إعلان

التأزم بلغ ذروته في السودان... هل تنجح الوساطة الأممية في بلورة حل يمنع الانفجار؟

المصدر: النهار العربي
الخرطوم - وائل محمد الحسن
A+ A-
لا تزال الأوضاع السياسية متوترة في السودان ولا وجود لأفق حل في ظل الإنسداد القائم، بعد التغييرات التي قام بها قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان والتي أدت إلى حل مجلسي السيادة الانتقالي والوزراء وتعليق العمل ببنود في الوثيقة الدستورية واعتقال عدد من الوزراء وقادة الأحزاب، حيث تصاعدت المواجهات بوتيرة متسارعة بخروج ملايين المحتجين أول من أمس مطالبين بالعودة إلى الوثيقة الدستورية ومدنية الدولة، وذلك برغم تصريحات البرهان التي شدد فيها على أن ما حدث لا يعدّ انقلاباً على الوثيقة ولكنه عملية تصحيحية لمعالجة الخلل الذي صاحب الفترة الانتقالية.
 
الكاتب الصحافي والمحلل السياسي، محمد عبدالقادر، أمل في حديثه الى "النهار العربي" بألا يستخدم كل طرف من أطراف النزاع كامل أسلحته في هذه الأزمة. المكون المدني يلوّح بسلاح الشارع والاحتجاجات والعصيان المدني، بينما يلوّح المكوّن العسكري بسلاح القوة العسكرية وهناك طرف آخر وهو الكتلة الصامتة الأكبر التي ليس لها مصلحة في الصراع السياسي الذي يدور الآن وترى أنه يجب إزالة متاريس الإشكالات السياسية وتوفير لقمة العيش وهي تنظر إلى من يعمل لمصلحة البلاد. وخلاف المدنيين هو المهدد الأساسي، لكن لا بد للأطراف الموقعة على السلام من أن تجد نقطة التقاء مع الأطراف الأخرى في قوى الحرية والتغيير. ومعالجة الأزمة بين المدنيين ستقود إلى معالجتها مع العسكريين.
 
مفتاح الحل
رغم وجود رئيس الوزراء المقال عبدالله حمدوك قيد الإقامة الجبرية، إلا أنه لا يزال الأكثر قدرة على فك أحجية الأزمة السياسية وانسداد الأفق في السودان. فالقادة العسكريون وعلى رأسهم الفريق البرهان حاولوا أكثر من مرة للوصول إلى تفاهم مع حمدوك من أجل تولّي الحكومة من جديد إلا أنه وضع شروطاً على رأسها العودة إلى الوثيقة الدستورية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وأن يشكّل حكومة كفاءات بالتشاور مع قوى الحرية والتغيير. انطلاقاً من ذلك، اعتبر الكاتب الصحافي والمحلل السياسي محمد الماحي في حديث الى "النهار العربي" أن الدكتور حمدوك يحظى بتأييد شعبي كبير في كل الأوساط السياسية والشعبية في السودان حتي الذين يختلفون معه ينتزع احترامهم. البعض يأخذ عليه البطء في اتخاذ القرارات والسبب أنه كان يقع في كماشة صراعات ما بين المكوّن العسكري والمكوّن المدني من جهة وما بين ألمكون المدني والمدني من جهة أخرى. ورغم ذلك نجح في معالجة عدد كبير من الملفات الخارجية والملف الاقتصادي أيضاً رغم الجراحة العميقة التي أجريت، لكنه لم يجد دعماً من المجتمع الدولي. ورأى الماحي أن وجود حمدوك مهم جداً في هذه المرحلة الحرجة وكل التأخير الحاصل الآن من قبل قادة الجيش في تشكيل حكومة يرتبط بالأمل في إقناعه بالعدول عن شروطه وتكوين حكومة كفاءات بكامل الصلاحيات. وتابع الماحي، أن هناك جسماً مهماً جداً تم تجاوزه في خضم الصراع السياسي وهو تجمع المهنيين والذي قاد الثورة في مراحلها الأولى وله اليد الطولى ولا يزال في قيادة الشارع الثوري في السودان وهو صانع الثورة، لذلك لا يمكن تجاوز هذا الجسم ولا بد من أن يكون موجوداً في الحوار الذي يفترض أن ينطلق لإخراج البلاد من المأزق.
 
اما المحلل السياسي الطاهر المعتصم، فذهب أيضاً إلى أن أحد مفاتيح الحل هو الدكتور عبدالله حمدوك، فهذا الرجل له القدرة على إخراج البلاد من أزمتها في حال تم التوصل إلى حل وسط للوساطة الأممية والجنوب سودانية. وشدد المعتصم على أن قيام المجلس التشريعي سيكون ضامناً للحل وأيضاً المؤسسات العدلية تمنع البلاد من الإنزلاق إلى الهاوية كخطوات أولى للوصول إلى الديمقراطية. فيما يرى الماحي أن المجلس التشريعي لم يتشكل بسبب التجاذبات وأنه في هذه الفترة المتبقية قد لا يعتبر وجوده إضافة على الواقع السياسي ويتسبب في مشكلة أكبر لأن المجلس لن يكون منتخباً وسيكون بمهمات محدودة. ودعا إلى تشكيل مجلس يمثل الأجهزة العدلية والتنفيذية يقوم بمهمات المجلس التشريعي.
 
إطلاق سراح ثم اعتقال...
فوجئ الشارع السوداني خلال اليومين الماضيين بأخبار إطلاق سراح عدد من قادة النظام السابق وعلى رأسهم وزير الخارجية الأسبق ورئيس المؤتمر الوطني المنحل إبراهيم غندور، وعبدالباسط حمزة ومحمود العالم إضافة إلى عدد من قيادات أمن عمر البشير منهم اللواء محمد تبيدي والناطق باسم جهاز أمن البشير العقيد شاذلي المادح. وقبل أن تشرق شمس صباح أول من أمس أمر الفريق البرهان بإعادة اعتقالهم من جديد إضافة إلى إقالة النائب العام وسبعة من وكلاء النيابة.
 
وقال الكاتب الصحافي والمحلل السياسي محمد عبدالقادر لـ"النهار العربي" إن العدل أساس الحكم، فهناك أكثر من 60 محتجزاً تحت حراسة لجنة ازالة التمكين موجودين منذ فترة لا تقل عن 3 أشهر ولم يتم تقديمهم للمحاكمة ولم يفرج عنهم، وهذا يعتبر وضعاً غير قانوني مع العلم انه في الثامن من أيلول (سبتمبر) الماضي تمت المصادقة على إطلاق سراح عدد من المحتجزين لكن لم يُفرج عنهم. أما بخصوص القرارات الأخيرة بإطلاق سراح عدد من منتسبي المؤتمر الوطني المنحل ومن ثم إعادة اعتقالهم، فالتوقيت لم يكن مناسباً. اختلفنا أو اتفقنا حول الأسباب التي قادت الجهات المعنية لاتخاذ هذا القرار باعتبار أن هناك الآن اتهامات مصوبة لقادة التغيير الجديد بأنه تغيير وراءه فلول النظام السابق وقيادات حزب البشير، ولذلك مثل هذا الإجراء وإن توافق مع الإجراءات العدلية أو تصحيح أوضاع خاطئة فهو توقيت غير مناسب. وكان من المتوقع أن يتم ما جرى من إعادة اعتقال المفرج عنهم لأن الشارع بدأ يتحرك كردة فعل على أن البرهان يحاول إطلاق سراح قادة النظام السابق، وهناك جهات قد تستغل ذلك لتأجيج الأوضاع المتأزمة أصلاً وتأليب الشارع ضد البرهان وبالتالي فهي خطوة من دون أي حسابات سياسية.
وأضاف عبدالقادر أنه كان متوقعاً بعد أن جمّد البرهان عمل لجنة إزالة التمكين أن يتم الإفراج عن جميع المحتجزين لديها بخلاف من لديه بلاغات أو بيّنة تدينه وتقدمه للمحاكمة وهذا الأمر ينطبق كذلك على المعتقلين السياسيين الذي اعتقلو خلال الإجراءات الأخيرة ويجب أن يتم إطلاق سراحهم ما لم تكن هناك بيّنات على إدانتهم.
 
وساطة أممية
تأزم الوضع في السودان حمل الأمم المتحدة على إرسال موفدها الخاص في السودان فولكر بيرتس إلى الخرطوم والذي تباحث مع رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك في خيارات الوساطة وسبل المضي قدماً في تسوية للأوضاع. كما وجدت الوساطة ترحيباً من قادة الجيش.
هناك سيناريوات عدة متداولة الآن للوساطة على رأسها، إلغاء المجلس السيادي وإنشاء مجلس مكون من ثلاثة ويكون شرفياً وتشكيل مجلس وزراء مستقل من تكنوقراط والعودة إلى الوثيقة الدستورية.
 
وفي تعليقه على المبادرات الدولية للمصالحة شدد عبدالقادر على أن مرور الوقت من دون الوصول إلى اختراقات ملموسة يضيع على السودان فرصة الوصول إلى الحل لأنه في غياب الحلول تزداد الأمور سوءاً، فهناك احتجاجات وإعلان لعصيان مدني، وعدم وضع حد للخلاف سيؤدي إلى كارثة. الآن كل الأطراف السياسية انقسمت وغياب الجهود السودانية غريب جداً إذ يجب أن تنشط القيادات الوطنية للوساطة لأن التجارب السودانية تؤكد أن هناك اختطافاً لقضايا السودان من بعض المحاور الأجنبية وتجاربنا مريرة في ترك قضايانا للايادي الخارجية.
 
وأضاف عبدالقادر، أن هناك جهوداً كبيرة جداً تبذلها الأمم المتحدة واستشعارها لمخاطر انهيار هذه الشراكة هو ما دفعها للتدخل بهذه الفاعلية وهي الأفضل للوصول إلى تسوية لأن هناك توازناً أممياً في التعامل مع الطرفين بعكس الولايات المتحدة التي يبدو أن لديها رأياً سلبياً من العسكريين، فهي تتواصل مع وزراء الحكومة المنحلة وتوجه تهديدات لقادة الجيش، وبالقدر نفسه بريطانيا. ولكن الأمم المتحدة مدركة أن هناك أشكالاً فهي تتحرك وفق قرارات سابقة بدعم الفترة الانتقالية والتحول الديموقراطي ومن هذا الباب تجد قبولاً من الأطراف ولا يوجد تحامل على طرف من دون آخر وهي الأقرب لإحداث اختراق في الأوضاع القائمة الآن.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم