إعلان

حمدوك عاد أقوى... قراءة في الاتفاق السياسي السوداني

المصدر: النهار العربي
الخرطوم - وائل محمد الحسن
حمدوك (إلى اليمين) والبرهان عقب توقيع الاتفاق السياسي. (أ ف ب)
حمدوك (إلى اليمين) والبرهان عقب توقيع الاتفاق السياسي. (أ ف ب)
A+ A-
جاء توقيع رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك على اتفاق سياسي من 14 بنداً، يقضي أحدها بعودة الأخير الى منصبه، مفاجئاً لجميع الأطراف. 

وشمل الاتفاق الذي تم توقيعه في القصر الجمهوري الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين والعمل على قيام جيش سوداني موحد وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة من دون الرجوع الى ما قبل 25 تشرين الأول (أكتوبر).

وبدأت السلطات السودانية الاثنين إجراءات الإفراج عن المعتقلين السياسيين وفي مقدمهم رئيس حزب "المؤتمر السوداني" عمر الدقير ورئيس حزب "البعث" علي السنهوري والقياديان في "قوى الحرية والتغيير" ياسر عرمان والصديق المهدي.

وأفادت مصادر متابعة بأنه تم توجيه تهم جنائية الى عدد من المعتقلين السياسيين يتعلق بعضها بالفساد والإساءة الى الجيش.

آراء قانونية في الاتفاق
يرى مراقبون وقانونيون أن هناك نقاطاً قانونية عدة  يمكن أن تثار من خلال الاتفاق. أولى الملاحظات هي تكرار استعمال مسمى القائد العام للقوات المسلحة سواء في مقدمة الإعلان حيث النص على أنه "...ترتب على ذلك اتخاذ اجراءات وقرارات بواسطة القائد العام للقوات المسلحة بتاريخ 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021..."، وكذلك في خاتمة الاتفاق بإلغاء "قرار القائد العام للقوات المسلحة إعفاء رئيس مجلس الوزراء الانتقالي...". وتجنب الاتفاق أي إشارة الى وصف قرارات البرهان وإجراءاته بأنها صادرة من رئيس مجلس السيادة كما يعلن البرهان، وهذا إقرار بطريقة دبلوماسية بأن ما حدث هو انقلاب وهو ما كان يطالب به حمدوك ضمن شروطه للعودة.

ويضيف قانونيون آخرون أن من ضمن بنود الاتفاق التأكيد أن الوثيقة الدستورية لسنة 2019 وتعديل 2020 هي المرجعية الأساسية لاستكمال الفترة الانتقالىة... وهذا أيضاً من ضمن شروط حمدوك، والإقرار بذلك هو إقرار بالعودة اليها مع ملاحظة أن الوثيقة الدستورية تسمي "قوى الحرية والتغيير" بالاسم وبالتالي وجودها في الصورة أمر طبيعي لا ينكره المكون العسكري. 

كما نصّ الإعلان على مراعاة وضعية شرق السودان والعمل سوية كمكونين عسكري ومدني على معالجتها بصورة ترضي أهل الشرق، وهذا تراجع عمّا كان يدعيه المكون العسكري سابقاً من أن المكون المدني عليه وحده حل مشكلة الشرق باعتبارها مشكلة سياسية. 

ويشير هؤلاء الى النص على أن مجلس السيادة الانتقالي فقط سيكون مشرفاً على تنفيذ مهمات الفترة من دون تدخل في العمل التنفيذي، وهذا ضمانة مطلوبة قد يكون طلبها حمدوك لعدم تدخل مجلس السيادة في أعماله، وذلك بالاضافة الى أن مهمات مجلس السيادة محددة في الوثيقة الدستورية صاحبة المرجعية. 

كما نص الاتفاق على بناء جيش قومي موحد، وهو مطلب مقبول من الكل في ظل وجود مجموعة من القوات التي يجب هيكلتها ودمجها في القوات المسلحة بما فيها الدعم السريع.

ضغوط وتنازلات
ولوحظ انقسام في الشارع السوداني تجاه الخطوة التي قام بها حمدوك، فبينما يرى قطاع من المحتجين وبعض الأحزاب السياسية انها خيانة وردّة على مطالب الثورة، كما جاء في البيانات التي صدرت من أحزاب "قوى الحرية والتغيير" و"تجمع المهنيين" وقد وصلت احتجاجاتها الى حرق صورة حمدوك امس، يرى آخرون على النقيض تماماً أن ما قام به هو حقن لدماء الشباب وأنها خطوة في الاتجاه الصحيح لاسترداد المدنية. 
 
المحلل السياسي النور رحمة محمد يري أن حمدوك "لم يخرج باتفاقه مع البرهان بطلاً، ولكنه خرج سياسياً عاقلاً، ولم يخرج البرهان متوجاً بأكاليل الغار وإنما أضعف مما كان قبل الانقلاب. وقد استخدم البرهان القوة المفرطة ضد المتظاهرين للضغط الأخلاقي على حمدوك ليقبل بانقلابه، ولكن حمدوك استفاد من حراك الشارع والضغط الدولي ليرجع البرهان الى نقطة البداية وهي الوثيقة الدستورية، وهي الهزيمة السياسية للانقلاب والداعمين له".
 
ويضيف أن حمدوك "أشار في خطابه المقتضب الى أمرين دفعاه لقبول الاتفاق السياسي، أولهما حقن دماء السودانيين لأنه يعلم أن الدولة الرثة تقتل السودانيين منذ إنشائها وأنها تزداد شراسة وتوحشاً مع الوقت، لقد سقط في الأسابيع الماضية أربعون شهيداً وشهيدة وأكثر من أربعمئة جريح، الغالبية الساحقة منهم من الشباب. ومن دون هذا الاتفاق لن يتوقف البرهان وحميدتي وقادة  الحركات المسلحة عن إستخدم الدولة الرثة أداة للعنف ضد المتظاهرين ليؤجلوا ما لا بد من حدوثه يوماً وهو المحاسبة على جرائم دارفور وجريمة فض الاعتصام".

ويذهب المحلل هاني أبو القاسم الى أن "حمدوك ربما هو السياسي الفاعل الوحيد في تاريخ السودان الذي يعي أن مهمته كسياسي هي البناء لا الهدم والإسقاط. وهو ذكي بما يكفي لأن يتوقع خسارة جماهيرية جراء التوقيع، لكنه مخلص بما يكفي لأن يعي أن جماهيريته لا تساوي شيئاً أمام حياة مواطن واحد يفقد حياته، لذا كان حقن الدماء هو الموجب الأول لديه للتوقيع".

ويلفت أبو القاسم الى أن حمدوك "بدأ المفاوضات بإزاحة العسكر والدعم السريع من المشهد ليقبل بالعودة، في النهاية الطرف صاحب الخسارة الأكبر هو من يقدم تنازلات في السياسة الذكية، وخسارة مزيد من الأرواح، حتماً أكبر من أي انتقام او انتصار سياسي". 
 
ويضيف أبو القاسم أن "الوضع السياسي كان متأزماً لدرجة أن السودان كان على مشارف حرب أهلية وانشقاق في الجيش وحرب ميليشيات في المدن، كنا سندفع ثمنها باهظاً جداً، ليكون السودان سوريا جديدة أو يمناً جديداً".

قبول دولي
أما المحلل السياسي عبدالله رزق فيتحدث عن ترحيب واسع من المجتمع الدولي بالاتفاق، من الأمم المتحدة ودول الترويكا والولايات المتحدة وجامعة الدول العربية وكذا الاتحاد الأفريقي. ويقول: "رغم تراجع شعبية حمدوك في الداخل، فضلاً عن القبول الخارجي، غير أن الاتفاق السياسي يستجيب جزئياً، لبعض مطالب الدول الخارجية التي التفت حول الموقف الأميركي من انقلاب 25 تشرين الأول (أكتوبر)، بخاصة في ما يتعلق بإطلاق سراح حمدوك من الإقامة الجبرية في منزله وإعادته الى رئاسة مجلس الوزراء، وإنْ من دون حكومته الانتقالية". 
 
ويؤكد رزق أن "بيان الترويكا والاتحاد الأوروبي وسويسرا وكندا عن التطورات خطوة نحو استعادة الانتقال والنظام الدستوري وسيادة القانون، على أمل أن تلبي الخطوات التالىة تطلعات الناس، والتي حددها البيان في "عملية انتقال ناجحة تؤدي الى سودان حر ديموقراطي عادل"... ويبدو أن الترويكا وشركاءها قد وقعوا ضحية مغالطة أو تضليل، بالتعويل كلياً على ما سمّوه "الالتزام بالإعلان الدستوري، كأساس لعملية الانتقال نحو الديموقراطية".
 
ويرى أبو القاسم أن المجتمع الدولي، وفي مقدمه الولايات المتحدة كان له دور في قبول حمدوك التوقيع، فبعد سقوط إثيوبيا في براثن الحرب الأهلية تحتاج الولايات المتحدة الى حليف يمكن الاعتماد عليه في المنطقة، لذا ضغطت لوقف العبث بمستقبل السودان.

أما رحمة فيرى أنه "يجب أن يُنظر الى اتفاق حمدوك مع البرهان بعين المستقبل لا أملاً في البرهان ولا في عسكره ولكن أملاً في برنامج حمدوك السياسي والاقتصادي حتى يقودنا للانتخابات. الآن أمامنا تشكيل المجلس التشريعي الذي يجب أن يكون ممثلاً للثورة وجل أعضائه يجب أن يكونوا من الشابات والشباب الثوريين".
 
ويلفت الى أن "لا البرهان ولا حميدتي تهمهما الديموقراطية. أما الذين كانوا في قاعة التوقيع فجلّهم عمل مع الحركات المسلحة أو "المؤتمر الوطني"، جاء بهم قادة الجيش ليغطوا بهم هزيمة انقلابهم. إلا حمدوك فكان جالساً كالسيف وحده يجلوه الغضب، ولكن هذا دور القادة يتخذون القرارات الصحيحة غير الشعبية ويتحملون التبعات".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم