إعلان

خبراء أميركيّون يرسمون لـ"النّهار العربي" سيناريوات المواجهة المصريّة السودانيّة - الإثيوبيّة حول سد النهضة

المصدر: النهار العربي- واشنطـن- محمد ماهر
سد النهضة
سد النهضة
A+ A-
في 2012 كشف موقع ويكليكس عن برقية للسفارة الأميركية في القاهرة ترجع الى منتصف 2010 نقلتها للمسؤولين في واشنطن، نقلاً عن مسؤول كبير في مصر صُنف بأنه من الفئة A، وكان على اتصال مباشر بالرئيس المصري وقتها حسني مبارك، ومدير المخابرات العامة آنذاك اللواء عمر سليمان، قوله إنه "لن تكون هناك حرب إذا ما أقدمت إثيوبيا على بناء سد على نهر النيل.. سوف نقوم بإرسال طائراتنا لقصف السد والعودة في اليوم نفسه... ربما نرسل القوات الخاصة لكننا لن نرسل الجيش". اليوم عادت تلك البرقية إلى سطح الحوادث مع تعثر المفاوضات بين مصر والسودان، من جهة، وإثيوبيا، من جهة أخرى، وفشل مفاوضات "الفرصة الأخيرة" كما سمّاها وزير الخارجية المصري سامح شكري في العاصمة الكونغولية كينشاسا، أخيراً، وتكرار حديث المسؤولين، سواء في القاهرة أم في الخرطوم عن "الخيارات المفتوحة" في أزمة سد النهضة.
 
تصاعد اللهجة المصرية السودانية، لم يقتصر على التلويح باللجوء الى الخيار العسكري فحسب، بل جاء مقترناً بتنامي التعاون العسكري المصري السوداني تنامياً غير مسبوق، الأمر الذي وصل الى حد إجراء مناورات عسكرية مصرية سودانية مشتركة (نسور النيل 1 و2) للمرة الأولى، بالتزامن مع توقيع اتفاقيات للتعاون العسكري بين مصر وكل من أوغندا وبورندي، الأمر الذي اعتبره المراقبون الدوليون بمثابة تمهيد الأجواء للجوء للخيارات العسكرية.
 
"النهار العربي" يرصد أهم سيناريوات الخيارات العسكرية في أزمة النهضة كما حددها خبراء ومراقبون أميركيون.

 ضبط النفس
أوضحت السفيرة الأميركية السابقة في إثيوبيا، باتريشيا هاسلاش لـ"النهار العربي"، أن تكرار الحديث عن "تصعيد كارثي" محتمل أو إثارة المخاوف من الأعمال العسكرية، فضلاً عن تكرار الحديث عن إجراءات تصعيدية تحت غطاء "لا شيء غير مطروح على الطاولة" ليست مفيدة لأي طرف، ولا ينبغي تشجيعها ولن تؤدي إلى نتيجة مثمرة لأي من الأطراف، مشيرة إلى أنه بدلاً من ذلك، يجب على جميع الأطراف تخفيف حدّة خطابهم واستئناف المفاوضات من خلال البدء بمشاركة البيانات والبروتوكولات الواضحة قبل التعبئة الثانية.
وتابعت هاسلاش أن الولايات المتحدة الأميركية تؤمن بأن الحل الوحيد للأزمة هو الحل الدبلوماسي، كما أوضحت لكل الأطراف ضرورة محاولة تجنب الإجراءات الأحادية ما أمكن. 
ونبهت هاسلاش، والتي أنهت خدمتها في أديس أبابا في 2017 إلى أن حكومة أبي أحمد في إثيوبيا في اختبار حقيقي، إذ من المقرر أن يذهب الإثيوبيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب ومجالس الدولة الإقليمية، وتعدّ هذه الانتخابات أول اختبار حقيقي لحزب الازدهار الإثيوبي الحاكم بقيادة أحمد، منذ إنشائه عام 2019 عندما انفصل الائتلاف عن جبهة تحرير شعب تيغراي، وهذا يمكن أن يؤثر في سياسة البلاد في ملف سد النهضة.
 
ولفتت الدبلوماسية الأميركية، إلى أن الأزمة الإنسانية في تيغراي، ليست بعيدة عن التوتر الدبلوماسي المتصاعد بين مصر والسودان وإثيوبيا، لأن ما يحدث في الإقليم المتوتر يمكن أن يؤثر مباشرة في سياسة أديس أبابا في أزمة سد النهضة.

حرب محدودة
أما الباحث الأميركي ريكاردو فابياني، مدير مشروع  شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية في واشنطن، فيرى أن المناورات العسكرية المصرية السودانية لم تكن بعيدة عن أنظار المجتمع الدولي، في ظل الحديث المتكرر عن إمكان التصعيد العسكري في أزمة سد النهضة الإثيوبي، مشيراً إلى أن العديد من المشاورات تتم في دوائر صنع القرار في واشنطن هذه الأيام لبحث سُبل التهدئة، مؤكداً أن آخر ما تريده واشنطن هو التصعيد في المنطقة.
 
وأوضح فابياني، أن فشل مفاوضات كينشاسا كان متوقعاً، بالنظر إلى أنه تم إحراز تقدم ضئيل للغاية خلال الأشهر الماضية، إذ أظهر الجانبان مرونة محدودة بشأن القضايا الرئيسية، لافتاً إلى أن واشنطن باتت تشعر بالقلق، لأن هذا الفشل يهدد بتصعيد التوترات الإقليمية قبل عملية ملء إثيوبيا الثانية المخطط لها في تموز (يوليو).
 
وحول سيناريوات التصعيد العسكري في حال بدء إثيوبيا مرحلة الملء الثاني من دون التوصل إلى اتفاق، أوضح فابياني لـ"النهار العربي"، من العاصمة الأميركية واشنطن، أن مصر والسودان تحاولان ممارسة أكبر قدر ممكن من الضغط لدفع أديس إلى تقديم تنازلات بشأن قضية السد، وتتمثل استراتيجيتهما الرئيسية في حشد المجتمع الدولي خلفهما وعزل إثيوبيا، ولهذا السبب تعمل مصر على إثارة شبح التدخل العسكري المحتمل، وقال: "برغم أن اللجوء الى الخيار العسكري في ملف سد النهضة أمر غير واقعي، ولكنه يخدم الغرض النهائي من دفع الولايات المتحدة والجهات الدولية الفاعلة الأخرى الى التدخل في هذا النزاع، بل ربما إجبار مجلس الأمن الدولي على التدخل، إذا لزم الأمر". 
 
واستدرك الباحث الاستراتيجي في مجموعة الأزمات الدولية في واشنطن، قائلاً: "مشكلة النهج المصري – السوداني بالتلويح بالتصعيد، هي أنه من غير المرجح أن يجبر أديس أبابا على الرضوخ، فتلك الاستراتيجية لم تنجح في الماضي ولا سبب للاعتقاد أنها ستكون مختلفة هذه المرة، حتى مع التدخل الدولي، ففي وساطة واشنطن أثناء إدارة الرئيس ترامب، العام الماضي، لم تستجب إثيوبيا، إذ إن تقديم تنازلات تحت ضغط من الخارج ينظر إليه على أنه هزيمة داخل إثيوبيا".
واعتبر أن حديث التصعيد من جانب مصر والسودان هو بالأساس محاولة لجذب انتباه القوى الدولية لهذا الخلاف ودفعها للتدخل، مشدداً على أن من الواضح أنه لا حل عسكرياً لهذه الأزمة.
 
ورجح فابياني أن تحدث اشتباكات محتملة أو حرب محدودة على الحدود الإثيوبية السودانية في ظل حالة التصعيد السائدة، وهو الأمر الأرجح بالنظر إلى حالة التوترات الحدودية الحالية بين السودان وإثيوبيا، وقد تتصاعد وتيرة هذه الاشتباكات الحدودية خلال الفترة المقبلة، لتنبيه المجتمع الدولي، الأمر الذي من الممكن أن يدفع الولايات المتحدة للتدخل لتخفيف التوترات وتسهيل التواصل بين الجانبين.

وسائل غير دبلوماسية 
واستبعد باراك بارفي، الباحث المتخصص بشؤون الشرق الأوسط في مؤسسة New America، فرضية اللجوء الى القوة المسلحة لحسم أزمة سد النهضة، مشيراً إلى أنه برغم أن ميزان القوة العسكرية يميل ميلاً ساحقاً لمصلحة مصر التي تمتلك جيشاً من أفضل الجيوش العالمية وأكثرها تحديثاً، فضلاً عن الخبرات القتالية العديدة، إلى أن مهمة قصف السد لن تكون سهلة بحال من الأحوال نظراً الى الصعوبات اللوجستية الكبيرة التي قد تصاحب أي عملية عسكرية مصرية لضرب سد النهضة الإثيوبي، حيث يبعد السد الإثيوبي عن آخر مطار عسكري في جنوب مصر، أكثر من 1000 ميل، كما لا حدود مشتركة بين مصر وإثيوبيا، ولذلك يجب على القاهرة التنسيق مع الجانب السوداني على الأقل لتوجيه ضربة عسكرية، وهو أمر محفوف بمخاطر كشف العملية برمّتها.
 
وتابع بارفي في تصريحات الى "النهار العربي" من العاصمة الأميركية واشنطن، أنه برغم تلويح القاهرة باللجوء الى الخيار العسكري واتخاذ خطوات عملية تشير إلى استعداد البلاد لشن حملة عسكرية ضد إثيوبية، أغلب الظن أن هذه الخطوات تأتي في إطار خطة مصرية لرفع سقف الضغط على إثيوبيا لإبرام اتفاق مع مصر والسودان، وإعادة تذكير القيادة الإثيوبية أن القاهرة ما زالت لديها أدوات أخرى "غير دبلوماسية" يمكن اللجوء اليها في حال الضرورة، مستدركاً أن اللجوء الى مثل هذا التكتيك أمر محفوف بالمخاطر، لأنه في حال عدم رضوخ إثيوبيا ستكون مساحة المناورة المتاحة للقاهرة أقل.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم