إعلان

قضية "فتاة الفستان"... انتهاك متكرر للحرية الشخصية أم ادعاء لا دليل عليه؟

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
حبيبة طارق - فايسبوك
حبيبة طارق - فايسبوك
A+ A-

يقولون إن العدالة عمياء، لا تحكم سوى بما يقدم لها من أوراق وأدلة رسمية، لكن المجتمع يبصر جيداً حقيقة مشكلاته، بخاصة إذا كانت تلك المشكلات تتكرر علناً على نحو مستمر، وتتعرض لها النساء اللواتي قررن التخلي عن حجابهن أو عدم ارتدائه من الأساس. وربما يتجلى هذا بشكل واضح في تفاصيل القصة المعروفة إعلامياً بواقعة "فتاة الفستان".

 
 

قبل أشهر قليلة أثارت طالبة بكلية الآداب جامعة طنطا اسمها حبيبة طارق ضجة كبيرة بعدما قالت إنها تعرضت لتنمر وتمييز ديني خلال أدائها الامتحانات، وذلك من قبل مراقبتين بالجامعة، إحداهما منتقبة والأخرى ترتدي خماراً.

 

وقالت الطالبة التي كانت ترتدي فستاناً نشرت صورته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إنها فوجئت بإحدى المراقبتين تسألها: "هو أنت نسيتي تلبسي بنطلونك ولا ايه؟"، فضلاً عن سؤالها عن ديانتها، وما إذا كانت مسلمة أم مسيحية، كما هاجمتاها، ووجهتا لها إهانات لفظية بسبب تخليها عن الحجاب الذي كانت ظهر في صورة بطاقة هويتها الشخصية.

 
 

وبعد الضجيج وحالة الغضب الشديدة التي سببتها الواقعة، تقدمت الفتاة ببلاغ رسمي ضد المراقبتين.

 
 المتطفلون وأدعياء الفضيلة

ويقول الكاتب الصحافي عبدالمنعم مصطفى لـ"النهار العربي" إن "القضية وبغض النظر عن التفاصيل، فتحت نقاشاً مجتمعياً حول زي المرأة وحريتها في اختياره من دون تدخل من الغير. فضلاً عن أنها وضعت قيوداً على المتطفلين وأدعياء الفضيلة".

 

وأصدرت النيابة العامة في مصر، يوم الاثنين، قراراً بحفظ القضية، وقالت في حيثيات القرار، إن الدعوى التي تقدمت بها حبيبة، هي شكوى "جوفاء ومرسلة وواهية ولا ترقى لمرتبة الدليل".

 

وبينما جاء قرار النيابة معتمداً على التحقيقات والمعطيات الرسمية التي حصلت عليها سلطات التحقيق، فإن كثيراً من المصريين الذين تعاطفوا مع الطالبة، يرون أن القصة لم تنتهِ بعد، فمن الناحية القانونية لا زال الطعن في القرار ممكناً.

 

ومن الناحية المجتمعية هناك الكثير من الوقائع المتكررة التي قد تعزز صدقية إدعاءات حبيبة طارق، حيث تعرضت فتيات عدة لاعتداءات لفظية وجسدية عنيفة من قبل أسرهن أو من أفراد بمجتمعاتهن بسبب تخليهن عن ارتداء الحجاب الذي يرى باحثون أنه -إلى جانب النقاب- بات شعاراً سياسياً تتباهي جماعات الإسلام السياسي برفعه على رؤوس النسبة الغالبة من المصريات طوعاً أو كرهاً، وتعتبره تلك الحركات الدينية "المنحرفة" فكرياً دليلاً دامغاً على حضورها السياسي في الشارع المصري.

 
 

التنمر على الملبس

تتساءل الكاتبة والباحثة في مجال حقوق المرأة داليا وصفي: "كيف يمكن إثبات تنمر أو اعتداء لفظي على شخص في حال كان المعتدي ذا سلطة على المعتدى عليه؟ كيف يمكن طمأنة المعتدى عليه والشهود بصفة أن لا أذى سيطاولهم في حالة الشكوى؟".

 

وتقول وصفي لـ"النهار العربي": "هذه حال أغلب فتيات مصر اللوتي يتعرضن للتنمر كل يوم وكل ساعة لأسباب عدة، ومن أبرزها التنمر على الملبس والمظهر الخارجي... تنمر قد يصل حد الاعتداء الجسدي، كما حدث لعدة فتيات من أعمار مختلفة، بالمترو تعرضن للسباب ولقص الشعر لمجرد كونهن بلا غطاء للرأس".

 

وتشير الباحثة إلى أن "التنمر بدأ بصورة خفيفة عن طريق التودد وادعاء النصح الديني، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ثم تطور الأمر لدرجة العنف بفترة الرئيس السادات، ثم الرئيس محمد حسني مبارك، وذلك لإرغام النساء على غطاء الرأس، ونبذ واضطهاد كاشفات الرأس بكل مكان بدءاً من المدارس وحتى الجامعات وأماكن العمل".

 
 

"منذ ثورة كانون الثاني (يناير) بدأت فتيات ونساء مصر في الضغط بصورة أكبر بالمطالبة بمختلف أنواع الحريات وأولها حرية الملبس وحرية خلع غطاء الرأس" تقول وصفي، وتضيف: "في المقابل كانت هناك ضغوط أشد عنفاً من الطرف الرافض للحريات والجمال، فكونوا لجاناً الكترونية للهجوم على كل من يدعون لحرية الملبس أو حرية الحركة أو حرية العقيدة، وكانت إحدى أقوى وأهم وسائلهم استخداماً وتأثيراً، التنمر والتحرش بكل من ترتدي ملابس أنثوية تظهر الطبيعة الجمالية التي فطرت عليها النساء منذ بدأ الخليقة، والتي تمتعت بها نساء مصر لسنوات عديدة من دون خوف".

 

يفعل هؤلاء ذلك، حسب رأي الكاتبة "ظناً منهم أن إرهاب الفتيات والنساء سوف يجعلهن يتراجعن عن خوض سوق العمل والحياة المدنية، إن ما حدث لفتاة الفستان، هو أنها من دون قصد واجهت كود القبح الذي وضعه المجتمع الذكوري المغلف بالغطاء الديني، ودعم هذا الاضطهاد سنوات طويلة من الجهل والتزمت المصطنع المترسخ بذهن الشعب المصري، الذي بدأت عيناه تعتادان على القبح وسواد الملبس، وأصبح يخاف ويحارب كل ما هو جميل وطبيعي".

 
 

وترى وصفي أن "كل من وقف وأعلن أن حبيبة خالفت كود الأخلاق، هو شخص خائف من اتهامه بالدياثة وقلة التدين، وهو شخص خائف من أن يتم اضطهاده هو شخصياً، فإن لم تضطهد الآخر معنا، فسوف نضعك في قائمة المضطهدين... هذا هو لسان حالهم".

 

الطعن في القرار

أكدت حبيبة طارق بعد قرار النيابة أنها تحترم قرار سلطات التحقيق، لكنها سوف تتقدم بتظلم على القرار عبر محامين، وقالت في تصريحات إعلامية: "أنا ضامنة حقي بقانون بلدي".

 

ويقول المحامي هاني صبري لـ"النهار العربي": "إن النيابة العامة أصدرت حكمها بعدم وجود أدلة مادية على حدوث الواقعة، وعدم صحة البلاغ وادعاءات الطالبة، ما تعين معه استبعاد شبهة الجرائم المثارة بالأوراق ضد موظفي الجامعة".

 

وأضاف صبري أن "القرار الصادر عن النيابة العامة ليس نهاية المطاف، ويجوز لها وفقاً للقانون أن تتقدم بالطعن في القرار إلى السيد النائب العام ،حيث إن أمر الحفظ الذي تصدره النيابة العامة بعد قيامها بأي إجراء من إجراءات التحقيق، هو في صحيح القانون أمر بـ"ألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية"، وبمجرد صدوره يمنع من العودة إلى التحقيق إلا في الحالات وبالكيفية التي قررتها المادة (110) وما بعدها من قانون الإجراءات الجنائية، ولو جاء الأمر في صيغة الحفظ الإداري، وسواء كان مسبباً أم لم يكن".

 

والتمس المحامي المصري "من النائب العام باعتباره صاحب الحق الأصيل في تحريك الدعوي الجنائية، أن ينظر في القرار الصادر من النيابة العامة بشأن الطالبة حبيبة طارق".

 

ويوضح صبري أن "الأمر الصادر من قاضي التحقيق بأن لا وجه لإقامة الدعوى، يمنع من العودة إلى التحقيق إلا إذا ظهرت دلائل جديدة قبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى الجنائية، ويعد من الدلائل الجديدة شهادة الشهود والمحاضر والأوراق الأخرى التي لم تعرض على قاضي التحقيق أو غرفة المشورة، ويكون من شأنها تقوية الدلائل التي وجدت غير كافية، أو زيادة الإيضاح المؤدى إلى ظهور الحقيقة، ولا تجوز العودة إلى التحقيق إلا بناء على طلب النيابة العامة".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم