إعلان

"تستيف الأوراق" أبرز المعوّقات... نموّ متسارع للشركات الناشئة في مصر

المصدر: النهار العربي
القاهرة - عبدالحليم حفينة
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
A+ A-

شابٌ مصريٌ ترك كلية الطب ليدرس الاقتصاد والعلوم السياسية، تتبع شغفه، ودشن شركة ناشئة تقدم خدمات سياحية، ثم حصل على منحة من البنك المركزي لدعم مشروعه. وبينما يؤدي امتحاناته الجامعية، يستعد خلال أيام لإطلاق شركته رسمياً. تعكس هذه القصة واقعاً جديداً، تتغير معه المعتقدات الاقتصادية لدى فئة كبيرة من الشباب في مصر.

 

وخلال السنوات القليلة الماضية، شهد مجتمع ريادة الأعمال في مصر توجهاً ملحوظاً نحو الاستثمار في الشركات الناشئة، حيث تحتل مصر المكانة الثانية في المنطقة العربية بعد دولة الإمارات العربية المتحدة من حيث عدد الشركات، ويوجد في مصر 609 شركات ناشئة، وفي الإمارات 685 شركة، وفقاً لبيانات موقع Startup Ranking.


والشركات الناشئة هي مشاريع تقدم خدمات أو منتجات تساهم في وضع حلول للمشكلات، وخلق قيمة مضافة كبيرة بصورة مبتكرة ومتقدمة تكنولوجياً، إلى جانب أنها محفوفة بالمخاطر، إذ لا تحقق أكثر من ثلثيها عائداً إيجابياً للمستثمرين.
 

وتختلف الشركات الناشئة عن المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إذ إن الفارق بينها هو ذاته بين من يمتلك متجراً صغيراً للبقالة، وبين من لديه شركة تكنولوجية تقدم الحلول المبتكرة، وتسعى للتوسع اللامحدود.

 

وبحسب "هارفارد بيزنس ريفيو"، تحتاج الشركات الناشئة للتمويل بشكل مستمر، حتى تستطيع تجاوز مراحل بنائها، ففي البداية تحتاج لما يُعرف بـ"تمويل البذرة"، الذي يساهم في تأسيس الشركة، وهناك عملية تمويل أخرى لإطلاق المنتج، ثم تأتي عملية تمويل لتسريع الأعمال، والمرحلة الأخيرة تبدأ فيها الشركة بعقد جولات تمويل استثماري للحصول على تمويل مقابل بيع حصة من الشركة.

 

حوافز حكومية

الخبير الاقتصادي أحمد معطي يشرح واقع الشركات الناشئة في مصر، إذ يقول إن "الحكومة المصرية توليها اهتماماً خاصاً، فقد حقق هذا القطاع نمواً يقدر بـ 465 مليون دولار عام 2021 بعدما كان 190 مليون دولار عام 2020".

 

ويضيف معطي لـ"النهار العربي": "خلال عام 2021 وحده تم تأسيس 335 شركة ناشئة في مصر، كما وافقت هيئة الرقابة المالية، أخيراً، على ترخيص الشركات الخاصة لأغراض الاستحواذ "سباك"، والغرض منها تيسير حصول الشركات الناشئة على التمويل، من جولات التمويل الاستثماري"، لافتاً إلى أن "الحكومة المصرية اتخذت هذه الخطوة بعد إدراج شركة "سويفل" في بورصة ناسداك، وهي شركة مصرية اضطرت للعمل في الإمارات التي توفر كافة التسهيلات".

 

وتحتاج الشركات الناشئة إلى دعم نوعين من الكيانات الاقتصادية التي تهدف إلى مساعدة الشركات الناشئة في الانطلاق، مثل: التسويق والإدارة والاستشارات الفنية والإدارية، وحتى الدعم المالي المباشر. وتنقسم هذه الكيانات إلى نوعين: الأول يعرف بمسرعات الأعمال، وتراوح مدة دعم المسرعات بين شهر و6 أشهر، أما النوع الآخر فيعرف باسم حواضن الأعمال، وتكون مدة الدعم من 6 أشهر إلى عدة سنوات.

 

ويقول معطي: "في مصر عدد كبير من المؤسسات التي تقدم الدعم للشركات الناشئة، مثل شركة مصر لريادة الأعمال التابعة لوزارة التعاون الدولي، والتي دعمت الشركات الناشئة باستثمارات تقدر بـ 334 مليون جنيه منذ تأسيسها عام 2017".

 

ويشير كذلك إلى "مبادرة رواد النيل، التابعة لجامعة النيل، إذ يقوم البنك المركزي المصري بتمويل هذه المبادرة التي تقدم الدعم المادي والتدريب والاستشارات الفنية والإدارية وغيرها، فضلاً عن مبادرة 2030 التي تهدف إلى تخريج مليون رائد أعمال بحلول عام 2030".

 

ويرى الخبير الاقتصادي المصري أن الحكومة المصرية أزالت معظم العقبات التي كانت تواجه هذا النوع من الشركات، وأهمها معضلة التمويل، إلا أن ثمة مشكلات لا تزال قائمة، مثل: تعدد الجهات التي يتعامل معها المستثمر، والذي يجد نفسه أيضاً في مواجهة صور متعددة من الضرائب.

 

تجارب واقعية

نعود للشاب الذي تحول لدراسة الاقتصاد، وهو أحد المستفيدين من مبادرة البنك المركزي لدعم الشركات الناشئة. يروي ماجد حامد لـ"النهار العربي" تجربته مع تأسيس الشركات الناشئة التي بدأت منذ كان في كلية الطب، عندما أسس مشروعاً لتقديم الخدمات السياحية في بادئ الأمر.

 

اليوم، يعمل حامد على إطلاق منصة كبرى لحجز جميع الخدمات السياحية، تضاهي التطبيقات العالمية، مستفيداً من مبادرة البنك المركزي المصري، التي تديرها جامعة النيل، فيقول: "تقدمت للمبادرة قبل عام تقريباً من طريق تعبئة استمارة إلكترونية تتضمن أوراق الشركة، ورؤيتنا لسوق السياحة في مصر، وبعد تقييم الشركات المتقدمة، تم اختيار شركتي للتصفيات النهائية".

 

ويشرح حامد: "تم ترشيح 40 شركة لمعسكر تدريبي عن الشركات الناشئة، وفي النهاية تم اختيار 10 شركات، تم تصنيفها وفقاً لاحتياجاتها. الشركات التي تحتاج إلى دعم مادي أكثر حتى تنطلق يتم منحها 200 ألف جنيه مصري، تُقدم 120 ألفاً نقداً على دفعتين، بينما تُقدم خدمات مدفوعة، مثل التدريب والاستشارات بقيمة 80 ألف جنيه، أما الشركات التي لا تحتاج إلى دعم مادي تمنح 50 ألف جنيه مصري".

 

ويوضح أن "المبادرة تساعد في إجراءات تأسيس الشركات، ثم يتم توقيع عقود بين الشركات والمبادرة"، وهنا يشير حامد إلى عدد من العقبات، تتلخص في "البيروقراطية".

 

ويقول: "طبيعة خطط الشركات الناشئة متغيرة، وهو ما يتعارض مع طبيعة عمل المبادرة التي تتطلب خططاً معينة، وعند الحاجة لتغييرها نصطدم بالجمود". ويضرب مثالاً على ذلك: "في البداية قدمت خطة تشمل توظيف فريق تسويق، وعند العمل وجدت أن هذه الفكرة غير مجدية، فلجأت لشركة متخصصة في التسويق، وهنا أصبح لديّ تعديل في الخطة التي قدمتها، الأمر الذي مثل لنا تعقيداً إدارياً في التعامل مع المبادرة".

 

ويشتكي حامد من طريقة تعامل الموظفين في المبادرة، إذ يقول: "الهدف لديهم ليس دعم الشركات الناشئة، لكن تأدية المهام الوظيفية بشكل تقليدي، وهو ما يعرف في مصر بالمصطلح الدارج "تستيف الأوراق"، فضلاً عن التعسف في الإجراءات، فبدلاً من طلب التعديلات جملة واحدة، يتم طلبها على مراحل، وهو الأمر الذي يستنزف الوقت".

 

في الأخير، يؤكد رائد الأعمال المصري أن شركته استفادت بالفعل من المبادرة، لكن، حسب رأيه "كان يمكن الحصول على استفادة أكبر، بخاصة أن دور حواضن الأعمال ليس فقط تقديم الدعم المادي، لكن الأهم تقديم المشورة والدعم التقني والإداري حتى تقف الشركة على قدميها".

 

التوسع في الأقاليم

ثمة ملاحظة في سوق الشركات الناشئة في مصر، فبرغم تمركز هذا النوع من الشركات في القاهرة الكبرى، ووجود عدد محدود في الإسكندرية، كان هناك حضور لافت في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية شمال مصر، فبحسب موقع Startup Ranking يوجد بالمنصورة 4 شركات كبرى لها تصنيف عالمي جيد، وتعمل في مجال التكنولوجيا والبرمجيات.

 

يرُجع مهندس البرمجيات ورائد الأعمال فتحي أبو زيد، هذه الظاهرة إلى وجود كلية الحاسبات والمعلومات بجامعة المنصورة، وهي أقدم الكليات في هذا التخصص خارج القاهرة، إذ يقول "إن الأكاديميين في الكلية بدأوا منذ فترة طويلة تأسيس شركات تكنولوجية خاصة، وألحقوا طلابهم النابغين للعمل بها".

 

ويضيف أبو زيد لـ"النهار العربي"، وهو أحد خريجي كلية حاسبات ومعلومات جامعة المنصورة "إن شركات سعودية بدأت تستثمر أخيراً في هذا المجال في المنصورة، حتى أن الرواتب صارت تضاهي تلك التي تمنحها الشركات في القاهرة".

 

وبحسب المبرمج المصري، فإن "مجال تطبيقات الهواتف المحمولة صار الأكثر رواجاً في تلك المدينة"، متوقعاً أن تشهد هذه السوق نمواً متسارعاً خلال الفترة المقبلة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم