إعلان

السودان... مخاوف من انقلاب يطيح فرصة التحوّل الديموقراطي

المصدر: النهار العربي
الخرطوم - وائل محمد الحسن
سودانيون يتظاهرون مطالبين بحل الحكومة الانتقالية في الخرطوم.أف ب
سودانيون يتظاهرون مطالبين بحل الحكومة الانتقالية في الخرطوم.أف ب
A+ A-

اكتنفت الأجواء السياسية في السودان حالة من التوتر، بسبب التجاذبات بين المكونات المختلفة بخاصة المدنية والعسكرية، والتي تصاعدت عقب إحباط المحاولة الانقلابية التي نفذتها مجموعة من العسكريين وبعض المدنيين في أيلول (سبتمبر) الماضي، وإن كانت سبقت هذه المحاولة تحركات وصفها عضو مجلس السيادة السوداني محمد الفكي سليمان بـ"المريبة لإعاقة عملية الانتقال الديموقراطي" في البلاد، مؤكداً أنها تهدف لإحداث تعديل في المعادلة السياسية من دون حوار، ما يؤدي إلى مخاطر من شأنها إضاعة كل الجهد الذي بذل خلال العامين الماضيين.

مراقبون يرون أنه لو استمرت الأزمة السياسية المحتدمة هذه الأيام، فستقود حتماً إلى مأساة "صنعها السودانيون بأنفسهم لبلدهم". فالأزمة سببها الصراعات على السلطة سواء داخل القوى المدنية، أو بينها وبين المكون العسكري الشريك في السلطة الانتقالية. وإن وقع انقلاب عسكري في ظل التجاذبات الحاصلة، أو انفجرت حرب أهلية، فإن السودان لن يتعافى بسهولة، وستضيع أي مكاسب أو إصلاحات اقتصادية تحققت. ستتوقف برامج مساعدات اقتصادية دولية، وأي استثمارات محتملة. والأخطر من ذلك كله بالطبع أن البلد قد يتفتت وستصعب إعادة لحمته مستقبلاً.

ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وضع الأزمة في إطارها الصحيح عندما قال إن الصراع الدائر حالياً ليس بين عسكريين ومدنيين، وإنما بين المؤمنين بالتحول المدني الديموقراطي من المدنيين والعسكريين، والساعين إلى قطع الطريق أمامه من الطرفين. والعبارة المحورية هنا هي قوله "من الطرفين"، ما يعني أن المكوّن العسكري ليس وحده الذي يريد عرقلة الوصول إلى محطة الانتخابات الديموقراطية.

وصاية الجيش؟
اعتراضات ومخاوف كثيرة بشأن نيّات المكوّن العسكري في المجلس، الذي يقود المرحلة الانتقالية، أثارتها تصريحات البرهان بشأن وصاية الجيش على البلاد، وأن الجيش لن يسلّم الحكم إلا لحكومة منتخبة، ومهاجمته للمدنيين في مجلس السيادة الحاكم، واتهامه لشركائه بالفشل الذي صاحب الفترة الانتقالية في بعض الملفات، وكذلك اتهامه لهم بإقصاء مكوّنات سياسية شاركت في الحراك الثوري وتم تهميشها.

واعتبر وزير شؤون مجلس الوزراء السوداني خالد عمر يوسف، أن حديث البرهان عن وصاية الجيش على البلاد بسبب الانقسامات السياسية، يمثل تكرارا لتاريخ الانقلابات السابقة وتهديدا مباشرا للمرحلة الانتقالية.

التزام دولي بالانتقال الديموقراطي
دخل المجتمع الدولي على خط الأزمة في محاولة لاحتواء التوتر واستمرار التعاون بين الأطراف المعنية لتحقيق أهداف الفترة الانتقالية وصولاً إلى إجراء انتخابات ديموقراطية في نهايتها. فقد بدأ فولكر بيرتس، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان ("يونيتامس")، تحركات مع مسؤولين مدنيين وعسكريين بهدف خفض التصعيد ووقف التراشق الإعلامي. وشدد فولكر على أهمية المحافظة على الشراكة بين شركاء الفترة الانتقالية باعتبارها الطريق المتاح لتنفيذ أهداف المرحلة الانتقالية، لأن البديل مواجهات سيكون الخاسر فيها هو البلد.

الإدارة الأميركية أكدت أيضاً التزامها بدعم عملية الانتقال الديموقراطي في السودان، ووجهت عبر رسائل مباشرة وتصريحات من مسؤولين في الحكومة وأعضاء الكونغرس تحذيرات للعسكريين من محاولة تقويض الفترة الانتقالية، قائلة إن أي محاولات انقلابية "ستكون لها عواقب وخيمة على العلاقات الثنائية، والمساعدات التي تخطط واشنطن لتقديمها إلى السودان".
هذه الرسائل فيها دعم واضح للمكوّن المدني، لكنها في الوقت ذاته تشدد على أهمية المحافظة على صيغة الشراكة التي توافقت عليها الأطراف المعنية في "الوثيقة الدستورية"، لأن النكوص عنها أو الالتفاف عليها من أي طرف ستكون له عواقب وخيمة على البلد، وعلى آمال الانتقال الديموقراطي.

الرسالة باختصار هي أن الانقلاب العسكري مرفوض تماماً من المجتمع الدولي، كذلك فإن النكوص عن الوثيقة الدستورية لا يجد أي تشجيع بالنظر إلى مخاطره التي قد تدفع نحو انقلاب عسكري، أو إثارة نزاعات مسلحة تغرق السودان في مستنقع حرب أهلية واسعة ومدمرة، تشرّع أرضه أمام الإرهاب.


قدرة العسكر على حل الحكومة
أحداث جمة سرت أثناء ذلك أشارت فيها أصابع الاتهام للمكون العسكري، أولاها الأزمة في شرق السودان والتي يقودها الناظر محمد الأمين ترك وقد أدت لإغلاق الشرق لأكثر من شهر، حيث صرح ترك مرات عدة انه مدعوم من المجلس العسكري وأنه لن يجلس الا معه للحوار، مطالباً البرهان بحل الحكومة وتشكيل حكومة كفاءات. أعقب ذلك انشقاق داخل "قوى الحرية والتغيير" التي خرجت بجسم جديد، يطالب بالعودة إلى منصة تأسيس إعلان القوى، وقد كال الاتهام ذاته بالإقصاء والمطالبة بحل الحكومة وتشكيل حكومة كفاءات، ووصلت الأمور إلى خروجه في تحركات مناهضة للحكومة في 16 تشرين الأول (أكتوبر) واعتصام محتجيه أمام القصر الجمهوري، مما حدا بكثير من المراقبين إلى اتهام البرهان وبقية العسكر بالوقوف خلف هذا الانشقاق.

الكاتب الصحافي والمحلل السياسي يوسف سراج الدين ذهب في حديثه لـ"النهار العربي" إلى أن "تقاطعات المصالح والأجندات وراء تنامي الصراع بين قوى تحالف الحرية والتغيير، وقد أحدث اتفاق السلام في جوبا حالة استقطاب لفصائل الكفاح المسلح بين مكوني السلطة بشقيها المدني والعسكري؛ ولعل انفراد العسكر بقيادة المفاوضات جعل بعض هذه القوى أقرب إلى أجندة المكون العسكري الساعي إلى إضعاف شريكه المدني والتأثير على الأداء التنفيذي للحكومة برئاسة عبدالله حمدوك؛ الى جانب الخلافات داخل المجلس المركزي الحرية والتغيير؛ واتهام قوى داخلها بالإنفراد بالقرار والاستحواذ".
وأضاف سراج الدين أن "تطورات الأحداث تؤكد أن المكوّن العسكري محور أساسي في الأزمة السياسية الراهنة؛ بتكراره الدعوة إلى حل الحكومة وإعادة تشكيلها، وهي المطالب ذاتها التي جاهرت بها قيادات التحالف الجديد، وبينها وزير المالية رئيس "حركة العدل والمساواة" جبريل ابراهيم؛ وحاكم إقليم دارفور رئيس "حركة تحرير السودان" مني اركو مناوي".

ويتابع سراج الدين: "يعد توصيف رئيس الوزراء الأزمة باعتبارها بين معسكرين أحدهما انقلابي والآخر داعم للتحول المدني الديموقراطي؛ مؤشر واضح عن نيات الانقلاب على السلطة المدنية".
وأضاف أنه "بدا جلياً أن الأحداث المستمرة مثل أزمة شرق السودان وإغلاق الطريق القومي الذي يربط البلاد بالميناء الرئيسي في البحر الأحمر؛ ورفع سقف المطالب من بعض الزعامات الأهلية في الإقليم إلى حد المناداة بحل الحكومة المركزية؛ تأتي على نسق مترابط لإحكام القبضة على حكومة حمدوك ودفعها إلى فشل يقلل شعبيتها المساندة؛ ويفتح الباب أمام سيناريو الانقلاب، المنتظر أن يأتي مبرّراً بحجج على الأرض تجبر مساندي الحكومة وداعميها من المجتمع الدولي؛ لاسيما الولايات المتحدة، على التسليم بحتمية الانتقال السريع إلى انتخابات مبكرة. وهو السيناريو الأقرب بالنسبة إلى العسكر، بالحسابات الراهنة؛ غير أن الاحتمال الأوفر حظاً أن تستعيد "قوى الحرية والتغيير" قدرتها وتمسك بزمام المبادرة في حال نجاح تحركات يوم ٢١ تشرين الأول (أكتوبر) التي دعت إليها فصائل في التحالف الثوري العريض، في قلب الموازين".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم