إعلان

أيّ مصالح ثلاثيّة في تطبيع السودان وإسرائيل بوساطة ترامب؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعلن توصل السودان وإسرائيل إلى اتفاق تطبيع - "أ ب"
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعلن توصل السودان وإسرائيل إلى اتفاق تطبيع - "أ ب"
A+ A-
"هل تعتقد أنّه كان بإمكان ‘جو النعسان‘ أن يصنع اتّفاقاً كهذا؟ لا أعتقد ذلك". لم يتوانَ ترامب عن توجيه سؤال انتخابيّ "محرج" إلى رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو حين كانا يتحدّثان أمس عن اتّفاق التطبيع الجديد بين إسرائيل والسودان. أراد ترامب توجيه رسالة مبطّنة إلى اليهود والإنجيليّين بأنه قادر على تقديم ما يعجز عنه منافسه جو بايدن. على الأرجح، لم يتوقّع نتنياهو سؤالاً كهذا خصوصاً أنّ الأخير تلقّى انتقادات أميركيّة بأنّه كان يتدخّل في شؤونها حين تدهورت العلاقات بين حكومته وإدارة الرئيس باراك أوباما لإبدائها تقرّباً من إيران.

وهذا ما حصل قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الأميركيّة سنة 2012. حينها، قال من دون أن يسمّي الإدارة مباشرة، إنّ الدول التي فشلت في وضع خطوط حمراء لمنع إيران من التوصّل إلى السلاح النوويّ لا تملك "الحق الأخلاقيّ" لمنع إسرائيل من شنّ ضربة عسكريّة على منشآتها. لم يقع نتنياهو في هذا الفخّ أمس، ربّما أيضاً لأنّ حظوظ بايدن أفضل من حظوظ الرئيس الحاليّ في الوصول إلى البيت الأبيض.

لذلك، ردّ على ترامب مكتفياً بالقول: "إنّ أمراً واحداً أستطيع أن أخبرك إيّاه وهو أنّنا نقدّر المساعدة للسلام من أيّ شخص في أميركا". على أيّ حال، حقّق ترامب ما يتوخّاه عبر إظهار نجاح سياسته الخارجيّة في تحقيق مكاسب لم تكن متصوّرة قبل سنوات قليلة.
 

الصعوبات أمام السودان
كان اتّفاق تطبيع العلاقات متوقّعاً هذا الأسبوع، إذ سبقته تطوّرات عدّة افتتحها لقاء نتنياهو ورئيس مجلس السيادة السودانيّ عبدالفتاح برهان شهرَ شباط (فبراير) الماضي في أوغندا. وأعلن ترامب أمس الجمعة أنّ السودان وإسرائيل اتفقا على تطبيع العلاقات، معلناً الخبر من مكتبه البيضوي بينما كان على اتصال هاتفي مع نتنياهو والبرهان ورئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك. وفي بيان مشترك، أعلن الأطراف الثلاثة أنّ "القادة وافقوا على أنّ الوفود ستلتقي في الأسابيع المقبلة للتفاوض على اتفاقات تعاون حول تلك المجالات (اقتصاد وتجارة) كما في تكنولوجيا الزراعة، الطيران، مسائل الهجرة ومجالات أخرى لمصلحة الشعبين. وعقد القادة العزم على العمل معاً لبناء مستقبل أفضل وتعزيز قضية السلام في المنطقة".

جاء الاتفاق بعد ساعات على إبلاغ ترامب الكونغرس أنّه ينوي رفع السودان عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب. وقال ترامب إنّ السودان وافق على دفع تعويضات عن العمليّات الإرهابية التي طالت مواطنين أميركيين خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير. قدّمت هذه الخطوة مكاسب لكلا الطرفين. فالحكومة الانتقاليّة السودانيّة التي يتشاركها المدنيّون والعسكريّون كانت قد تعهّدت العمل على رفع البلاد من القائمة السوداء ونجحت في ذلك.

أمّا التعويضات التي أعلن ترامب أنّ واشنطن ستتلقّاها فهي دفع معنويّ إضافيّ لحملته الانتخابيّة. لكنّ الخطوة لن تكون سهلة بالنسبة إلى السودانيّين. فمع دين خارجيّ يتخطى 60 مليار دولار ومع تضخّم كبير ناهز 200% وانهيار في سعر صرف العملة وصل إلى 262 جنيهاً مقابل الدولار بعدما كان 82 قبل 13 شهراً فقط، لن يكون سهلاً على الخرطوم دفع 335 مليون دولار كتعويضات. تأتي الأخيرة بسبب التفجيرات التي طالت سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا سنة 1998 إضافة إلى الهجوم على المدمّرة الأميركيّة "يو أس أس كول" سنة 2000.

وقف تنظيم "القاعدة" خلف تلك الهجمات. ووجد بن لادن ملاذاً لفترة خمس سنوات في السودان بين 1991 و 1996. في ذلك الوقت (1993) وضعت الولايات المتّحدة السودان على لائحة الإرهاب لإيواء زعيم التنظيم ومجموعات إسلامية متطرفة. وبعد استهداف السفارتين الأميركيّتين في نيروبي ودار السلام، حيث وقع التفجيران الإرهابيّان في وقت واحد، ردّت إدارة بيل كلينتون عبر قصف بصواريخ "كروز" على أهداف لتنظيم "القاعدة" في أفغانستان، كما على مصنع أدوية في السودان، على قاعدة أنّه كان ينتج أسلحة كيميائيّة للتنظيم.
 

مشكلة أخرى
ثمّة أزمة قضائيّة أخرى بالنسبة إلى السودان. يخشى المسؤولون من أن يكون هنالك المزيد من الملاحقات القانونيّة التي تطلقها عائلات ضحايا أعمال إرهابية أخرى وقف خلفها حكم البشير بطريقة أو بأخرى. ولعلّ أهمّها تلك التي ترفعها عائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من أيلول(سبتمبر) 2001. لهذا السبب، طالب المفاوضون السودانيّون الأميركيّين  بحصانة أمام دعاوى كهذه قبل دفع مبلغ 335 مليون دولار عن الهجمات ضدّ السفارتين والمدمّرة الأميركيّة.

تشرح صحيفة "النيويورك تايمس" أنّ هذه الحصانة يقرّها الكونغرس لا الإدارة. مسار الأمور في هذه القضيّة غير واضح إلى الآن. لكن ثمّة إمكانيّة لتسوية تقتضي بأن يكون السودان ملزماً بمواجهة الدعاوى التي سبق أن رُفعت قبل الاتّفاق، بينما تحصل البلاد على الحصانة إزاء أيّ دعوى مستقبليّة يمكن أن تقام ضدّها في المستقبل. وهذا ما قاله مسؤول في الكونغرس للصحيفة عينها. وإن فشل هذا المقترح فقد يكون السودان أمام مشكلة دفع مليارات الدولارات وضياع سنوات من الوقت لإيجاد الحل.

إسرائيل
لعلّ أبرز استفادة مادّيّة لإسرائيل من اتّفاق التطبيع، إضافة إلى مواصلة إغلاق صفحات إضافيّة من العداء العربيّ معها، تكمن في تقصير الرحلات الإسرائيليّة إلى دول أفريقيّة بعدما كانت أجواؤها مغلقة أمامها. وهذا ما أشار إليه نتنياهو أمس حين قال: "أجواء السودان مفتوحة الآن أمام إسرائيل، وهذا يسمح برحلات قصيرة ومباشرة بين إسرائيل، أفريقيا وأميركا الجنوبيّة". علماً أنّ السودان سمح للرحلات الإسرائيليّة بعبور أجوائه قبل الاتّفاق بأشهر قليلة. على سبيل المثال، ستستطيع الطائرات التجاريّة الإسرائيليّة الوصول إلى الأرجنتين بوقت أقلّ بساعتين ممّا كانت تستغرقه الرحلات الاعتياديّة إلى تلك البلاد قبل فتح الأجواء. وتبقى مراقبة كيفيّة اتّفاق الطرفين على الاستثمارات المقبلة خصوصاً في الزراعة والموارد الطبيعيّة والمائيّة. 

السودان... بين الاستفادة والإفادة
سهّل اتّفاق التطبيع مع إسرائيل رفع السودان عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب. يؤدّي هذا بدوره إلى تلقّي البلاد مساعدة من صندوق النقد الدوليّ لمواجهة أزمته الاقتصاديّة، كما سيساعد البيت الأبيض الخرطوم في تقليص الديون التي تشكّل 200% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ وفي توجيه الاستثمار والدعم الأميركيّين للاقتصاد السودانيّ. ويمكن أن تساهم واشنطن في تخفيف الديون وفقاً لمبادرة "الدول الفقيرة المثقلة بالديون". كما سيتمّ أيضاً إرسال سلع غذائيّة مثل القمح إلى البلاد التي شهدت مؤخّراً طوابير طويلة أمام الأفران.

وتشير صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى الأهمّيّة الاستراتيجيّة للسودان بالنسبة إلى الولايات المتّحدة. فهو يقع على تقاطع بارز بين الشرق الأوسط وشمال وجنوب الصحراء العربية الكبرى وقد ساعد واشنطن وبروكسل في وقف الإرهاب وتقليص الهجرة. كذلك، أشرفت القوّات الأمنيّة السودانيّة على جهود حماية حدودها مع ليبيا، وهي واحدة من أهمّ الطرق الرئيسية للمهاجرين القامين من القرن الأفريقيّ. وعملت الاستخبارات السودانيّة مع الولايات المتّحدة وآخرين لمواجهة داعش في ليبيا. وهذا ما يمكّن الدولة في مساعدة الدول الإقليميّة على حلّ النزاع الليبيّ.

قد يستغرق رفع السودان عن لائحة الإرهاب حتى كانون الأوّل (ديسمبر) لحين البتّ به من الكونغرس الذي يملك 45 يوماً لحسم قراره. كذلك، سيكون على البرلمان السودانيّ المصادقة على اتّفاق التطبيع الذي لم يتناول فتح سفارات ديبلوماسيّة بين السودان وإسرائيل. فهل يساهم التزام واشنطن بالمساعدات الموعودة للخرطوم في تسريع هذه الخطوة؟

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم