إعلان

"الوسط المفقود" كلمة السرّ في نيل أكاديمي مصري جائزة مرموقة

المصدر: النهار العربي
القاهرة - عبدالحليم حفينة
الأكاديمي المصري عمرو عدلي.
الأكاديمي المصري عمرو عدلي.
A+ A-

سبع سنوات من البحث الدؤوب كُللت في نهاية المطاف بصدور كتاب "الرأسمالية المشطورة: الأصول الاجتماعية لصناعة السوق الفاشلة في مصر" للأكاديمي المصري الدكتور عمرو عدلي، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، الذي فاز قبل أيّام بجائزة روجر أوين التي تمنحها رابطة دراسات الشرق الأوسط، ميسا، أكبر رابطة أكاديمية تجمع المتخصصين في دراسة الشرق الأوسط.

 

في الكتاب الذي صدر بالإنكليزية ونشرته مطبعة جامعة ستانفورد في عام 2020 يقدم عدلي طرحاً مغايراً عن السائد لتفسير أسباب فشل الاستراتيجيات الاقتصادية القائمة على السوق في مصر، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وحتى عام 2010. وفي وقت يوجه كثير من الساسة والاقتصاديين أصابع الاتهام نحو الفساد والمحسوبية، خرج عدلي برؤية جديدة مفادها أن "الوسط المفقود" هو المتورط الأكبر، أي أن غياب المشاريع الصغيرة والمتوسطة هو المسؤول.

 

"النهار العربي" التقى عدلي، الذي شرح أطروحته المقدمة في الكتاب بشكل أكثر تفصيلاً، وأجاب عن تساؤلات طرحها ماضٍ مؤلم أفضى إلى ثورة، وأخرى يطرحها الحاضر والمستقبل.

 

نواة الكتاب

في بداية حديثه يقول عدلي إن فكرة كتابه "نبعت بالأساس من تقرير كان يعمل عليه في جامعة ستانفورد عام 2013، كان التقرير يتناول بيئة الأعمال، وبالأخص الشركات الناشئة في مصر وتونس. وبعد الانتهاء من التقرير، وجد أنه يصلح لأن يكون نواة لكتاب يناقش بعمق أكبر الاقتصاد السياسي في دول بها درجة من الفساد مثل مصر وتونس والمغرب وغيرها".

 

 

ويضيف الأكاديمي المصري بأن الكتاب "صدر بالإنكليزية العام الماضي، ولم يُتَرجم، والعنوان المنشور بالعربية ليس دقيقاً تماماً"، مشيراً إلى أنه يخطط لـ"إعادة كتابة العمل بالعربية وليس ترجمته، نظراً الى أن الكتاب في نسخته الإنكليزية يشتبك مع الأدبيات الغربية المنشورة بالإنكليزية، وبخاصة في الولايات المتحدة، أمَّا القارئ المصري فلديه اهتمام أكبر بالجوانب العملية".

 

ويُبسط عدلي أطروحته قائلاً: "حالات التحول الرأسمالي في الجنوب العالمي، ومصر وكثير من الدول العربية جزء منه، قائمة على أن محدودية النفاذ للتمويل البنكي، ورأس المال الثابت مثل الأراضي وتجلياتها، حالت دون نشأة رأسمالية صغيرة ومتوسطة".

 
 ويوضح: "الغرض من الكتاب هو نقل النقاش من الحديث عن "رأسمالية المحاسيب"، أو القول إن إشكالات التحول الرأسمالي في هذا الجزء من العالم، نتجت من التقارب والتداخل ما بين السلطة السياسية ورأس المال الكبير، إلى منظور آخر، وهو أن هذا بالفعل موجود في نماذج ناجحة في حالات آسيوية، وقد يكون من المسلم به أن النفاذ لرأس المال في المراحل الأولى عادة ما يكون بأدوات سياسية، لكن الإشكالية لدينا هي أن محدودية النفاذ لرأس المال استمرت وحالت دون وجود المشاريع الصغيرة والمتوسطة".
 

ويستطرد: "خلال الفترة الزمنية التي ركَّز عليها الكتاب (منتصف السبعينات حتى عام 2010)، لم يكن هناك عدد كبير للشركات الصغيرة والمتوسطة، وأغلب الشركات الموجودة هي شركات متناهية الصغر لا تنمو، تولد صغيرة وتظل صغيرة".

 

ويشرح عدلي الفارق بين أنماط الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات المتناهية الصغر، فالأولى تهدف إلى التراكم وتحقيق الثروة، والنمط الثاني يهدف إلى الكفاف بالأساس والإعاشة، مشيراً إلى أنه "من غير الممكن اعتبار رجل يفترش الأرض ويبيع بعض السلع أنه يعمل في القطاع الخاص، فأمثال هؤلاء بمئات الآلاف أقرب للعمال، وإذا وجدوا وظيفة جيدة، سيتركون هذه الأعمال".

 

تأثيرات سلبية

يرى عدلي أن "عدم تنمية القاعدة الأوسع من القطاع الخاص إلى شريحة صغيرة ومتوسطة، نجم عنه عدد كبير من الآثار السلبية، انعكست على هيكل الاقتصاد المصري وأدائه الكلي، على رأسها ضعف الروابط بين الشركات الكبيرة الموجودة على قمة الاقتصاد، وهي كثيفة رأس المال، وبها مكون تكنولوجي، وبين القاعدة الأكبر من القطاع الخاص، وهذه الروابط تكاد تكون معدومة".

 

ويشير الأستاذ الجامعي إلى أن "غياب سلاسل القيمة التي كان من الممكن أن تنشأ وتعطي درجة من التنافسية، هو أيضاً أحد نواتج ضعف الترابط وتباعد قطاعات العمل المشترك بين الشركات الكبيرة والشركات المتناهية الصغر، التي تعمل في قطاعات كثيفة العمالة بمكونات رأس مال وتكنولوجيا شديدة الانخفاض، وتكون ضعيفة الإنتاجية".

 

ويرى الأكاديمي المصري أن "هذا الوضع يمكن أن يُفسر أيضاً النسبة الكبيرة في الواردات المصرية لمدخلات الإنتاج، وبخاصة السلع الوسيطة للصناعات الكبيرة مثل "المسامير"، إلى جانب ملمح آخر للآثار السلبية، وهو أن الجزء الأكبر من القطاعات التي تولد القيمة، هي قطاعات بحكم الضرورة لا تخلق فرص عمل، لأنها تعمل في مجالات كثيفة رأس المال، كثيفة التكنولوجيا، مثل قطاع البترول والغاز الطبيعي".

 

حلول مقترحة

خلال إعداده للكتاب، التقى الأكاديمي المصري بـ200 من أصحاب الشركات الصغيرة، وبعضها متناهية الصغر، والبعض الآخر لا يدخل في منظومة الاقتصاد الرسمي. ومن خلال استبيان حاول جمع أكبر قدر من المعلومات، كما استقى بعض البيانات من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تساعده على بناء تحليل يقترب من جوهر المشكلات التي يواجهها الاقتصاد المصري، ويشير عدلي هنا إلى أنه "من الصعوبة بمكان في مصر وغيرها من الدول دراسة الاقتصاد من مداخل سوسيولوجية، لعدم وجود بيانات كافية".

 

 

ومن بين الحلول المقترحة، يقول الأستاذ المساعد بالجامعة الأميركية في القاهرة: "هناك حاجة لمؤسسات وسيطة تستطيع الجمع بين العديد من الممارسات والقنوات الموجودة بالفعل بشكل غير رسمي، والمبنية على أسس اجتماعية، لتقوم بتنظيم طريقة الأعمال لدى القاعدة العريضة من القطاع الخاص، ومن ناحية أخرى لا بد من أن تتيح مؤسسات رسمية المجال للحصول على رأس مال نقدي، ورأس مال ثابت مثل الأراضي".

 

 وعلى المستوى العملي، يرى عدلي أن تصبح إدارة الأراضي في يد المحافظات، وإبعادها عن السيطرة المركزية، وهو ما يعزز فرص التنمية في القطاع الخاص، إلى جانب وجود أشكال من الممارسة المصرفية على المستوى المحلي، وهذه الممارسات موجودة بالفعل في دول شرق آسيا مثل ماليزيا والصين.

 

وعن الحلول التي تقدمها الحكومة المصرية في هذه الحقبة، من قروض البنك المركزي للشركات الصغيرة والمتوسطة، واحتلال مصر أخيراً مكانة متقدمة في عدد الشركات الناشئة، إذ تُصنف في المكانة الثالثة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل والإمارات بعدد 604 شركة ناشئة، وفقاً لموقع "Startup Ranking"، يعلق عدلي قائلاً "إن مبادرة البنك المركزي بحاجة للدراسة، بخاصة أنه لا تتوافر بيانات كافية، إلى جانب أن واحدة من المشكلات التي تواجه البنك المركزي الآن أنه لا يجد شركات صغيرة ومتوسطة"، لافتاً إلى "ضرورة استهداف الشركات المتناهية الصغر مع انتقاء القابل منها للنمو".

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم