إعلان

مغتربون داخل وطنهم... لادينيّون مصريون يبحثون عن سبل لكسر عزلتهم

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
A+ A-

ظل سامي لأكثر من 40 عاماً يعيش حياة تعيسة، ويشعر بالغربة والعزلة الشديدة، مع أنه يقيم في منزل أسرته مع إخوته بأحد الأحياء الراقية في القاهرة.

 
كان الرجل الذي قارب على السبعين من عمره، يعمل في صناعة التحف الفنية، وقد ظلت دائرته الاجتماعية محدودة للغاية، تتكون من عدد قليل من الأقرباء والأصدقاء.
 

سر العزلة التي يشعر بها سامي، هو التساؤلات والأفكار التي ظلت تتجاذبه لفترة طويلة بشأن ديانته التي ولد عليها، وهي الإسلام، حسب سالي، إحدى قريباته. وإسما "سالي" و"سامي" مستعاران، بناء على طلب السيدة الشابة.

 

وتقول سالي لـ"النهار العربي": "تساؤلاته كانت تواجه بالرفض الشديد، والتشكيك في قواه العقلية، ما دفعه إلى الشعور بالحزن والاكتئاب ثم الانزواء والصمت".

 

عزلة ممتدة

تروى الشابة الثلاثينية: "عندما انتقلت من منزل أسرتي بالإسكندرية إلى القاهرة، كي أعيش حياة مستقلة، تصادف أنني أقمت مع أسرة سامي، لبعض الوقت، حتى أجد عملاً ومسكناً خاصاً بي".

 

وتضيف: "خلال هذه الفترة التي امتدت لبضعة أسابيع، تحدثت مع سامي، وقد فوجئ بآرائي وأفكاري، وقال لي إنه يشعر للمرة الأولى أن هناك من يفهمه ويشبهه في هذا العالم".

 

كان الرجل يتوقع أنه الوحيد في المجتمع الذي لديه هذه التساؤلات والأفكار، وكان يخشى أن يتهمه البعض بأنه مريض نفسي، أو مجنون، أو مرتد عن الإسلام ودمه مباح، لذا قرر الصمت لأكثر من أربعة عقود متتالية.

 
صورة تعبيرية
 

"سامي خرج من الدين الإسلامي، لكنه لا زال يؤمن بوجود الله، إنه يعرف الفرق جيداً بين خالق الكون، والأديان التي يعتقد البشر في صحتها. إنه رجل خلوق ومحترم للغاية، ولم يكن يعرف أن أصحاب هذا الاعتقاد يسمون بالربوبيين، وأنهم جزء من اللادينيين" تقول سالي.

 

ويصنف بعض الباحثين اللادينيين إلى عدة فئات، وهي: "الربوبيون" وهم من يؤمنون بوجود إله خالق للكون، لكنهم يرفضون الأديان. و"اللاأدريون" أو "اللااكتراثيون" وهم من ليس لديهم إيمان أو رفض قاطع لفكرة وجود إله أو ليسوا مهتمين بالوصول إلى قناعة حاسمة بهذا الشأن. و"الملحدون" وهم من لا يؤمنون بوجود إله خالق.

 

وتواصل الشابة حديثها: "أوضحت لسامي أنني أنا أيضاً قد خلعت الحجاب، قبل سنوات قليلة، وأنه كانت لدي تساؤلات منذ كنت طفلة صغيرة، ولم أجد إجابات مقنعة بالنسبة إليّ، وأن هناك الكثير من الناس مثلنا، لكنهم يخشون الحديث، وينافقون المجتمع".

 

تعتقد سالي أنها تعيش في "مجتمع يخشاه أفراده أكثر مما يخشون الله، لأن ذلك المجتمع يحاسبهم ويفتش في نواياهم بصورة مرعبة، ولا أعتقد أن هذا ما يريده الله من الإنسان. الله يريدنا أن نعرفه بقلوبنا، ونحبه هو، ونطيعه هو باختيارنا، إنه ينظر إلى القلوب، والمجتمع يقدم أبداناً تتظاهر بالإيمان وتنافق خوفاً من العقاب الاجتماعي أو القانوني".

 
صورة لتدوينة بإحدى المجموعات الخاصة باللا دينيين على موقع Reddit 
 

الأجيال الجديدة

ربما يكون سامي واحداً من القلائل في جيله، قادته أفكاره وبحثه إلى ترك معتقداته التي نشأ عليها، وقد قرر الصمت كما هو المعتاد في مجتمعاتنا منذ زمن بعيد، باستثناء حالات نادرة بين مثقفي عصر التنوير وثورة 1919، أفصحت عن أفكارها... أما الجيل الجديد، فله شأن مختلف.

 

هذا الجيل بدأ في السنوات الأخيرة يخرج عن الصمت المألوف، وظهر العديد من أبنائه ليعلنوا صراحة عن أفكارهم، كما أن بعضهم بات يفكر في سبل لكسر الاغتراب الذي يشعر به داخل مجتمعه، بل وداخل أسرته في كثير من الأحيان. لذا بتنا نشهد العديد من النقاشات التي تدور على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

يقول أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية الدكتور سعيد صادق لـ"النهار العربي": "هناك عدة عوامل ساهمت في انتشار اللادينية والإلحاد داخل المجتمع المصري، ومن أهمها ارتفاع مستويات التعليم، وسهولة الحصول على المعلومات، والاطلاع على كتب التراث الديني، والقدرة على التواصل بشكل أفضل عبر الانترنت".

 

ويضيف عالم الاجتماع المصري: "تشكل ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 نقطة مهمة في انتشار هذه التيارات، حيث فتحت المجال لحرية التعبير، وأصبح هناك أشخاص يتحدثون عن معتقداتهم وأفكارهم بصراحة".

 

ويرى "أن الجمود الذي يتسم به رجال الدين، وخطابهم المتشدد، وظهور "داعش"، كلها عوامل شجعت على انتشار الإلحاد بصورة كبيرة، فرجال الدين وتلك الجماعات يتبنون خطابات جامدة لا يقبلها العقل، وتجاوزها العصر، ولم تعد الأجيال الجديدة قادرة على التعاطي معها أو تقبلها".

 
صورة نشرها تنظيم "داعش" على حسابه بموقع "تليغرام" تعود للعام 2019
 

أبناء الصحوة

 الباحث وأستاذ التاريخ الحديث الدكتور شريف يونس يقول لـ"النهار العربي" إن "التحدي الذي فرضه التطور الحضاري الغربي أمام المنطقة أفرز العديد من التيارات التي بدأت تعيد النظر في الإسلام جزئياً أو كلياً: جزئياً بمعنى إصلاحه، وكلياً بمعنى رفضه".

 

ويشير المؤرخ المصري إلى أن "العصور السابقة لم تخلُ من وجود لا دينيين، لكنهم لم يشكلوا جماعات، والجماعات التي كانت تضم أعداداً كبيرة من اللادينيين مثل التيار الشيوعي، لم يكن الصدام مع الدين قضيتهم، لأنهم كانوا منشغلين بتقديم رؤية بديلة فحسب".

 
لا يزال التيار السلفي نشطاً في مصر خاصة في المناطق الفقيرة والريفية
 

ما حدث بعد ذلك، حسبما يقول أنه حين جاءت "الصحوة الإسلامية" و"قدمت نفسها على أنها الإسلام الصحيح، وضيقت الخناق على الناس، وكبست على أنفاسهم، أصبح هناك اهتمام بالإسلام كدين في حد ذاته، لأنه - بهذه الصورة - بات يمثل تحدياً للكثير من الأشخاص، ولم تعد هناك أيديولوجية بديلة عما تقدمه "الصحوة"، وخصوصاً مع سقوط الاتحاد السوفياتي، وتراجع الشيوعية".

 

ويرى يونس أن "هذا الوضع، دفع بعض اللادينيين إلى المواجهة المباشرة مع الإسلام، وصارت هذه المواجهة ذات أهمية بالنسبة إليهم، لأن الصحوة مارست ضغطاً كبيراً على المجتمع، وحلت تصوراتها محل التدين الشعبي المتسامح بطبعه، وأصبح هناك تشدد في أمور تافهة ومظهرية، فمثلاً إذا قررت سيدة خلع الحجاب، يشتعل المجتمع، وتشعر وكأننا في الحرب العالمية الثانية، فأصبح هناك ضغط جبار من "الصحوة" على الناس، وبات هناك اتجاه للخروج من الدين كلية، والإصرار على إعلان هذا الموقف صراحة".

 

ويوضح أستاذ التاريخ الحديث أن "الشعور بالعزلة والضغط الاجتماعي على الأشخاص الذين قرروا الخروج من الإسلام، دفع بعضهم للجهر بخروجه من الدين، خصوصاً إذا استطاع الإقامة في إحدى الدول الأوروبية، لذا أصبح هناك العديد من قنوات الفيديو على الانترنت، مخصصة لنقد الإسلام بصورة ساخرة أو موضوعية، وبعضها يروج للإلحاد صراحة".

 
بعض التعليقات على تدوينة نشرت بموقع Reddit
 

اللافت للانتباه، حسب رأي يونس هو أن "كثيراً من اللادينيين المشهورين، هم من خلفية سلفية متشددة ومن أبناء "الصحوة الإسلامية" نفسها، وبالتالي فهم على دراية بالإسلام في مراحله الأولى، وقد اطلعوا على الكتب التراثية التي يعتمد عليها التيار السلفي، وهذا يجعل نقدهم أكثر قوة وقسوة لأنه يأتي من داخل "المعسكر"، وليس من خارجه".

 

منصات إعلامية

أيمن عجمي هو واحد من أصحاب قنوات "يويتوب" الشهيرة في هذا المجال، وهي قناة تهتم بمناقشة الفكر الديني. ومن خلال قناته وبرنامجه "في الغويط"، يستضيف العديد من اللادينيين وكذلك رجال الدين، لمناقشة بعض القضايا المطروحة بشأن المعتقدات الدينية.

 

يقول عجمي لـ"النهار العربي": "فجرت ثورة 25 كانون الثاني (يناير) حالة من الرفض لكل ما هو سلطوي، ومن بين ذلك سلطة رجال الدين، لذا وجدنا انتقادات ضد الأزهر والكنيسة القبطية على نحو غير مسبوق، لكن في الوقت ذاته كان هناك رد فعل مضاد من المجتمع المصري، والسلطة، على اعتبار أن هذا النقد غير معهود أو غير مقبول".

 
صورة تعبيرية
 

ويضيف مقدم برنامج "في الغويط": "لقد أصبح من تجرأوا على النقد منبوذين من قبل المجتمع، وهذا بسبب عقود من الترويج للفكر السلفي المتشدد. وهذا الإقصاء ليس مستغرباً، فهناك حالة من العنصرية والتشدد بين الطوائف داخل الدين الواحد، وبين الدين والدين الآخر، فما بالنا بموقف المتدينين من اللادينين".

 

ويرى عجمي أن "تقبل المجتمع للادينيين سيفيده، وهذا لأسباب عدة، منها أن اللادينيين يطرحون الأسئلة، وهذا يدفع رجال الدين للبحث عن إجابات، ويجعلهم يكتشفون أن هناك بعض الأمور التي يعتبرونا من "الثوابت" أو من "المعلوم من الدين بالضرورة"، أنها مأخوذة من التاريخ أو التراث أو الفهم الخاطئ للنصوص الدينية المقدسة، ومن ثم يعيدون التفكير، ويعلنون بعد ذلك أنها ليست صحيحة، وهناك العديد من الأمثلة على ذلك، وهذه هي الطريقة الوحيدة للإصلاح الديني".

 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم