إعلان

"داعشيات" شرسات... كيف توعي الدراما المصرية المجتمع حيال خطرهنّ؟

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
مدربة لمجموعة من نساء "داعش" تتحدث إليهن في أحد مقاطع الفيديو التي أنتجها التنظيم . (تيلغرام)
مدربة لمجموعة من نساء "داعش" تتحدث إليهن في أحد مقاطع الفيديو التي أنتجها التنظيم . (تيلغرام)
A+ A-
يؤكد خبراء محليون ودوليون أن مصر نجحت بقوة في حربها الأمنية ضد الإرهاب، رغم بعض الخروقات،ما أدى إلى تراجع العمليات المسلحة التي يشنها الإرهابيون بنسبة كبيرة منذ عام 2019. لكن في الوقت ذاته يرى بعض المحللين أن المعركة الفكرية الفعلية مع التشدد الديني، لم تبدأ بعد، أو أنها خطت خطوات متواضعة للغاية.
 
التعليم، والإعلام، والتثقيف العام، كلها أسلحة مهمة للغاية في الحرب ضد الفكر الديني المتشدد الذي يبث الفتن داخل المجتمع المصري، ويساهم في استقطاب العناصر التي تنضم إلى التنظيمات السلفية الجهادية، ويعد الفن في طليعة الأسلحة المؤثرة في تلك المعركة الفكرية الممتدة، لكنّ ثمة اختلافاً بين المتخصصين حول طبيعة تأثيره، خصوصاً من الناحية النفسية، كما أن هناك سجالات حول مدى واقعية الصورة التي تقدمها الأعمال الدرامية.

أدركت الدولة المصرية أهمية الفن في تلك الحرب منذ فترة طويلة، لكنها في السنوات الأخيرة بدأت في إنتاج أعمال درامية تكشف حقيقة تنظيمات الإسلام السياسي، وأفكارها التي تفتت المجتمعات وتشعل الفتنة بين مواطنيها، حتى تستطيع السيطرة على مقاليد السلطة بها.

ومن أهم هذه الأعمال مسلسل "بطلوع الروح" الذي يكشف زاوية جديدة، وبالغة الأهمية، لأنه يركز بصفة أساسية على أخطر عناصر تلك التنظيمات المتطرفة، وهو العنصر النسائي، لأنه إلى جانب انجرافه الشديد عاطفياً لأفكار تلك التنظيمات، وإخلاصه ونشاطه في الترويج لها، فإنه يربي أجيالاً جديدة من المتطرفين المنغلقين فكرياً.
 
 
 
محاكاة للواقع
الشخصيات النسائية التي ظهرت في المسلسل التلفزيوني، أثارت مشاعر متضاربة: "روح" التي تلعب دورها الفنانة منة شلبي، أثارت تعاطفاً، باعتبارها ضحية، غرر بها، ووجدت نفسها فجأة في جحيم "داعش". أما "أم جهاد" قائدة "لواء الخنساء" التي قامت بدورها الفنانة إلهام شاهين، فقد أثارت نفوراً كبيراً من فرط تطرفها وقسوتها. ومن ناحية أخرى استنكر البعض - خصوصاً المنقبات اللاتي أطلقن "هاشتاغ" باسم #احنا_مش_كده - تقديم نساء منقبات بالصورة التي ظهرت عليها "أم جهاد" وغيرها من المنخرطات في "داعش".

ويقول مؤلف مسلسل "بطلوع الروح" محمد هشام عبية لـ"النهار العربي": "كان لدينا تحد وهو أننا نتناول حدثاً لا يزال ساخناً وحياً وله أثر حتى الآن، لذا ركزنا على أن تكون الحوادث في المسلسل أقرب إلى الواقع".
 
 ويضيف عبية: "الشخصيات في المسلسل ليست كلها موجودة بالواقع مئة بالمئة، وفي الوقت ذاته، ليست من وحي الخيال بصورة كاملة، أي أن في كل شخصية شيئاً من الحقيقة".
 
 ويعطي الكاتب مثالاً بـ"أم جهاد"، ويقول عنها إنها "ليست شخصية حقيقية، لكن هناك شخصيات مماثلة لها في "داعش". بعض الشخصيات الأخرى مثل البولندية والسويدية من جذور عربية، هن شخصيات حقيقية، تمثلن نساء تركن بلدانهن في أوروبا وانضممن إلى التنظيم".
 
ويشير عبية إلى أنه تدخل، فقط، ببعض الصياغات الخاصة بقصصهم، ويقول: "لقد استعنا بأكثر من 50 مرجعاً، وكان معنا باحث متخصص في الجماعات المتشددة، وهو صديقي علاء عزمي، الصحافي بجريدة "الأخبار"، كان هدفنا هو أن نقدم شيئاً حقيقياً، يعكس ما كان يحدث داخل التنظيم، وأزعم أننا نجحنا في ذلك".
 
 
 
شك وريبة
الصحافية والباحثة الكردية لامار أركندي التقت العديد من النساء اللاتي انتمين إلى "داعش"، وذلك خلال معارك تحرير مدينة "الرقة" السورية، واستمعت إلى قصصهن منهن مباشرة.
 
تقول أركندي لـ"النهار العربي": "لقد سمعت العديد من القصص لنساء داعش، إنها قصص مكررة، يقلن إنهن تعرضن للخداع من قبل رجال، وتم جلبهن إلى تركيا لقضاء شهر العسل، أو للبحث عن عمل، أو لأسباب أخرى، ثم أجبرن على العبور إلى مناطق نفوذ التنظيم الإرهابي في سوريا".
 
وتضيف الصحافية والباحثة الكردية: "إحدى هذه القصص لسيدة تونسية متزوجة ولديها أطفال، أقنعها زوجها بالسفر إلى تركيا للبحث عن عمل، ثم أجبرها على عبور الحدود السورية، وقالت انها اكتشفت بعد ذلك أنه مقاتل في التنظيم الإرهابي".
 
إحدى المتدربات على السلاح مع تنظيم "داعش". (تيلغرام)
 
 ترى أركندي أن قصة "روح" غير واقعية، وهي تتعامل مع روايات نساء "داعش" بحذر وريبة شديدين، وتقول: "هل من المعقول أن زوجة قضت مع زوجها سنوات، لا تعرف فكره؟ هل هو متطرف أم علماني أم غير ذلك؟ هذا لا يعقل، الكذب كان واضحاً للغاية من رواياتهن. أحياناً كنت أطرح عليهن السؤال بأكثر من طريقة، وأتلقى إجابات متناقضة، وهذا يكشف عن كذبهن".
 
على الجانب الآخر، التقت الصحافية بنساء "يتفاخرن بأنهن انضموا لـ"داعش"، ويرين فيها أنها الدولة التي تطبق صحيح الإسلام".

وتشير أركندي إلى أنها التقت "بعشرات النساء اللاتي تم أسرهن واستعبادهن من قبل داعش، خصوصا الأيزيديات، وكان هناك سبايا مسيحيات، وأيضا سبايا مسلمات من السنّة اللاتي وجه التنظيم إليهن تهمة "الردة"، ما أباح له سبيهن".

وتقول الصحافية الكردية إن "السبايا اللاتي استمعت إلى قصصهن يؤكدن أن النساء في "داعش" أكثر تطرفاً وقسوة من رجال التنظيم الإرهابي، فقد كن يجلدن السبايا، ويحرقوهن، ويتعاملن معهن بقسوة شديدة. وقد التقيت إحدى "الداعشيات" التي كانت تتفاخر بأن زوجها لديه 10 سبايا، وكانت تعتبرهن كافرات يجب استعبادهن لخدمة نساء التنظيم الإرهابي، وتقديم المتعة الجنسية لرجاله".
 
توعية بالضحايا
من جانبها، ترى المحامية المصرية هالة دومة الأمر بصورة مغايرة، وتقول إن مسلسل "بطلوع الروح" ساهم في "توعية الناس بمعاناة عدد من النساء اللاتي تم إجبارهن على الزواج من عناصر في تنظيم داعش".
 
وتقول دومة التي تتولى الدفاع عن عدد من النساء المتهمات بالانتماء إلى "داعش" في مصر  لـ"النهار العربي": "بقدر عظمة المسلسل، لكن الواقع أكثر قسوة بكثير. واحدة من النساء التي أدافع عنهن، كانت تجبر على حمل السلاح وفكّه والتدرب عليه، وقد أدلت بهذه المعلومات في التحقيقات الرسمية".
 
 
 
وتعترف المحامية المصرية بأن الظروف التي تتم فيها محاكمة تلك النساء لا تسمح لها بالجلوس معهن والاستماع لقصصهن جيداً، وأن المعلومات التي تحصل عليها منهن، تكون غالباً خلال اقتيادهن للتحقيقات الرسمية.

وتقول دومة: "للأسف ليس لدينا حكايات بالقدر الكافي عن الفتيات اللاتي تعرض بعضهن إلى ظلم شديد من أهلهن، فهن قيد الاعتقال، ونحن كمحامين لا نتمكن من التواصل معهن بصورة كافية".
 
وترى أن "المسلسل نقل جزءاً كبيراً من الحقيقة، والتفاصيل التي قدمها العمل الدرامي جاءت معظمها من أجنبيات، لكن المصريات ليس لديهن الفرصة للخروج لرواية قصصهن".
 
انحياز طبيعي
استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فيرويز يرى أن الدراما منحازة بطبيعتها، فهي تتبنى وجهة نظر محددة، وتعمل على تأكيدها.
 
لكن فرويز يحذر من التأثير السلبي للدراما، ويقول لـ"النهار العربي": "وقع مسلسل "رأفت الهجان" على سبيل المثال في خطأ غير مقصود، حين أظهر المجتمع الإسرائيلي من الداخل، هنا يحدث اتصال إنساني بين المشاهد وذلك المجتمع، ويجعل الناس يشعرون بتقبل ذلك المجتمع "المعادي" ويرتبطون به نفسياً".
 
ويضيف الاستشاري: "الواقع في "داعش" أكثر قبحاً مما قدمه "بطلوع الروح"، لكن إظهار الحياة اليومية لعناصر هذا التنظيم، وهم يأكلون ويشربون، ويبكون، ويحبون، ويكرهون، يحرك المشاعر الإنسانية تجاه هؤلاء المتطرفين ذوي الفكر المتصلب".

 
 
ويحذر الأستاذ الجامعي من التعاطف مع النساء المتطرفات: "أولئك النساء مثل القنابل الموقتة، فعقولهن تسيطر عليها أفكار لا يمكن تغييرها بسهولة. تلك الأفكار التي تدفع إنساناً إلى السفر آلاف الأميال للانضمام إلى تنظيم إرهابي، وتجعله يقبل على قتل نفسه أو قتل الآخرين، تعد تهديداً للمجتمع. وما هو أكثر خطورة، أن هؤلاء النسوة يربين أبناءهن على هذه الأفكار، ما يخرج جيلاً متصلباً فكرياً يهدد أمن وطنه وأمن الجميع، بمن في ذلك هو نفسه".

تعزيز للقناعات
من جانبها، ترى استشارية الصحة النفسية الدكتورة وفاء شلبي أن الدراما لها تأثير ما في نفس الإنسان، لكن هذا التأثير يكون طفيفاً.
 
وتقول لـ"النهار العربي": "الدراما لا تخلق شيئاً من العدم، لكنها تلعب على الأساس النفسي لدى المشاهد، بمعنى أنها  لا تخلق وجهات نظر جديدة من العدم، ولكنها قد تعزز الآراء والأفكار التي لدى الإنسان".

وتضرب شلبي مثالاً على ذلك بأنه "إذا كان الشخص يدعم فئة معينة، فإن الدراما لن تدفعه للميل للفئة المضادة، لأنه يكون لديه أفكار مسبقة عن الفئة التي يدعمها، وبالتالي سوف ينكر أي اتهامات أو انتقادات لها".
 
 

وترى أن "التأثير الذي تتركه الدراما يكون له سقف محدد، فهي فقط تقوي القناعات والأفكار الموجودة أصلاً لدى الشخص".
 
وتضيف شلبي: "بالنسبة لمسلسل "بطلوع الروح"، فإن الناس الذين يدعمون "داعش"، سوف يستمرون بدعم التنظيم، والأشخاص الذين يناهضون التنظيم الإرهابي سوف يزداد رفضهم له".
 
لكن الاستشارية النفسية تقول إن "المسلسل له جانب ترفيهي بالغ الأهمية، لأن الدراما تعرض الجانب النفسي لبعض السلوكيات، وهذا مهم جداً، لأنه يوضح من أي مصدر تنبع الأفكار والسلوكيات المتطرفة التي نراها".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم