إعلان

"اهرب يا كافر فهذا ليس غناءً"... غزو سلفي لـ"تيك توك"

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
لقطات من مقاطع فيديو على تيك توك - النهار العربي
لقطات من مقاطع فيديو على تيك توك - النهار العربي
A+ A-

"نور" فتاة في الثانية عشرة من عمرها، ظلت تلح على والديها ليوافقا على أن تثبت تطبيق "تيك توك" على هاتفها الجوال، وفي أعقاب فترة من الرفض، خوفاً من اطلاعها على محتوى يتضمن ألفاظاً أو أفعالاً خادشة للحياء، وافق الوالدان بعدما تأكدا أن هناك خاصية في التطبيق تتيح لهما التحكم نسبياً في المحتوى الذي تشاهده ابنتهما، وكذلك تحديد الفترة التي تمضيها على "تيك توك"، ولكن سرعان ما ظهرت مشكلة أخرى غير متوقعة.

 

بدت "نور" مشتتة الذهن، ولديها تصورات دينية غير مألوفة بالنسبة لأسرتها، ومنها أنها تشعر بالذنب لأنها لا ترتدي الحجاب رغم أنها ما زالت طفلة صغيرة، كما أنها باتت تعلق على ملابس والدتها (المحجبة) كلما كشفت خصلات قليلة من شعرها سهواً، وبعدما كانت ترغب في الالتحاق بدورة تدريبية للتمثيل، بدأت تنظر للفن على أنه "محرّم شرعاً".

 

بدأ والدا "نور" في سؤالها، حسبما رويا لـ"النهار العربي"، واستفسرا منها عن مصدر تلك الآراء والأفكار، فقالت لهما إنها تسمعها في مقاطع فيديو على "تيك توك"، كما أن بعض تلك المقاطع تستخدم أسلوباً يبتزّ مشاعرها الدينية، فمثلاً تضع تلك المقاطع عبارات مثل "اهرب يا كافر فهذه ليست أغنية"، أو "لماذا تهرب من الاستماع للقرآن"، أو "إذا خرجت فاعلم أن الشيطان قد هزمك".

استهداف المراهقين

"نور" ليست الفتاة الوحيدة التي يعرض عليها التطبيق هذا المحتوى الديني المتشدد، الذي يبثه في الغالب دعاة سلفيون، أو حسابات وهمية تروّج لأفكار دينية متشددة، فالأطفال والمراهقون يشكلون نسبة كبيرة من بين ملايين المصريين الذين يستخدمون "تيك توك".

وتشير إحصائيات إلى أن قرابة 32.5% من مستخدمي "تيك توك" حول العالم، تتراوح أعمارهم ما بين 10-19 عاماً، وأن مستخدمي التطبيق الذين تقل أعمارهم عن 34 عاماً، يمثلون قرابة 50% من المستخدمين، وفق تقرير نشرته وكالة "أومنيكو" المتخصصة في التسويق الرقمي عبر موقعها على الإنترنت، أخيراً.

 

وتقول "نور" لـ"النهار العربي" إن "الكثير من المقاطع التي تظهر لي على التطبيق، هي مقاطع دينية، وحدث هذا في ما يبدو لأنني كنت أضطر للاستماع لما يظهر لي عشوائياً منها، وبعضها يتضمن أفكاراً جعلتني أشعر بالحيرة. ولكني تحدثت مع والديّ، وناقشت تلك الأفكار، واكتشفت أن الكثير منها لا يعبّر عن الدين الصحيح".

 
@dahood_alameh

لماذا تجاهلت 🙏🥺ما تهرب من سماع القرأن الكريم🙏راحه نفسيه❤️معقول يطلع اكسبلور ومتابعه🥺🤲#لايك #قران #اكسبلور #قران كريم

♬ الصوت الأصلي - 💚"الحمد لله حمد الشاكرين"🌿

ابتزاز ديني

تقول الدكتورة منى حمدي، استشارية الصحة النفسية والإرشاد النفسي والأسري لـ"النهار العربي": "إن التشريح النفسي لجريمة الابتزاز الديني، تعدّ نوعاً من أنواع الابتزاز العاطفي، يلعب فيها المبتز على ثلاثة مشاعر أساسية للسيطرة على الإنسان".

 

وتضيف استشارية الصحة النفسية أن "تلك المشاعر هي: الخوف، والشعور بالذنب، وفكرة الإلزام والإجبار، يستخدمها المبتز في محاولته لفرض فكره ومعاييره ومعتقداته بالتأثير العاطفي أولاً".

وتشير حمدي إلى أن "المبتز يعمل على التأكد من أن الضحية تشعر بالخوف من غضب الله وعقابه، ويلزمها بسماعه وتصديقه وطاعته بناءً على تبني فكرة أنه الأكثر إيماناً وتديناً وصاحب حقوق الملكية لرضاء الإله والقرب من الله، والمطّلع على شرعه والمحتكر للصواب والخطأ، والحلال والحرام، ثم يعتمد على الشعور بالذنب وألمه النفسي والوجداني (لدى الضحية)".

 

وتوضح أستاذة علم النفس أن "المبتز يلعب على نقطة أنه إن لم تستمع لكلامه الذي  يدّعي أنه من عند الله والرسول، وإذا لم تهتم له، فإن هذا يحدث لأنك غير متدين وغير ملتزم، ومسلم مقصر منتقص الدين والإيمان، وجاء هو ليكمله لك ويهديك".

 

"هذه الثلاثية الشعورية التي يلعب عليها المبتز اسمها الضباب (FOG) كما أطلق عليها عالما النفس فوروارد وفريزر" تقول استشارية الصحة النفسية، "وهذا اختصاراً للخوف (Fear) والإلزام (Obligation) والشعور بالذنب (Guilt)، فهو يمارس الضبابية على رؤيتك ومشاعرك، فتتبنى رؤيته ومشاعره هو، مستغلاً الميل الفطري لدى الإنسان لنيل رضا الله، واتّباع من يدعو إليه، والتصديق الأعمى لأهل الدين المزعومين، والميل لاستحسان الآخرين لمقدار تديننا، إنها أفيونة الإنسان لنيل الاستحسان".

وفقاً لنظرية الابتزاز العاطفي، حسبما تؤكد استشارية الصحة النفسية، "عندما يكون لَدَيْنا  الإحساس بالخوف والترهيب والشعور بالذَّنب، فإننا نتجه نحو القوي، ذي الحجة وصاحب الخطاب الديني، ونُحَمّل أنفسنا كل الذنوب من دون الالتفات للنيات الملتوية والخبيثة لمن يُحاوِلُ ابتزازَنا".

 

وتؤكد حمدي أنه "دائماً يمارس هذا النوع من الترهيب الديني أشخاص يعانون من اضطرابات الشخصية، في محاولة لتحقيق الذات المهشمة بوهم السيطرة النفسية والفكرية على الآخرين، كحيلة من العقل الباطن لمداوة نفسه المجروحة من قسوة الحياة ورواسب التربية غير السوية، والوالدية الغائبة عاطفياً ووجدانياً".

استقطاب المتطرفين

ويرى منير أديب، الخبير في حركات الإسلام السياسي والإرهاب الدولي، أن هذا المحتوى تستخدمه تنظيمات إسلامية، كخطوة أولية في سبيل استقطاب عناصر جديدة، عبر الإنترنت، بصورة مباشرة وغير مباشرة.

ويقول أديب لـ"النهار العربي": "إن تلك التنظيمات تستغل (تيك توك)، وكل البرمجيات المتاحة عبر الإنترنت لتوصيل رسائلها وأفكارها، لاستقطاب عناصر جديدة بكل الوسائل المتاحة".

 

ويؤكد ذلك، حسب رأي الخبير في الحركات الإسلامية، "ما قاله أحد المسؤولين الأميركيين، في الكونغرس، قبل نحو عام، من أن تلك التنظيمات استغلت تكنولوجيا المعلومات، ربما على نحو أكبر مما استفادت به الولايات المتحدة".

ويشير أديب إلى أن "تلك التنظيمات المتشددة تستخدم تطبيقات مثل تيليغرام، وتويتر، إلى جانب تيك توك الذي يضم عشرات الآلاف من المقاطع المصورة والتي تحمل رسائل الجماعات الجهادية وأفكارها".

ويوضح أن "لجوء تلك الجماعات لتكنولوجيا الاتصالات على نحو متزايد في دولة معينة، يعدّ مؤشراً مهماً على نجاح أجهزة الأمن في تلك الدولة في السيطرة على الأوضاع، ومحاصرة تلك الجماعات، التي لا تستطيع التحرك على الأرض، فتضطر للجوء إلى الإنترنت".

 
@abubakrramadanofficial

هل النصارى كفره ؟ عندما يبدع الشيخ الحويني في الرد ♥️♥️♥️ #ابو #اسحاق #الحويني #أبو_إسحاق_الحويني

♬ الصوت الأصلي - Abu Bakr Ramadan

خطوات الإرهاب

يؤكد خبراء وباحثون أن هناك علاقة قوية تربط بين التيارات السلفية، التي تنتشر في مصر والعديد من البلدان العربية، وتصنّف على أنها سلفية دعوية، والإرهابيين، الذين هم أيضاً ينتمون للتيار السلفي، ولكنهم يقعون تحت تصنيف السلفية الجهادية، فكلاهما يتشابه وربما يتطابق في الفكر ومصادره المعرفية، وكذلك في مظهره، ويختلف في الوسيلة التي ينفذ بها مخططاته للسيطرة على المجتمع وتحقيق أهدافه السياسية والاقتصادية.

 

وتستخدم السلفية الدعوية، الخطاب الديني الذي يتراوح بين اللين (التبليغ والدعوة) فحسب، والهجوم الضاري على الآخرين وبلوغ حد التكفير، وإهدار الدماء. فيما تستخدم السلفية الجهادية السلاح لفرض سيطرتها على المجتمع.

 

ويقول المتخصصون إن تلك الجماعات تعمل بتناغم، ربما من دون تنسيق تنظيمي في ما بينها، فمن ناحية تستخدم التيارات السلفية الدعوية الخطاب الديني والترغيب في الاستماع إلى القرآن والصلاة كوسيلة لاستقطاب الناس لصفوفها، أو للإيمان بأفكارها، ومن جهة أخرى تتلقى السلفية الجهادية من تبدو عليهم علامات التطرف، وتعزز تشددهم كي ينضمّوا لصفوفها ويحملوا السلاح، ويحدث هذا بسهولة، لأن الأساس الفكري للتيارات السلفية هو أساس واحد.

ويشكل تطبيق "تيك توك" والعديد من مواقع التواصل الاجتماعي، بيئة مفتوحة - خصوصاً وسط نجاح أجهزة الأمن المصرية في تقويض التنظيمات الإرهابية والمتطرفة - لوصول فكر تلك الجماعات لعامة المواطنين، والإبقاء على قطاعات متشددة داخل المجتمع، جاهزة لحين عودتها للعمل على الأرض في أقرب فرصة ممكنة، أو مع أول انهيار للدولة، وقدرتها للقفز على السلطة مثلما فعلت جماعة "الإخوان المسلمين" وحلفائها الإسلاميين في أعقاب حوادث 25 كانون الثاني (يناير) 2011.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم