إعلان

انعكاسات سياسية إيجابية لموكب المومياوات الملكية على الداخل المصري

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
مشهد من الموكب - فايسبوك
مشهد من الموكب - فايسبوك
A+ A-

تلاشت حالة الجدل والقلق المسيطرة على قطاع كبير من المواطنين المصريين، بسبب مجموعة من التحديات التي تواجه مصر، خلال الأيام القليلة التالية لموكب المومياوات الملكية الفرعونية الذي شهدته القاهرة السبت الماضي، والذي تم تنفيذه بمستوى احترافي أبهر العالم، وحظي بثناء وسائل إعلام عربية وعالمية.

 

وفي مقدم الملفات المثيرة للجدل والقلق لدى المصريين، أزمة سد النهضة الإثيوبي التي تزايدت حدتها في الأشهر الأخيرة، مع تصاعد التعنت الإثيوبي، وإصرار أديس أبابا على استكمال مشروع السد، وتنفيذ الملء الثاني في موسم الفيضان المقبل، من دون التوصل الى اتفاق مع دولتي مصب نهر النيل، السودان ومصر.

 

ويؤكد محللون سياسيون ومواطنون تحدث إليهم "النهار العربي" قوة التأثير الذي خلفه موكب المومياوات، جنباً إلى جنب مع نجاحات وخطوات متقدمة في عدد من الملفات الداخلية والخارجية، ما أسهم في تعزيز ثقة المواطنين المصريين بقدرات حكومتهم، وأدى إلى اتفاق شعبي ربما يضاهي أو يفوق ما شهدته ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، إبان إطاحة حكم جماعة "الإخوان المسلمين" وحلفائها من سدة الحكم في مصر.

 

ورغم الظهور الإعلامي المحدود للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والذي لم يتجاوز دقائق معدودة، في احتفالية موكب المومياوات، إلا أن حضوره كان لافتاً للغاية على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال حديث المواطنين عن النجاح الذي حققته حكومته، وتوجيه عدد كبير منهم الشكر له وللمسؤولين والقائمين على تنظيم الموكب الذهبي.

 

سلسلة نجاحات

صحيح أن الموكب التاريخي الذي ضم 22 من مومياوات ملكات قدماء المصريين وملوكهم، كان له الأثر الأكثر وضوحاً في حالة الطمأنينة والثقة التي أبداها المصريون تجاه حكومتهم، وهي حالة يمكن استكشافها على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع المصري، إلا أن الموكب الذهبي يعد حلقة واحدة ضمن سلسلة نجاحات متعاقبة، حققتها القاهرة خلال الأسابيع القليلة الماضية.

 

من أبرز تلك النجاحات، حل أزمة السفينة العملاقة "أفرغيفن" التي جنحت في قناة السويس، وأغلقت مجراها الملاحي، واستطاعت فرق الإنقاذ والكوادر الوطنية التابعة لإدارة القناة، إعادة تعويم السفينة الجانحة التي يصل طولها الى نحو 400 متر وتبلغ حمولتها نحو 220 ألف طن، كما نجحت في تسيير حركة المرور في هذا المجرى الملاحي العالمي، وفك ازدحام أكثر من 300 سفينة في القناة، خلال وقت قياسي.

 

يضاف إلى هذا إحراز تقدم كبير في ملفات خارجية كانت بالغة التعقيد، وكادت تصل إلى حد صدامات مسلحة بين مصر وقوى أقليمية، ومنها الملف الليبي، ومحاولة تركيا فرض نفوذها في ليبيا، وكذلك ملف حقول الغاز في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. وأيضاً دفع أنقرة لتحجيم المنصات الإعلامية التابعة لها والمؤيدة لجماعة "الإخوان المسلمين" وخطابها المعادي لمصر.

 

تأثير جلي

يقول نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية  الدكتور عمرو هاشم ربيع، الى "النهار العربي" إن "من الواضح جداً الأثر الإيجابي في تعزيز ثقة المواطنين في الحكومة المصرية، الذي تركه نجاح موكب المومياوات الملكية، وكذلك تعويم السفينة الجانحة، وغير ذلك من النجاحات والخطوات التي حققتها الحكومة على أرض الواقع، وكذلك هناك أثر للتصريحات التي أدلى بها الرئيس السيسي أخيراً بشأن حقوق مصر المائية".

 

وكان الرئيس المصري قال على هامش زيارته قناة السويس بعد تعويم "أفرغيفن": "لا أحد يستطيع أن يأخذ قطرة ماء من مياه مصر، ومن يريد أن يجرب فليجرب، وستكون هناك حالة من عدم الاستقرار في المنطقة بكاملها (...)، وأنا لا أهدد أحداً... العمل العدائي أمر قبيح وله تأثيرات طويلة لا تنساها الشعوب".

 

ويضيف ربيع: "هناك فرق بين الأعمال التي كانت وعوداً، وتم تنفيذها بالفعل، وهذه لها تأثير قوي وواضح، والتصريحات التي ما زالت في إطار أو قد يتم تنفيذها إذا حدث تهديد للمصالح المصرية، لكن في العموم، فإن كل هذه الأعمال والتصريحات، لا شك كان لها أثر إيجابي في طمأنة المصريين".

 

ويشير ربيع إلى أن "هذه الأعمال والتصريحات جاءت في وقت شهدت فيه مصر حوادث، تركت مناخاً مغايراً ولد إحباطاً وشعوراً بالغصة لدى المواطنين، لذا فإن هذه النجاحات والتصريحات جاءت في وقتها تماماً".

 

وكانت مصر شهدت في الأيام التي سبقت تحرك موكب المومياوات الملكية سلسلة من الحوادث، من أبرزها تصادم قطارين في محافظة سوهاج، وهو ما أودى بحياة 19 شخصاً وإصابة 185 آخرين، وانهيار مبنى من 10 طبقات ومقتل 25 شخصاً وإصابة 24 آخرين، وجنوح السفينة العملاقة "أفرغيفن" في قناة السويس، وتكدس أكثر من 300 سفينة في الممر الملاحي العالمي.

 

لكن تعامل الحكومة مع تلك الأزمات، بصورة مغايرة لما أعتاد عليه المواطنون في الحكومات السابقة، ترك أثراً عكسياً، ونقل قطاع واسع من المواطنين، من حالة الشعور بالإحباط والغضب، إلى الشعور بالثقة بالدولة المصرية وقدراتها على التعامل مع أزمات بالغة الصعوبة.

 

أبعاد عدة

ويقول رئيس تحرير مجلة "صباح الخير" الكاتب الصحافي وليد طوغان الى "النهار العربي": "الموكب الذي شاهدناه، لم يكن مجرد احتفالية لنقل المومياوات الملكية، ولكنه كان محاولة لإظهار قدرة دولة تسعى لاستعادة مكانتها الإقليمية، من خلال الردع، ومكانتها الداخلية من خلال البناء والتنمية ووضع حقوق المواطن على رأس أولوياتها".

 

وتساءل طوغان: "هل الدولة اهتمت فقط بمحور واحد بعد العام 2014؟ لا، إنها اهتمت بمحاور عدة، من أهمها بناء البشر، ومن أولوليات هذا البناء، هو استعادة الهوية المصرية التي كانت جزءاً أساسياً من المعادلات التي وضعتها (دولة 30 حزيران/يونيو)، لأن تلك الهوية تعرضت لمحاولات طمس، تضمنت التشكيك في الإمكانات، ومحاولة هدم الاعتداد بالذات الوطنية".

 

كان المخطط، حسبما يقول طوغان "يبدأ بهدم شعور المواطن بانتمائه لهويته المصرية، ولوطن كبير لديه حضارة تتخطى 7 آلاف عام. (دولة 30 حزيران/يونيو) أدركت هذه المحاولات، وعلمت أنها لن تستطيع بناء بلدها إلا إذا أعادت بناء الهوية، وتنمية شعور المواطني لدى مواطنيها، في الوقت ذاته الذي تعمل فيه على استعادة مكانتها الإقليمية من خلال تسليح قوي، ودبلوماسية رشيدة، وكذلك بالتوازي مع عملها في محور التنمية وبناء المدن الجديدة وإعادة تطوير وتعديل البنية التحتية ورسم خرائط غير مسبوقة لمصر".

 

ويضيف طوغان: "اهتمت القاهرة بالتوازي مع هذا كله بالثقافة، من خلال بناء المتاحف، وتطوير البؤر التي تعبّر عن الهوية المصرية، مثل بعض المناطق والميادين المهمة ثقافياً، وقد أنفقت الدولة أكثر من 300 مليار جنيه على هذه المشروعات الثقافية التي تهدف إلى ربط الأجيال الجديدة بهويتها... إن المتاحف والمنشآت والميادين التي طورت، ليست مجرد مبانٍ وجدران، لكنها أشبه بخوريزمات تربط عقول الأجيال الجديدة بهويتها وانتمائها لوطنها".

 

ويرى رئيس تحرير "صباح الخير" أن "ما شاهدناه في موكب المومياوات كان عنواناً عريضاً لكل ما تم خلال السبع سنوات الماضية للعمل على محاور متوازية لاستعادة الهوية المصرية... لقد عمل هذا الحفل على تذكير المواطن المصري، الذي تعرض لسيولة إعلامية ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بقدر كبير فيها، بأنه ينتمي الى دولة لها أساس حضاري وتاريخي عريق... لم يكن هذا الحفل احتفاء بالماضي، ولكنه بوابة للدخول إلى المستقبل".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم