إعلان

هل وقع الأزهر في فخّ الترجمة المغلوطة لمواقف ماكرون؟

المصدر: النهار العربي
القاهرة - ياسر خليل
شيخ الأزهر أحمد الطيب
شيخ الأزهر أحمد الطيب
A+ A-
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الحرب التي أعلن أن بلاده تخوضها "ليست ضد الإسلام"، ولكنها ضد من "يحرفون" الدين، ويستغلون تفسيرات مغلوطة لارتكاب أعمال عنف "كان 80% من ضحاياها مسلمين". وقال ماكرون في لقاء تلفزيوني مع قناة "الجزيرة" بث مساء السبت: "أعتقد أن ردود الفعل كان مرجعها أكاذيب وتحريف كلامي، ولأن الناس فهموا أنني مؤيد لهذه الرسوم".
 
وبينما كانت الرسوم المسيئة التي نشرتها مجلة "شارلي إبدو" الفرنسية، قبل نحو شهرين، هي الشرارة التي أشعلت الأزمة، وأغضبت قطاعات واسعة من المسلمين، إلا أن بعض العبارات التي نُسبت إلى ماكرون، حوّلت الغضب تجاهه، ودفعت البعض للمطالبة بمقاطعة المنتجات الفرنسية. ومن بين أبرز العبارات التي رُوّجت على نطاق واسع، جملة "الإرهاب الإسلامي"، وأن "فرنسا تخوض حرباً ضد الإسلام". تلك العبارات التي تؤكد شواهد عدة تحريفها، عن طريق خطأ في الترجمة في بعض الأحيان، وعمداً من جانب تيارات الإسلام السياسي، في أحيان أخرى، لقيت آذاناً صاغية في مؤسسة تحظى بصدقية كبيرة لدى قطاعات من المسلمين، وهي الأزهر، وهو ما يطرح علامات استفهام حول السبب لتبني المؤسسة الإسلامية التي ينظر إليها على أنها "قلعة الوسطية"، لتلك الترجمات المغلوطة.
 
تحريف في الترجمة
 
 
وكانت الصحافية الفرنسية من أصول مصرية كاترين جابر قالت لـ"النهار العربي" في تقرير نشره الموقع قبل يومين: "ماكرون لم يقل شيئاً مسيئاً للإسلام"، و"لم يقل أبدا إنه في حرب مع الإسلام"، وبعض العبارات التي أثارت غضب قطاع من المسلمين، مثل جملة "الإرهاب الإسلامي" ترجمت على نحو خاطئ. وأوضحت أن هناك فرقاً لا يدركه البعض بين كلمتين، وهما: islamique نسبة إلى الدين الإسلامي، وIslamistes والتي تعني "إسلاموي"، نسبة الى فكر تيار الإسلام السياسي. وبالبحث في ما نشرته وسائل إعلام فرنسية على مدار الشهرين الماضيين، من تصريحات للرئيس الفرنسي، فإن ماكرون كان يستخدم كلمة Islamistes لوصف الإرهاب أو الإرهابيين، وكذلك حين يتحدث عن الحرب التي تخوضها بلاده، ولم يستخدم كلمة islamique في تلك المواضع. واللافت للانتباه أن "ترجمة غوغل" الواسعة الانتشار، والتي يستخدمها بعض الإعلاميين العرب، تترجم "terrorisme islamique" بالمعنى نفسه " terrorisme Islamistes" وهو ما قد يفسر خلط بعض وسائل الإعلام بين الجملتين. وتقول جابر: "ليست هناك أي مشكلة مع المسلمين الفرنسيين الذين يتحدثون اللغة الفرنسية بطلاقة، بخاصة من أبناء الجيل الثاني، لأنهم يعرفون الفرق بين الكلمتين، وكذلك يدركون القيم الفرنسية".
وتشير إلى أن "الكثير من هؤلاء المسلمين، هم رموز وشخصيات مهمة في المجتمع الفرنسي. المشكلة تتجلى بوضوح في أوساط المهاجرين الذين قدموا أخيراً إلى البلاد، والذين لا يتحدثون الفرنسية جيداً، وهو ما يضع على الحكومة الفرنسية واجب مساعدتهم في التعلم والحصول على وظائف، وتحسين ظروفهم المعيشية".
 
الأزهر في قلب المعركة
 
 
 
هذا التحريف قد يكون مفهوماً إذا كان مرده خطأ في الترجمة بين كلمتي "إسلامي" و"إسلاموي"، أو تعمد لتغيير المعنى من جانب تيارات الإسلام السياسي، وأذرعها الإعلامية، بهدف إثارة مشاعر المسلمين الذين لن يعيروا الأمر اهتماماً إذا كانت الحرب موجهة ضد تلك الجماعات المتطرفة، لكنهم سيغضبون بشدة حين يعتقدون أن الحرب ضد الدين الإسلامي. كما كانت مفهومة أيضاً أسباب غضب الأزهر، وملايين المسلمين، وصدمتهم من الرسوم المسيئة لنبي الإسلام، ومطالبة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، بسن قوانين تجرّم إهانة الرموز الدينية. إلا أن ما يطرح علامات استفهام  هو تكرار الشيخ الطيب بعض تلك العبارات (بصيغتها المحرفة)، ورفضها عبر تصريحات وبيانات رسمية، تضفي عليها شرعية وصدقية. وما يعزز طرح تلك التساؤلات هو أن الإمام الأكبر يعلم تماماً أن دخول مؤسسته على الخط في تلك المعركة، سوف يغيّر المعادلة كثيراً، فالأزهر يحظى بصدقية كبيرة لدى قطاعات من المسلمين في مصر والكثير من البلدان ذات الغالبية المسلمة، على عكس تيارات الإسلام السياسي التي بات غالبية المسلمين يتشككون في ما يصدر عنها، بعد افتضاح أمرها، خلال السنوات العشر الأخيرة.
 
فخ العلاقات الدولية
 
يفسّر مدير السياسات في "مركز الإنذار المبكر للدراسات السياسية والأمنية" أحمد الباز موقف الأزهر من تصريحات ماكرون بأنه: "موقف استباقي، غير مؤسس على تحليل التصريحات الفرنسية، بقدر ما هو موقف مجهز مسبقاً لظن المؤسسة أن هناك حرباً على الإسلام". ويقول الباز لـ"النهار العربي": "هذا الموقف هو ما وفر فخاً وقع به الأزهر، خصوصاً أن المؤسسة الدينية تنظر إلى نفسها على أنها الجهة العالمية المناط بها الدفاع عن مشاعر المسلمين، بغض النظر عن تحليل الوقائع، والوصول إلى سياقها الصحيح". ويضيف: "هذا مع الأخذ في الاعتبار أن هناك زاوية أخرى، وهي تداخل السياسي مع الديني في الأزمة الأخيرة. الديني هنا هو الرسوم المسيئة. والسياسي هو استغلال دول كقطر وتركيا لهذا السياق الديني، واستخدامه درعاً سياسية لإدارة أزمة طرأت أخيراً ممثلة في المقاطعة السعودية للبضائع التركية".
 
ويشير الباز إلى أن من بين الأهداف أيضاً "تثبيت النفوذ القطري في المنطقة، كمتحدث مدافع عن المسلمين المستضعفين، وراع لحقوق الشعوب العربية والمسلمة. وأتصوّر أن هذا التداخل السياسي الذي يندرج تحت نمط تفاعلات العلاقات الدولية، كما تؤسس لها قطر وتركيا، صعب على استيعاب الأزهر كمؤسسة دينية، لا تجيد، وليس من مهامها التفاعل مع العلاقات السياسية الدولية، وأدواتها المباشرة وغير المباشرة".
 
تركيا و"الإخوان"
 
ويرى الباحث في الفكر والتراث الإسلامي محمد أبو العيون أن حملة (إلا رسول الله) يؤججها طرفان رئيسيان، هما الحكومة التركية وجماعة "الإخوان المسلمين"، والغالبية انساقت وراء هذه الحملة". ويلفت إلى أن "سر الحرب التي يشنها أردوغان وتيارات الإسلام السياسي ضد ماكرون، هو أن الرئيس الفرنسي يستهدف القضاء على السلفية الجهادية التي باتت منتشرة في أوروبا، وأكثر دولتين تعانيان من هذا التيار الجهادي، هما فرنسا وألمانيا، وأتذكر أنني عملت على بحث عام 2017، وتبين أن عدد عناصر السلفية الجهادية في ألمانيا - على سبيل المثال - يبلغ قرابة 10 آلاف عنصر، وهو عدد ضخم، وهم يسيطرون على المساجد، والمراكز الإسلامية، والمدارس المنزلية". "ماكرون يستهدف تجفيف منابع هؤلاء" يقول أبو العيون لـ"النهار العربي"، ويضيف: "بعدما كان أئمة المساجد يأتون من تركيا والجزائر وغيرهما، قرر أن يتم اختيارهم من الفرنسيين. أيضاً، فإن الرئيس الفرنسي يستهدف إعادة قرابة 50 ألف طالب مسلم تسربوا من التعليم الرسمي إلى المدارس المنزلية، وهو النظام نفسه الذي كان يستخدمه حسن البنا، مؤسس "الإخوان المسلمين"، وتلك المدارس تلعب دوراً خطيراً في تخريج المتشددين".
 
أما عن دخول الأزهر على خط هذا الصراع فليس لدى أبو العيون تفسير واضح، ويقول: "البعض يعتقد أن الدكتور أحمد الطيب تعلّم في جامعة السوربون، أو أنه يجيد اللغة الفرنسية، وهذا غير صحيح، لكن هذا لا يمنع أن لدى المؤسسة الدينية مرصد الأزهر وفيه أساتذة متخصصون باللغة الفرنسية، يتحدثونها كأهلها، كما أن هناك قسما للغات في جامعة الأزهر، أنا ليس لدي تفسير لتبني هذه الترجمة الخاطئة، ولكن لدي علامات استفهام فحسب".
 
مواقف مغايرة
 
ويأتي هذا الموقف الذي يتخذه الأزهر حالياً من الجمهورية الفرنسية، مغايراً تماماً لتصريحات صدرت عن مرصده قبل أشهر قليلة، تؤكد أن فرنسا التي تضم ما بين 5و6 ملايين مسلم، "ليست ضد الإسلام" كما يبدو من المشهد الذي يتم تصديره حالياً. فقد أصدر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف بيانات عدة تشيد بمواقف للسلطات الفرنسية تجاه ممارسة المسلمين معتقداتهم، ومنها بيان يثمّن منح السلطات تراخيص مجازر للذبح وفقاً للشريعة الإسلامية، وجاء به: "أن حرص السلطات على إقامة المسلمين لنسك من مناسك الإسلام يساعد على تعميق الشعور بالمواطنة، ويسهم في تحقيق الاندماج داخل المجتمع". 
 
 
وأشار المرصد إلى غضب السلطات الفرنسية من رسوم مسيئة وعبارات خادشة للحياء كتبت على مسجد في مدينة "أجان"، ونقل في تدوينة على صفحته على موقع "فيسبوك" وصف وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين الفعل بأنه "عمل غير مقبول"، وقوله: "أدين بشدة الأعمال العدائية التي استهدفت مسجد مدينة أجان... مثل هذه الأفعال البغيضة تتعارض مع قيم الجمهورية". 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم