم حفينة
صورة من احتفالية "طريق الكباش" في الأقصر
صورة من احتفالية "طريق الكباش" في الأقصر
A+ A-

لمئات السنين ظل "طريق الكباش" الواصل بين معبدي الكرنك والأقصر معطلاً، ومع اندثاره انقطعت الاحتفالات والمواكب الدينية التي كانت تمضي فيه، وتوقف الغناء الذي كان يصدح به المغنون في ساحة معبد الأقصر.

 

بعد هذا الانقطاع الطويل، احتفلت مصر بإعادة الحياة لـ"طريق الكباش"، الذي اكتُشف أول أثر له عام 1949 بواسطة الأثري المصري زكريا غنيم. ومنذ ذلك الحين والكشوفات الأثرية لم تتوقف، حتى أُطلق مشروع تطوير الطريق عام 2007 وتوقف في 2011 ثم تم استئناف العمل به عام 2017، ليتم افتتاحه أخيراً في احتفالية مستوحاة من عيد مصري قديم يسمى "الأوبت".

 

"النهار العربي" التقى أحد من ساهموا في إعادة احتفاليات "طريق الكباش" إلى الحياة، وهو أيضاً من ساهم في موكب المومياوات الملكية الذي أبهر العالم، وذلك بأنه اختار وترجم الأناشيد المصرية القديمة التي صدحت خلال الحدثين التاريخيين، وهو عالم المصريات الدكتور ميسرة عبدالله حسين، الأستاذ في كلية الآثار، جامعة القاهرة.

 

1000 عام

لـ"طريق الكباش" (2700 متر) أهمية كبيرة في التراث الديني لدى المصريين القدامى، فمنذ بنائه بعهد الدولة الحديثة قبل نحو 3500 عام، يُستخدم في تسيير المواكب الدينية، وكان يحفّ بجانبي الطريق صفوف من تماثيل أبو الهول، بعضها برأس إنسان، وأغلبها برأس الكبش، الذي يرمز إلى الخصوبة في التراث الديني المصري القديم.

 

ويقول عالم المصريات إن أقدم الدلائل تشير إلى أن إنشاء الطريق بدأ منذ عهد الملكة حتشبسوت من الأسرة الثامنة عشرة، أيّ منذ 3500 عام، ولم ينتهِ الطريق حينها، لكن العمل به امتد لألف عام، حتى عهد الملك نختنبو الأول من الأسرة الثلاثين.

 

ويوضح حسين أن طول المدة التي استغرقها الطريق يعود لحجم الأعمال الكبيرة، إذ خضع للتعبيد عدة مرات، وكذا تم تعديل التماثيل أكثر من مرة، لافتاً إلى أن الطريق كان يشهد موكباً دينياً كل 10 أيام تقريباً.

 

عيد الأوبت

واستعاد حفل افتتاح "طريق الكباش" روح "عيد الأوبت"، وهو عيد مصري قديم ارتبط بالفيضان وتجديد السُلطة الدينية للإله "آمون رع"، وكان يُحتفل به في النصف الثاني من الشهر الثاني بفصل الفيضان، يوافق اليوم 30 آب (أغسطس).

 

ويقول حسين إنه "وفقاً لمعتقدات المصريين القدامى كان على الإله "آمون رع"، إله الكرنك تجديد سلطته على الآلهة كل عام، من سلفه "آمون" إله معبد الأقصر، لذا كان يمضي برفقة الآلهة في موكب ديني من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر، عبر طريق الكباش".

 

ويضيف: "كان الكهنة يحملون أربعة مراكب، يحمل واحدٌ منها تمثال ملك الآلهة "آمون رع"، وثلاثة مراكب أخرى تحمل تماثيل لثالوث طيبة المقدس، "آمون" و"موت" و"خونسو"، يصحب هذا الموكب الديني في ذهابه وعودته احتفالات تمتد لعدة أيام. ففي عهد الملكة حتشبسوت، كانت الاحتفالات تمتد لـ 11 يوماً، أما في عهد الملك رمسيس الثاني فكانت 22 يوماً، بينما وصلت إلى 27 يوماً في العصر المتأخر".

 

ويشير الأكاديمي المصري إلى أن هذا العيد كان يشهد طقوساً احتفالية كبيرة يشترك فيها أهل طيبة (الأقصر حالياً)، تعزف فيها الموسيقى، وتقدم القرابين، التي شملت أكثر من 50 نوعاً من الطعام، مثل الإوز والبط ولحوم الغزلان والأبقار، وكذلك الفطائر المحشوة بالعسل.

 

ووفقاً لحسين فإن "عيد الأوبت" اندثر مع الحكم الروماني، بعد إغلاق معبد الأقصر وتحويله قلعة تسكنها الحامية الرومانية عام 130 ميلادية. ومع إعلان مرسوم إغلاق المعابد عام 391 ميلادية، توقفت الاحتفالات واندثر "طريق الكباش" نفسه. ورغم ذلك لا يزال هناك أثر من "عيد الأوبت" في الموروث المصري، فالشهر الثاني من السنة القبطية المعروف بـ "بابه" مشتق من "الأوبت"، وكذلك لا يزال أهالي الأقصر يطوفون بمراكب في مولد سيد أبو الحجاج، في رمزية لمراكب الآلهة بموكب العيد القديم.

 

أغنيّات قديمة

اللافت في احتفالي موكب المومياوات، و"طريق الكباش" هو تقديم أغنيات باللغة المصرية القديمة، وهو أمر مستحدث في مصر.

 

ويقول الدكتور ميسرة حسين إن "الأشعار التي تم غناؤها في حفل طريق الكباش، هي عبارة عن ثلاثة أناشيد مسجلة على المقصورة الحمراء بالكرنك وصالة الأربعة عشر عموداً بالأقصر، وتعود لعهد الأسرة الـ18 في الدولة الحديثة، والأناشيد الثلاثة كان يتم غناؤها في عيد الأوبت، واختيار الأناشيد تم بتصرف حتى يلائم الحفل ويسهل على المتابعين فهمها".

ويوضح: "عيد الأوبت له طابع مبهج أكثر منه جنائزي، لذا جاءت الأناشيد مبهجة".
 

وبحسب العالم المصري، كان نشيد الافتتاحية للعازف على القيثارة، مأخوذاً من مقصورة حتشبسوت الحمراء بالكرنك، وكانت هذه الأنشودة تُغنى قبل تحرك الموكب نحو معبد الأقصر، أما الأنشودة الثانية فكانت عبارة عن نبوءة تتويج حتشبسوت، وهي مُسجلة على المقصورة الحمراء بالكرنك وفي معبد الدير البحري، وتعد من أقدم المصادر التي تشير إلى "عيد الأوبت".

 

وفي الأخير جاءت الأنشودة الثالثة التي كانت تُغنى بصحبة الزورق خلال إبحاره عبر نهر النيل حتى يصل إلى الأقصر، وهي مسجلة بالمقصورة الحمراء وكذلك على جدران صالة الأربعة عشر عموداً.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم