إعلان

الملف 1266... قراءة مغايرة لسيرة "كبير الأشقياء" أدهم الشرقاوي

المصدر: النهار العربي
القاهرة - عبدالحليم حفينة
صورة أرشيفية لأدهم الشرقاوي
صورة أرشيفية لأدهم الشرقاوي
A+ A-

يقولون إن الزمن كفيلٌ بكشف الحقائق، لكن غالباً ما تخدعنا السنوات الطويلة بتقلباتها، وتبقى لكل قصة راويات عدة، تختلف بتغيّر الأنظمة السياسية، واختلاف رؤيتها للحوادث التاريخية، ومن بين القصص ذائعة الصيت في هذا المنحى، أسطورة أدهم الشرقاوي.

 

استقرت هذه الأسطورة في الوجدان الشعبي المصري لسنوات طويلة، وأصبحت قصة تُجسد قيم البطولة، ترويها الملاحم الغنائية، وتستلهم منها السينما والدراما أعمالها المؤثرة، لكن ثمة رواية أخرى تدحض الأولى، إذ اعتبرت الأوراق الرسمية - في زمن الاحتلال الإنكليزي لمصر - الشرقاوي مُجرماً خطيراً أشاع الخوف في قرى شمال الدلتا، حيث كان يحمل السلاح، ويقتل من يشاء مقابل المال.

 

وبمرور مئة عام على مقتل الشرقاوي، ننبش في أرشيف الصحافة، ليس لتقديم إجابة تحسم حقيقة بطولة الرجل من عدمها، لكن بدافع البحث عن إجابة لسؤال لم يطرق كثيراً: كيف تحولت قصة الشرقاوي في المواويل الشعبية إلى رواية تبنّتها المؤسسة الرسمية في مصر في عهد ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، ليصبح المجرم العتيد بطلاً شعبياً ذائع الصيت؟

 

ثمة وجبة دسمة ساعدتنا في الإجابة عن هذا التساؤل، عثرنا عليها في  قسم الأرشيف بجريدة "الأهرام" المصرية، وتحديداً في ملفٍ عتيق يحمل الرقم 1266، مدون عليه اسم أدهم الشرقاوي. جمع الملف بين دفتيه قصصاً متضاربة نقلتها الصحافة عن الشرقاوي طيلة 100 عام، إلى جانب قصاصات صحافية أخرى متناثرة على مواقع إلكترونية ومنتديات تهتم بالأرشيف الصحافي، كشفت كواليس ذيوع قصة أسطورية حلقت في أرجاء الوطن بجناحي الشر والخير معاً.

 

السيرة الشعبية

في قرية زبيدة، التابعة لمركز إيتاي البارود في محافظة البحيرة (شمال مصر)، كان مولد أدهم عبد الحليم الشرقاوي عام 1898. ورغم الأعوام القليلة التي عاشها (23 عاماً)، فإن صولاته وجولاته كانت كافية لأن تحوّل خبر موته لمناسبة خاصة تحتفي بها الصحف، التي وصفته آنذاك بـ"كبير الأشقياء".

 

يَنسب الحكي الشعبي لأدهم الشرقاوي العديد من الصفات الأسطورية، نقلها مراسل "الأهرام" المتجول حينها، فقال: "كانت لديه القدرة على التنكر في زي الخواجات، والتحدث بلسانهم. طويل القامة قوي العضلات، أشقر اللون، وكان إذا لبس الملابس الإفرنجية والبيزنطية، لا يستطيع أحد أن يفرقه عن الرجل الإنكليزي أو الفرنساوي أو الطلياني".

 

 

حُكم على أدهم بالسجن 7 سنوات عام 1917 بعد تورطه في حادثة قتل، قِيل إنها كانت دفاعاً عن عمه، ثم حُكم عليه مجدداً بالمؤبد عندما أجهز على قاتل أحد أعمامه في السجن، وعند اندلاع ثورة 1919، هرب الشرقاوي من ليمان طرة، وتقول الرواية الشعبية إنه اشترك في الثورة، وقاد أهل بلدته ضد ظلم الإنكليز وهيمنة الأتراك الإقطاعيين.

 

الرواية الرسمية

سرد مراسل "الأهرام" واقعة مقتل أدهم الشرقاوي، في عدد 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1921، وكانت تلك هي الرواية الرسمية التي نقلتها صحف ومجلات عديدة: "إن عبدالخالق باشا ثروت وزير الداخلية تلقى برقية من مديرية البحيرة المتاخمة للإسكندرية تبلغه بنبأ مقتل الشقي الشهير أدهم الشرقاوي".

 

كما عدَّدت مجلة "اللطائف المصورة" في عدد نهاية الشهر ذاته، جرائم الشرقاوي إذ قالت إنّه "ظل يرتكب الحوادث المخلة بالأمن من قتل وسطو ونهب فى ناحية زبيدة حتى يكون ذلك مدعاة رفت عمه من العمودية فلم يفلح أيضاً".

 

وتابع محرر المجلة: "عندما كبرت عصابته كان يتم استئجاره لارتكاب جرائم القتل مقابل المال، فقتل الكثيرين، وكان منهم خفير نظامي بعزبة خلجان سلامة وشقيقه الشيخ أبو مندور، وهو من أعيان المركز وآخرون، ثم أخذ يهدد العمد والأعيان ليبتز منهم مبالغ طائلة مقابل المحافظة على أرواحهم فكانوا ينفذون ما يطلب خوفاً من بطشه".

 

وبحسب خبر "الأهرام" فقد "كثفت الشرطة جهودها للقبض على الشرقاوي بعدما قتل أحد أعيان مركز إيتاي البارود وهو الشيخ حسين السيوي من أصهار حسين درويش باشا وزير الأوقاف الأسبق".

 

تقرير من مجلة "اللطائف المصورة" عدد 31 تشرين الأول (أكتوبر) 1921

 

أورد الخبر أيضاً تفاصيل الإيقاع بأدهم من طريق صديقه المقرب محمود أبو العلا خفير "عزبة جلال"، التي تبعد من قرية أدهم )زبيدة( بمسافة نصف ساعة. فبعد القبض على أبو العلا، وافق على استدراج أدهم إلى موضع كمين للشرطة بقيادة الجاويش محمد خليل الذي عاجله برصاصتين فور رؤيته.

 

ويصف مراسل "الأهرام" حال الأهالي بعد مقتل الشرقاوي فيقول: "انطلقت الزغاريد أمس في أنحاء قرى مركزي ايتاي البارود وكوم حمادة، ابتهاجاً بمقتل الشقي الذي أدت جرائمه إلى ركود التجارة والمعاملات".

 

أدهم في المواويل

تزامنت واقعة مقتل الشرقاوي مع عنفوان ثورة 1919، فقد ماجت مصر بغضب عارم حينها تجاه الإنكليز ومن والاهم، وكانت هذه الأجواء المشحونة بالكراهية كفيلة بأن تضع كل من يشق عصا الطاعة على الحكومة في موقع البطولة من الخيال الشعبي.

 

وخلال حقبة الملكية، لم تتبنَ المؤسسة الثقافية أبداً رواية بطولة أدهم الشرقاوي، لكن أحد الشعراء المجهولين حوّل القصة إلى موال شعبي يُتلى على أوتار الربابة في الموالد، حيث جسد أدهم  قيم البطولة الريفية والثورة على استبداد الاقطاعيين، فكيف انتقل الموال من الموالد إلى عالم الفن "الحكومي"؟

 

وثق الكاتب الصحافي الراحل جليل البنداري قصة موال أدهم الشرقاوي في مقال نشر يوم 11 تموز (يوليو) 1964 بجريدة "الأخبار" بعنوان: "مع أدهم وخضرة ونقيب الصعاليك"، مشيراً إلى أنه كان يستمع إلى موال أدهم في طفولته وشبابه على ألسنة شعراء الربابة مع العزف على الربابة والأرغول والمزمار البلدي.

 

وكان مطلع موال أدهم حينها يبدأ بالمقدمة نفسها للموال الذي غناه محمد رشدي في الملحمة الغنائية الشهيرة، إذ يقول: "منين أجيب ناس لمعنات الكلام يتلوه، شبه المؤيد إذا حفظ العلوم وتلوه، الحادثة اللي جرت على سبع شرقاوي، الاسم أدهم لكن النقب شرقاوي، مواله أهل البلد جيل بعد جيل غنوه".

 

 مقال جليل البنداري في الأخبار 11 تموز (يوليو) 1964
 
 وفي هذا المقال وضع البنداري يده على نقطة التحول في قصة الشرقاوي عندما ذكر أنّ "زكريا الحجاوي المعروف بـ"نقيب الصعاليك" شرع عام 1949 في جمع قصة أدهم الشرقاوي من الموالد، وفي مولد أبي هريرة في الجيزة استمع الحجاوي إلى المطربة خضرة الشريفة، وهي تغني المواويل الحمراء، وإلى أبيها الذي كان يروي قصة أدهم بأسلوب المداحين وليس بأسلوب شعراء الربابة".


"ثورة يوليو"

ظلت سيرة أدهم حبيسة عالم الموالد والأحياء الشعبية حتى جاءت ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 التي شرّعَت الأبواب واسعة أمام ذيوع أسطورة البطولة، كونها تخاصم زمن الاحتلال والملكية بكل تجلياته، وانتشرت الأسطورة كالنار في الهشيم، ولا يُخفى تأثر جيل قادة الثورة بموال أدهم، ومنهم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وهو ما يؤكده الكاتب الراحل صبري أبو مجد في كتابه "مع السادات على طريق النضال"، حين أشار إلى أن جدة السادات كانت تنشد له قصة أدهم في طفولته.

 

زكريا الحجاوي الذي أخذ على عاتقه جمع قصة أدهم الشرقاوي عام 1949، كان البطل المجهول في التحول الكبير الذي طرأ على القصة، فبعد ثورة 23 تموز (يوليو) أصبح الحجاوي بمثابة أحد أهم حراس التراث المصري، وترقى في المؤسسة الرسمية حتى كلفته مصلحة الفنون عام 1956 بإنشاء فرقة الفلاحين التي تقدم الفنون الشعبية.

 

تحقيق مجلة "آخر ساعة" عدد 10 تشرين الأول (أكتوبر) 1963
 

بعد التكليف الرسمي جاب الحجاوي الموالد في الأرياف والبوادي، وضم إلى فرقة الفلاحين المطربين الشعبيين وشعراء الربابة، وعلى رأسهم المطربة خضرة الشريفة، التي التقاها مع أبيها في مولد أبي هريرة قبل سبع سنوات، وجمعت خضرة بالحجاوي قصة حب تُوجت بزواج دام لست سنوات، بحسب البنداري.

 

اختمرت قصة بطولة أدهم في الوسط الثقافي بعدما صَعَدها زكريا الحجاوي، وفي عام 1962 كان المجتمع المصري مع أول منتوج للقصة، عندما أنتجت الإذاعة المصرية الملحمة الغنائية "أدهم الشرقاوي"، التي كتبها محمود إسماعيل جاد، وأنشدها محمد رشدي.

 

حوار محمد رشدي مع صحيفة "الأحرار" 1 أيلول (سبتمبر) 1998


وفي حوار مع جريدة "الأحرار" يوم 1 أيلول (سبتمبر) 1998 يروي محمد رشدي قصة غنائه لهذه الملحمة الغنائية، فيقول: "عندما صدرت القوانين الاشتراكية عام 1961 وعملت الدولة على الانتصار للعامل والفلاح والفئات الكادحة وتعميق قيم البطولة والشهامة بخاصة أولاد البلد والفلاحين كانت قصة أدهم الشرقاوي من القصص الشعبية التي تُعمق هذه القيم".
 
 
 

زادت الأسطورة توهجاً بتأليف زكريا الحجاوي قصة فيلم "أدهم الشرقاوي" الذي خرج للنور عام 1964، وهو من بطولة عبد الله غيث الذي لعب دور أدهم، وغنى عبدالحليم حافظ أغاني الفيلم من تأليف مرسي جميل عزيز، ثم أنتج مسلسل من بطولة عزت العلايلي عام 1983.

 

مع أفول شمس الثورة، اهتزت أسطورة أدهم القديمة وتراجعت مكانتها، وطفت على سطح الحياة العامة قصة أقرب للواقع تبناها عدد من الكتّاب وعلى رأسهم الكاتب الراحل صلاح عيسى في مقدمة كتابه "رجال ريا وسكينة".

 

ورغم التناقضات والمبالغات التي تسكن القصّة، لا يستطيع أحد انتزاعها من الوجدان الشعبي بعدما ترسخت فيه طويلاً، لكن توجب علينا النظر إليها اليوم بحياد من دون زيادة أو مبالغة، بغية التعلم من التاريخ، وحماية العقول من تزييف الماضي.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم