إعلان

سد النهضة... معركة نهر النيل التاريخية بين الأحباش والمصريين

المصدر: النهار العربي
القاهرة-غادة قدري
أوز مصري يقف على ضفاف نهر النيل مترقباً
أوز مصري يقف على ضفاف نهر النيل مترقباً
A+ A-

النيل... نهر الأمل للخروج من الفقر المدقع، والبؤس الثقيل، والخلافات الزاحفة على الحوض، جميع القصص والأساطير تجعل من هذا النهر معبوداً وإلهاً لدى الأحباش، وكذلك قدماء المصريين على حد سواء، كلاهما له نفس اليقين بالهوية للنهر العظيم، وأنه رمز القوة والخلود والسخاء.

كل هذه المعتقدات المقدسة وُجدت عند الشعوب الأولى على ضفاف النهر، غير أن الأحباش دائماً كانت لديهم عقدة الاستعلاء والتفوق والرغبة في الاستحواذ والسيطرة، وذلك من منطلق لاهوتي ديني، لذا يتم تصوير "سد النهضة" من الناحية الرمزية على أنه بمثابة النصر.

 

عوامل تاريخية وثقافية وحتى لاهوتية عديدة باتت أثيوبيا تستخدمها لتبرير رغبتها في الاستحواذ على مياه النيل فما هو أصل هذه المعركة؟

 

احتلال الجيران

يقول الدكتور هاني رسلان مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية لـ"النهار العربي": "إن الإثيوبيين يعتقدون أن النيل الأزرق  ينبع من أراضيهم، وبالتالي هذه المياه التي تهبط على الهضبة الإثيوبية هي مياه تخص إثيوبيا، وتمثل ثروتهم ومنحة الرب التي يعتبرونها بمثابة الذهب الأبيض، في مقابل الذهب الأسود لدى الخليج، هم يريدون استخدام هذه الثروة بكل الطرق، سواء لتوليد الطاقة أو للسيطرة عليها، لحرمان الدول الأخرى، أو لتحقيق مكاسب سياسية أو إستراتيجية، أو بيع هذه المياه للدول الأخرى.

وأوضح الخبير المتخصص في الشؤون الأفريقية ودول حوض النيل أن "إثيوبيا تعاني أزمة مركبة".
 

ووصف رسلان أديس أبابا بـ"الكيان" وأنها "ليست دولة" وهذا "الكيان" بحسب رسلان "كان اسمه الحبشة وتغير لإثيوبيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، في عصر آخر الأباطرة الأثيوبيين هيلا سيلاسي" .

 

 والحبشة بحسب ما أوضح الخبير "كانت تضم إقليمين فقط، بينهما علاقة كونفدرالية، وهما إقليما الأمهرة، والتيغراي، ويمثلان الشعوب السامية في المنطقة، وكانت السلطة متداولة بينهما، وهذان الإقليمان يقعان أعلى الهضبة الإثيوبية، ويعتبران أعلى مكانة من بقية الشعب الإثيوبي الفقير في الأسفل الذين يعملون في الزراعة".

 

وروى رسلان أنه "في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بعد عام 1875 تولى الحكم في أثيوبيا الإمبراطور الأمهري منليك الثاني، والذي أخذ في التوسع وضم الأراضي والمقاطعات المجاورة لأثيوبيا، مثل العفر، والأورومو والإقليم الصومالي، والولايات الجنوبية، مستخدماً القوة العسكرية".

 

ولفت مستشار مركز الأهرام إلى أن "الإمبراطور منليك أبرم مع الاستعمار الإنكليزي معاهدات حصل بواسطتها على اعتراف بحدوده الجديدة، والتي تضم قوميات وشعوب وإثنيات وأعراق لا يوجد بينها روابط، فكل إقليم له خصائص وأصل عرقي ولغة وديانة مختلفة، تم ضمهم للإمبراطورية بالقوة الغاشمة، وتتم معاملتهم على أنهم من الدرجة الثانية، وإخضاعهم لاحتلال داخلي من الأحباش، ويُمارس عليهم السلطة والسيطرة والنفوذ وحرمانهم من التعليم والعلاج والخدمات... لذا نجد أن الأحباش (الأثيوبيين حالياً) يرغبون في الهيمنة والتحكم والتوسع منذ قديم الأزل".

 

تناقض إثيوبي

وأشار رسلان إلى أنه "رغم الاتفاقية المبرمة مع بريطانيا للاعتراف بحدود إثيوبيا الجديدة، والتي ترفض السلطة الإثيوبية الحالية التخلي عنها أمام منظمة الوحدة الأفريقية، فإن إثيوبيا تنكر اتفاقية عام 1929 الخاصة بمياه النيل في دول حوض النهر الجنوبي، بحجة أنها تمت في عهد الاستعمار، وذلك لأنها لو أعيد النظر في هذه الحدود ستنكمش إثيوبيا إلى وضعها الأصلي".

 

وتابع الخبير في الشؤون الأفريقية أن "إثيوبيا تتحدث عن المعاهدات الاستعمارية، وهي ذاتها دولة قائمة على استعمار داخلي، وترفض كذلك الاعتراف باتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان، والتي نصت على تقسيم المياه التي تخرج من الأراضي الإثيوبية بين الدولتين، رغم أنها لا تضر ولا تنقص من تلك المياه، لأن هذا هو التدفق الطبيعي للنهر، ومع ذلك، يلقي الإثيوبيون الاتهامات على هذه الاتفاقية بأنها استعمارية... أنهم يحلمون بالسد من أجل إعادة صياغة التوازنات الإستراتيجية على ضفاف النيل".

 

عبادة النهر

ومن جانبه أكد الدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة القاهرة أنه "طالما كان نهر النيل بالنسبة لكل الشعوب المطلة عليه بمثابة الإله الذي يهب الحياة، وجميع هذه الشعوب القديمة قدّست وعبدت النهر الذي يهبط لدى الأحباش على شكل مطر، ثم ينحدر لدى السودان ومصر في الفيضان كل عام، وهو يعني رضا الرب ونعمته".

 

وأوضح أستاذ التاريخ الى "النهار العربي" أن "قضية سد النهضة تم استغلالها بشكل سياسي من الطراز الأول لكي تصبح قضية قومية تجمع حولها ما يسمى إثيوبيا الآن".

 

ويتفق عفيفي مع الدكتور هاني رسلان في أن "مشكلة إثيوبيا هي تكوينها من مجتمعات وشعوب مختلفة بشكل كبير جداً، وهي الفكرة التي تستغلها إثيوبيا، بينما الحقيقة ليست أن سد النهضة مشروع تنموي، ولكنه مشروع لجمع الشتات ومنع حدوث ثورات أو تمرد أقاليم، مثل إريتريا التي كانت جزءاً من إثيوبيا، وهو ما نراه اليوم في إقليم تيغراي إذ يشهد حرباً أهلية".

 

صراع تاريخي

لفت عفيفي إلى أن "هناك ميراثاً تاريخياً بين الحبشة ومصر تحديداً منذ قديم الأزل، وأن فكرة منع وصول مياه النيل إلى مصر للضغط عليها سياسياً هي ليست فكرة حديثة، ولكنها موجودة على الأقل منذ العصور الوسطى، الإمبراطور منليك الثاني كان يحلم بتعطيش مصر، وتحويل مياه النيل الأزرق ليصب في البحر الأحمر بهدف الضغط عليها سياسياً".

 

تحالف فاسكو ديجاما

وأشار أستاذ التاريخ الحديث إلى "روايات عن الرحالة البرتغالي فاسكو ديجاما في بداية العصر الحديث عندما اكتشف رأس الرجاء الصالح، وكان يبحث عن مملكة القديس يوحنا، والمقصود بها الحبشة، وكان يطمح للتحالف مع الأحباش لقطع المياه عن مصر، التي كانت دولة سلاطين المماليك، حيث حكموا مصر وبلاد الشام وسيطروا على طرق التجارة الدولية، كان هذا ضغطاً يحلم به البرتغاليون في نهاية العصور الوسطى".

 

وتحدث عفيفي عن الصراع في عصر الخديوي إسماعيل "إذ نزل الجيش المصري للحرب في الحبشة لمنع مخطط قطع المياه وتحويلها للبحر الأحمر، وثبت بعد ذلك استحالة تنفيذ هذا المشروع من الناحية الحسابية والهندسية".

 

وتابع عفيفي: "مشروع السد ليس جديداً، بريطانيا كانت ترغب في الضغط على مصر حتى لا يطالب المصريون بخروج قواتها من أراضيهم، ولا من قاعدة قناة السويس، وأبرم الاستعمار اتفاقاً مع إثيوبيا لإنشاء سد لتوفير المياه والكهرباء وحتى لا تصل المياه لمصر... أن ما نعتقد أنه أفكار جديدة هي في الحقيقة أفكارا قديمة من التاريخ".

 

تدخلات خشنة 

ويرى الدكتور ضياء القوصي، مستشار وزير الري الأسبق أن "قضية سد النهضة وصلت لمرحلة حرجة جداً، أن إثيوبيا تنوي إنشاء سدود أخرى على النيل الأزرق، ومن الصعب التنبؤ بما سوف يحدث".

وأكد القوصي لـ "النهار العربي" أن "هذه العملية لن تنتهي بدون التحوّل إلى (التدخلات الخشنة) إذ لم يعد الحوار المرن يجدي نفعاً".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم