إعلان

دعوة السيسي المصريين للتفكير في معتقداتهم تتفاعل وتحرك مياهاً راكدة

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي
A+ A-

بدأت الدعوة التي أطلقها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أخيراً، لإعادة التفكير في المعتقدات التي ورثها المصريون، بما في ذلك المعتقدات الدينية، تُحدث ردود فعل ملموسة في الأوساط الفنية والثقافية والإعلامية بمصر.

 

وجاءت الدعوة التي وجهها الرئيس المصري لمؤلف مسلسل "القاهرة كابول" الكاتب والسيناريست عبدالرحيم كمال، الثلثاء، خلال مداخلة هاتفية في البرنامج التلفزيوني "صالة التحرير" على قناة "صدى البلد"، بعد أيام قليلة من سيطرة حركة "طالبان" المتشددة على العاصمة الأفغانية، ومحاولة آلاف الأفغان الفرار من بلدهم عبر مطار كابول.

 

مشاهد سيطرة الحركة الإسلامية المتشددة على العاصمة الأفغانية، وموت العديد من الأفغان سقوطاً من الطائرات وهم يحاولون الفرار من الحكم الديني، أعادت إلى أذهان المصريين مصيراً مشابهاً كان محتملاً بقوة، بعد اختطاف جماعة "الإخوان المسلمين" وحلفائها الإسلاميين ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، واستغلالها للعاطفة الدينية لدى المصريين في محاولة سيطرتها على السلطة بمصر.

 

ومنذ انتخاب السيسي رئيساً للجمهورية في أعقاب إطاحة "الإخوان" من السلطة إثر تظاهرات شعبية حاشدة في 30 حزيران (يونيو) 2013، وهو يدعو إلى تجديد الخطاب الديني، ويطالب المؤسسات الدينية الرسمية بالعمل على ذلك، بعدما تكشف أن الخطاب الديني يلعب دوراً مؤثراً في تغذية جماعات العنف الديني.

 

لكن دعوة السيسي الأخيرة، ربما تشكل الحلقة الأهم في جهوده الرامية لمواجهة الفكر الديني المتطرف، حيث وجه حديثه هذه المرة للمبدعين والمثقفين والفنانين. ويقول سياسيون وباحثون إنه على الرغم من الجهود التي بدأت تبذلها المؤسسات الدينية الرسمية في تجديد الخطاب الديني، إلا أن الجهد المبذول غير كافٍ، والنتائج غير مرضية، وهناك حاجة لدخول أطراف عدة في عملية تجديد الخطاب الروحي، ولا يجب أن تحتكرها المؤسسات الدينية فحسب.

 

الأعمال تتجسد

أكد عبد الرحيم كمال لـ"النهار العربي" أن مكالمة الرئيس المصري له حولت الأفكار التي كانت تتبلور في مخيلته، إلى خطوات ملموسة لإنتاج عمل فني جديد، يستهدف نشر الوعي في أوساط المصريين.

 

وقال الكاتب والسيناريست: "الخطوات بدأت داخلي قبل المداخلة مع سيادة الرئيس، والخطوات تتحول الآن لخطوات ملموسة، والمداخلة كانت تكريم للجميع، تكريم للكتابة، والفن، والموهبة، ولقيم نبيلة عدة".

 

وبينما لم يعط كمال المزيد من التفاصيل عن العمل الذي ينتوي تنفيذه حسبما وعد الرئيس والمشاهدين خلال لقائه التلفزيوني، أشار إلى أن "الوعد في أول خطوات تجسيده، لأن مصر تستحق فن أجمل وأقوى وأهم مني ومن جميع زملائي، حراس الحكاية المصرية المقدسة".

 

التاريخ الحديث

يقول المؤرخ وأستاذ التاريخ الحديث شريف يونس لـ"النهار العربي": "إن الرئيس السيسي له سلوك مختلف عن مجمل الحكام في مصر الحديثة، صحيح أن هناك حكاماً كانت لهم جهود كبيرة في بناء دولة مدنية، ومنهم محمد علي، وإسماعيل باشا، وفترة سعد زغلول والثورة المصرية، لكن منذ أثيرت قضية الأصالة والمعاصرة، والدين والحداثة، لم نرَ حكاماً يثرون الموضوع من هذه الزاوية التي أثارها السيسي".

 

ويوضح المؤرخ "أن الملك فؤاد كان يسعى لترشيح نفسه كخليفة للمسلمين بعد سقوط الخلافة في إسطنبول، والملك فاروق كان يحاول أن يلعب مع (الإخوان المسلمين)، وكانت هناك علاقة بين السلطة الملكية والأزهر في عهده".

 

ويشير يونس إلى أنه "حين جاءت ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 والنظام الجديد كان عبد الناصر له موقف شبه علماني، ولكنه يراعي أمور الدين، وكان يهاجم (الإخوان) من زاوية السياسة فحسب، وفي فترة السادات ومبارك شهدنا فترة الصحوة الإسلامية، وقد كانت لهذه الصحوة جذور في الستينات من القرن الماضي لكن هذه الفترة عظمت من قوتها".

 

ويرى أستاذ التاريخ الحديث أن "الصحوة الإسلامية غيرت المجتمع المصري بشكل كبير، حتى على مستوى السلوكيات المتوقعة للمواطن المصري العادي في الشارع، ويمكن أن نقول إن هناك تحولاً ثقافياً واسعاً قد حدث، وهذا تسبب في تهديد كبير للدولة، التي كانت في عهد مبارك تحاول الاستعانة بـ"الإخوان" لضرب الجهاديين، وحين تتعاظم قوة "الإخوان" تلعب بالسلفيين".

 

الآن، حسبما يقول يونس "نحن أمام ظاهرة مختلفة، فهذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها السيسي عن الإصلاح الديني، وقد حدث صدام خفيف مع شيخ الأزهر من قبل بهذا الشأن، وبخصوص الطلاق الشفهي، ما دفع المؤسسات الرسمية لبذل جهود في مسار تجديد الخطاب الديني".

 

"في هذا الإطار نستطيع أن نفهم دعوة السيسي، التي حملت أكثر مما تحتمل" يقول المؤرخ المصري، ويضيف: "البعض اعتبر أن دعوة الرئيس للتفكير في المعتقدات تعني أن يترك الإنسان الدين، أو يختار ديناً آخر، وهذا ليس المقصود، إنها فكرة الوعي، والدعوة للإصلاح الديني، والحذر من جماعات الإسلام السياسي".

 

حراك فني

وتوقع الكاتب الصحافي زين العابدين خيري شلبي أن الساحة الفنية "ستشهد حراكاً لتلبية دعوة الرئيس، وهناك كتاب يفهمون كيفية انتاج أعمال تتوافق مع هذه الدعوة".

 

وقال شلبي لـ"النهار العربي": "ما أخشاه هو أن تتحول تلك الأعمال من فن يعتمد في الأساس على الحكي، وإيصال الرسالة بشكل غير مباشر، إلى خطابة مباشرة للجمهور".

 

ويرى الكاتب الصحافي أنه "لا يجب أن يتخوف المبدع من أن تكون أعماله غير مفهومة من قبل الجمهور، لأن هدفه هو التوعية، والارتقاء بمعرفة الجمهور وفهمه، ومن لم يفهم شيئاً يمكنه أن يسأل ويتعلم".

 

أما الناقد الفني محمد سيد عبدالرحيم فيقول لـ"النهار العربي": "هناك ترحيب واضح من قبل الفنانين والمبدعين داخل مصر وفي الوطن العربي، لكن لم تظهر أعمال واضحة لأن الفترة قصيرة نسبياً". وأضاف: "كلام الرئيس جاء بعد ما نسميه ثلاثية الوعي، وهي مسلسلات: الاختيار، وهجمة مرتدة، والقاهرة كابول، وهو ما يوضح أن الدولة تخوض حرباً على 3 مستويات: عسكرية، واستخباراتية، فكرية".

 

تأثير نفسي

تلعب دعوة الرئيس السيسي لإعادة التفكير في المعتقدات، واستخدامه مصطلح تجديد الخطاب الروحي، بدلاً من عبارة تجديد الخطاب الديني، دوراً نفسياً مهماً.

 

وتقول استشارية الصحة النفسية والإرشاد النفسي الدكتورة منى حمدي لـ"النهار العربي": "إن فكرة الخطاب الروحي في علم النفس تتبلور في إيقاظ وتوجيه إدراك الإنسان ووجدانه وسلوكياته ليصل لروح وعمق وجوهر ومبادئ وأخلاق الدين، لا قشوره وشعائره الأدائية فقط".

 

وتشير حمدي الى أن "هذا يؤدي به في نهاية المطاف للوعي الانتقائي العالي الذي يمكنه من فرز ما هو حقيقي، وما هو مُدعى ومزيف، في سيمفونية لإذكاء النفس والعقل وخلق روحانية دينية عقائدية وسمو عقلي وفكري".

 

وتؤكد حمدي أن "قيمة وتأثير الإدراك والوعي الإنساني في سلوك الأفراد والأمم فارق وحاسم، فتغيب العقول بتعويدها على جرعات مقوننة ومطعمة بفكر موجه ومُغرض حد الإدمان يجعل الشعوب مهيأة للعبث بمقدراتها طالما لم يفطموا من مقوننات القشرة وجرعات الاقتفاء من دون فرز وانتقاء".

 

إيمان المقلد

من ناحيته يقول الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية عمرو فاروق لـ"النهار العربي": "إن تصريحات الرئيس السيسي هي أصل من أصول المذاهب الفقهية، لقد تحدثت تلك المذاهب عن إيمان المقلد، وكانت هناك مناقشات حول مدى صحة إيمان المقلدين".

 

ويؤكد فاروق أن "الإيمان القائم على البحث والعلم واليقين هو أكثر ثباتاً من إيمان المقلدين، على اعتبار انه من المفترض أن يراجع الإنسان أفكاره وما يعتقد به، ويتأكد من مدى صحته باستمرار.

 

ويشير الباحث إلى أن "الكثير من الجماعات الإسلامية تروج بشكل سلبي لهذه التصريحات، لأن أول أصل فيها هو السمع والطاعة، وأن من يقود الجماعة هو الأكثر علماً ومعرفة وتجب طاعته".

 

بعض قادة هذه التنظيمات، حسبما يقول فاروق "ظنوا وكأن الوحي أنزل عليهم، لذا كل التنظيمات الإسلامية تلفظ كل من لديه مراجعة فكرية ذاتية، أو يتشكك في ما يمليه قادة تلك الجماعات على أتباعها".

 

تصريحات الرئيس السيسي، من وجهة نظر الباحث السياسي هي "دعوة لإعمال العقل النقدي، والابتعاد عن إيمان المقلدين، لا توجد مسلمات، وحين تؤمن بشيء يجب أن تكون على علم ومعرفة، وهذا لا يأتي إلا من خلال التفكير والبحث".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم