إعلان

خرافات وأساطير عن الأنبياء الذين زاروا مصر... حتى "غوغل" يصدّقها!

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
تمثال لرمسيس الثاني في معبد أبو سمبل
تمثال لرمسيس الثاني في معبد أبو سمبل
A+ A-

عندما تكتب جملة "فرعون موسى" في محرك البحث "غوغل"، سوف يظهر على الفور اسم "رمسيس الثاني" في صدارة النتائج، ثم يأتي بعد ذلك الكثير من الأسئلة عما إذا كان ذلك الملك المصري هو "فرعون" الذي ورد ذكره في القرآن، والذي ادعى الألوهية، وطارد النبي موسى وقومه، فأغرقه الله وآله في البحر.

 

إن "رمسيس الثاني" ليس الإجابة الصحيحة على الإطلاق، على رغم تصدر اسمه نتائج البحث على المحرك الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتقديم أفضل النتائج.

 

إنها معلومة خاطئة، انتشرت في مصر على نطاق واسع للغاية، وكان وراء انتشارها عظات دينية، ودروس بالمساجد، ومقاطع فيديو رديئة تُشاهَد ملايين المرات عبر الإنترنت، وتعزز انطباعات مضللة عن قدماء المصريين وحضارتهم.

صورة لنتائج البحث عن "فرعون موسى" على محرك البحث "غوغل"
 

تكرار هذه المعلومة بشكل مكثف، غذى العقل الاصطناعي لـ"غوغل" بمعلومات مغلوطة. إنها ليست المعلومة الوحيدة المفبركة التي ترتبط بسير الأنبياء الذين زاروا مصر أو عاشوا فيها، وفق ما ذكر بالقرآن، فهناك "بئر يوسف"، و"المكان الذي سجن فيه الصديق"، ومومياء "يويا" التي تم الترويج لها على أنها للنبي ذاته، وغير ذلك.

 

العلم والخرافة

ينظر كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصرية الدكتور مجدي شاكر إلى الدين، وعلم المصريات، والخرافات المتداولة، في مسارات منفصلة، ولا يرى أنها يجب أن تلتقي بالضرورة، ما لم يتم الكشف عن وثائق أو حفريات أو دلائل علمية تعزز هذا الالتقاء.

 

ويقول الخبير الأثري لـ"النهار العربي": "في حدود الآثار المصرية، التي تم العثور عليها حتى الآن، لم نجد دليلاً يرتبط بالرسل والأنبياء الذين زاروا مصر أو عاشوا فيها، ولا تحتوي تلك الاكتشافات على تأكيد لأي رواية جاء ذكرها بالكتب السماوية"، كما يدعي البعض.

 
كبير الأثريين في وزارة الآثار المصرية الدكتور مجدي شاكر 
 

ويضيف: "حتى نصل إلى رؤية واضحة، يمكننا أن نستنبط الأحداث ونستقرئها من خلال عقد المقارنات وإعمال المنطق. لكن يجب أن نؤكد أن هذه مجرد فرضيات، تحتمل الصواب أو الخطأ، ولا يجب أن نتعامل معها كحقيقة مؤكدة".

ويؤكد كبير الأثريين أن "قدماء المصريين دونوا كل شيء يرتبط بحياتهم على البرديات، وجدران المعابد، والصخور، خصوصاً الأحداث الكبرى والفارقة".

 

"شامبليون الكافر"

يؤكد العديد من الأثريين أن علم المصريات بعد اكتشاف حجر رشيد، لم يعد كما كان من قبل، فقد حقق نقلة كبرى بفك رموز اللغة الهيروغليفية، على يد العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، الذي أصدر في عام 1822 كتاباً بهذا الشأن.

 
حجر رشيد
 

تحول علم المصريات من حكايات مرسلة، وتعاويذ سحرية، إلى منهج علمي يعتمد على البحث والتنقيب والاكتشاف وقراءة الوثائق والحفريات التي يتم العثور عليها. لقد هجر هذا العلم السحر، والظنون، والأحلام، والحكايات المرسلة التي كانت تشكل وعي الناس، واعتمد المنهج العلمي الحقيقي للبحث واستكشاف تاريخ قدماء المصريين.

 

لقد توقف الأوروبيون عن طحن المومياوات للتداوي بها، وباتوا يفحصونها لمعرفة المزيد عن تلك الحضارة الفريدة، وأصبح علماء المصريات يقرأون البرديات وحوائط المعابد لجمع المعلومات، بدلاً من الاعتماد على الروايات المرسلة والأساطير المتداولة.

 

لكن هذا العلم الذي يواصل استكشافاته وتطوره منذ نحو 200 عام، غير معترف به لدى غالبية الدعاة الإسلاميين، خصوصاً دعاة التيار السلفي الذين يروجون للخرافات التي لا دليل علمياً على صحتها، أو يعيدون سرد قصص مدسوسة يطلق عليها "الإسرائيليات"، فقط لأنها وردت في كتب تراثية إسلامية بعضها لا تتوافر مخطوطاته الأصلية.

 
 

ومن بين هؤلاء الشيخ مصطفى العدوي، الذي هاجم شامبليون ووصفه بـ"الكافر" و"الفاسق"، لأنه "لم يذكر نبياً من الذين قطنوا مصر، فلم يذكر موسى عليه السلام، وإبراهيم الذي وفى، ولا يوسف الصديق" على حد قول الداعية السلفي.

 

العدوي لم يستطع تأكيد أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى، لأن الكثير من الأثريين نفوا ذلك، لكنه لم ينفِ المعلومة المزيفة أيضاً، لأن العقل الجمعي بات مقتنعاً أنه هو نفسه فرعون موسى، بل إن العقل الذكي لـ"غوغل" نفسه بات مقتنعاً بهذا.

 

رمسيس الثاني

لدى كبير الأثريين قائمة طويلة من الأدلة التي تنفي أن يكون الملك رمسيس الثاني هو فرعون موسى، ومنها أن حاكم مصر الذي ذكر في القرآن، لم يكن لديه أولاد حسبما يفهم من سياق الآيات، في حين أن رمسيس الثاني كان لديه العديد من الزوجات من أشهرهم الملكة نفرتاري، ولديه أكثر من 100 ابن، تزين صورهم المعابد ويتفاخر بهم.

 

كما أن رمسيس الثاني توفى عن عمر تخطى 90 عاماً، وأثبت التشريح أنه كان يعاني العديد من الأمراض ومنها أمراض مرتبطة بالشيخوخة، وليس من المنطقي أن يقوم بمطاردة النبي موسى في هذا السن المتقدم، والحالة الصحية المتردية.

 

ويقول شاكر: "إن الله تعالى يقول ﴿ودَمّرنا ما كانَ يَصنَعُ فرعونُ وقومُهُ ومَا كانوا يَعرِشون﴾ (الأعراف، الآية 137)، ونجد بأن آثار رمسيس الثاني، وابنه الملك مرنبتاح (الذي يقول البعض إنه فرعون الخروج)، قائمة خالدة إلى وقتنا، وتملأ بقاع مصر والدنيا ومتاحفها في الداخل والخارج، ولم يتم تدميرها كما أشار القرآن بشأن ما يصنعه فرعون موسى".

 

وعن الملح الذي وجد في مومياء الملك المصري، ويعتبره البعض أنه دليل على غرقه في البحر، يقول الخبير الأثري: "إن الملح من أهم مواد التحنيط، فهو يمتص الرطوبة الموجودة بالجسد، وهو ملح من وادي النطرون، وليس ملح بحر".

 

النبي يوسف

وعن الوزير يوتا الذي يؤكد البعض إنه النبي يوسف، يقول كبير الأثريين: "إنه كاهن الإله مين وزوجته تويا عملت رئيسة لحريم المعبودين، وقد أنجب يويا وتويا ولدين، أحدهما أصبح ملكاً، وهو آي، والثاني كاهن وهو عانن، والثالثة بنت وهي الملكة تي التي حضرت كثيراً في القصر الملكي وتزوجها الملك أمنحوتب الثالث، وأم اخناتون. إذاً يويا وتويا هما جد وجدة اخناتون".

 
ماسك مومياء الوزير يويا 
 

هناك أيضاً اعتقاد سائد بأن البئر الموجودة في قلعة صلاح الدين وتسمى "بئر يوسف"، هي البئر التي ألقى أخوة النبي يوسف أخاهم النبي بها، قبل أن يلتقطه بعض السيارة ويبيعونه ليصل إلى قصر عزيز مصر.

هذه البئر أنشأها بهاء الدين قراقوش الذي توفي سنة 1201 ميلادية، بأمر من صلاح الدين الأيوبي، واسمه يوسف بن أيوب، لذا نسبت البئر إليه، وسميت "بئر يوسف".

 

وقد ذكر الكاتب الصحافي علي القماش العديد من الأدلة التي تؤكد أنه لا علاقة لهذه البئر التي تقع في قلب القاهرة، ببئر النبي يوسف التي القي فيها قبل أن يأتي إلى مصر، وذلك في كتابه "اليهود فى مصر من الخروج الأول للخروج الأخير".

 

كما خصص الإعلامي محمود سعد حلقة عن البئر في برنامجه "باب الخلق" على قناة "النهار" الفضائية المصرية، روى فيها قصة البئر ونفى علاقتها بسيدنا يوسف، لكنه أكد أن الناس كانت تعتقد أنها بئر النبي يوسف، وسوف تستمر في اعتقادها بعد الحلقة بأنها البئر التي ألقي فيها النبي.

 

هذه أمثلة على بعض الخرافات التي لا تزال مؤثرة في الوعي العام في مصر، ولا يزال بعض صناع المحتوى والدعاة الإسلاميين، يلجأون إلى روايات ما قبل اكتشاف حجر رشيد، ويعيدون إنتاجها ونشرها، بدلاً من الاستماع إلى المتخصصين في التاريخ والآثار وعلم المصريات.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم