إعلان

خبراء يقترحون عبر "النهار العربي" أفكاراً لتجاوز الأزمة الاقتصادية في مصر

المصدر: النهار العربي
القاهرة - عبدالحليم حفينة
اجتماع لمجلس الوزراء المصري
اجتماع لمجلس الوزراء المصري
A+ A-

في وقت يعمل واضعو السياسات الاقتصادية في مصر على تجاوز الأزمة الراهنة، يأتي شهر رمضان وما يرافقه من سلوكيات استهلاكية متزايدة من المصريين، وهي الحالة التي تسلط الضوء - أكثر من أي وقت مضى - على الوضع الاقتصادي المأزوم.

 

وفي 21 آذار (مارس) الماضي، اتخذت الحكومة المصرية قرارات وصفها اقتصاديون بأنها ضرورية لمعالجة الوضع الاقتصادي، حيث خُفضت قيمة العملة المحلية بنحو 13 في المئة، ليراوح سعر الدولار أمام الجنيه بين 18.45 في الحد الأقصى و18.17 في الحد الأدنى، بحسب بيانات البنك المركزي المصري حتى 30 آذار (مارس).

  

وفي السياق ذاته، أعلن البنك المركزي زيادة سعر العائد على الإقراض والودائع بنسبة 1 في المئة، موضحاً في بيانه أنّ الصراع الروسي - الأوكراني أدى إلى "ضغوط تضخمية محلية وزيادة الضغط على الميزان الخارجي"، وبموازاة ذلك أعلنت بنوك مملوكة للدولة عرض شهادات إيداع بعائد سنوي 18 في المئة.

 

التضخم وانخفاض العملة

في وصف مبسط لعلاقة التضخم بارتفاع سعر الصرف، تشير دراسة اقتصادية إلى أن التغيرات المفاجئة التي تحدث لقيمة العملة، تنتج عن تدهور قيمة النقود الناتجة من التضخم، وسجل البنك المركزي المصري ارتفاعاً في معدل التضخم العام في شهر شباط (فبراير) الماضي، حيث وصل إلى 8.8 في المئة.

 

وثمة تعريفات عديدة للتضخم، أشهرها ربط التضخم بالارتفاعات المستمرة في المستوى العام للأسعار خلال فترة زمنية معينة، كما يصفه بعض الاقتصاديين بأنه "عبارة عن الانخفاض المستمر والمتواصل في القيمة الحقيقية لوحدة النقد".

 

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي ومدرس الاقتصاد بأكاديمية الثقافة والعلوم الدكتور فرج عبدالله أنّ التضخم الحالي هو "تضخم مستورد"، يرجع نحو 80 في المئة من أسبابه إلى ثلاثة مؤثرات عالمية هي: الآثار المتبقية من جائحة كورونا، والحرب الدائرة في أوكرانيا، إلى جانب الفقاعات التضخمية التي تحدث في الولايات المتحدة، وهناك نسبة بسيطة ترجع إلى ما يعرف بـ"هلع الأسواق" في الداخل المصري.

 

 وفي حال استقر الوضع الدولي يُرجح عبدالله في حديث الى "النهار العربي" أنّ معدل التضخم سوف يستقر ثم يعاود الانخفاض خلال الشهور القليلة المقبلة، وأن يراوح سعر صرف الدولار مقابل الجنيه بين 17.40 إلى 17.50، أمَّا إذا تصاعدت وتيرة الصراع بين روسيا من جهة وأوكرانيا ومن ورائها أوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى، فيتوقع الخبير الاقتصادي أن يدخل العالم في أزمة نقدية كبيرة سيتأثر بها الجميع.

 

الأموال الساخنة

ثمة قضية جوهرية أخرى تأثر بها الاقتصاد المصري في الآونة الأخيرة، وتسببت في خفض قيمة الجنيه، وهي خروج "الأموال الساخنة"، حيث أفادت وكالة "بلومبرغ" الأميركية أن قرارات البنك المركزي المصري الأخيرة برفع سعر الفائدة وتخفيض سعر الجنيه جاءت على خلفية سحب أموال وصلت إلى 15 مليار دولار من سوق الدين المحلي منذ مطلع آذار (مارس).

 

وتعرف "الأموال الساخنة" بأنها المبالغ التي يسيطر عليها مستثمرون أجانب يبحثون عن عوائد قصيرة الأجل، وغالباً ما تنتقل بين بلدان مختلفة للاستفادة من معدلات الفائدة المتغيرة، ويتوقع الخبير الاقتصادي أن القرارات الأخيرة ستوقف خروج الأموال الساخنة، وتعزز عودتها.

 

كما يؤكد عبدالله أن السوق المصرية من أفضل الأسواق بالمنطقة من جهة سعر الفائدة والاستدامة والبنية التحتية، وهذا ما يفسر النشاط الموجود حالياً بمحفظة الأوراق المالية، بدخول 8 مليارات دولار السوق المصرية خلال الأيام القليلة الماضية.

 

توصيات عاجلة

ينصح مدرس الاقتصاد بعدد من الإجراءات العاجلة التي من شأنها التخفيف من آثار انخفاض قيمة العملة، وارتفاع معدل التضخم وعبور الأزمة، إذ يقول: "هناك إجراءات يجب اتخاذها على المستوى الرسمي والشعبي، فعلى المواطن تحديد أولوياته ويكون حجم الإنفاق في حدود الأهمية، إلى جانب رفض الاستغلال وشراء السلع مرتفعة السعر، والبحث عن بديل لها في المنافذ التي توفرها الدولة".

 

ويتابع: "أمَّا من جانب الحكومة، فيتوجب مراقبة الأسواق وزيادة الإحكام على صيانة القانون في ما يتعلق بالاحتكار، لذا نطالب بتكثيف جهود ثلاثة أجهزة حكومية، وهي: جهاز حماية المستهلك باعتباره حائط السد الأول، وجهاز منع الممارسات الاحتكارية، إضافة إلى الجهاز المعني بمنع الإغراق، وهي الأجهزة التي تشعر المواطن بالاطمئنان، وتحدّ من هلع الأسواق".

 

ويقول عبد الله إن الوقت قد حان لمراجعة قائمة الاستيراد، وتوفير بدائل للمنتجات حتى يمكن الاستعاضة عنها بأخرى محلية، وكذلك تقديم الدعم للمصنعين المحليين، وذلك بالتوازي مع الجهود التي تبذلها الدولة المصرية في تنمية القطاع الصناعي، حيث أنفقت بالفعل مبالغ كبيرة لإنشاء أكثر من 13 مجمعاً صناعياً متوسطاً وصغيراً على مستوى الجمهورية، ومن المتوقع أن ترتفع المساهمة النسبية للقطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 17 في المئة إلى 23 في المئة بحلول عام 2025.

 

ويثمن الخبير الاقتصادي خطوة الحكومة المصرية في تنويع محفظة الاحتياطي النقدي الأجنبي، بحيث لا يعتمد على الدولار، إذ يتضمن الاحتياطي عدداً من العملات إلى جانب الذهب، وتقدر قيمته في النهاية بالدولار، لافتاً إلى تعزيز الاحتياطات من الذهب في الاحتياطي النقدي الأجنبي، فكلما زاد الذهب، زاد ثقل الاحتياطي النقدي.

 

تحديد الأولويات

في اليوم التالي لإعلان القرارات الاقتصادية، أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة، في محاولة لاحتواء انعكاسات الأزمة الروسية – الأوكرانية على الاقتصاد المصري.

 

وأكد رئيس الوزراء أنّ "الأولوية ستكون لتوفير برامج للحماية الاجتماعية... إلى جانب اتخاذ ما يلزم لتحقيق الانضباط المالي الكامل في الإنفاق، بل والتقشف في عدد من الأمور، مع ترتيب الأولويات، حتى تتضح الصورة في الفترة المقبلة، وتمر هذه الأزمة".

 

كما أصدر مجلس الوزراء كتاباً دورياً أوصى فيه بترشيد الاستهلاك، وتأجيل تنفيذ أي مشروعات جديدة لم يتم البدء بتنفيذها ولها مكون دولاري واضح، ومراجعة تكلفة المشروعات والزيادات التي تطرأ عليها لعدم تحميل الخزانة العامة للدولة أية أعباء إضافية في هذه المرحلة .

 

في هذا الصدد، يقول الخبير الاقتصادي فادي  عبدالرحمن: "بعدما نجحت الدولة المصرية بتأسيس البنية التحتية وامتصاص العمالة الزائدة، باتت تفرض الأزمة الحالية ضرورة تحديد الأولويات العاجلة، وذلك بالانتهاء من المشاريع التي يجري العمل بها حالياً مع تأجيل مشاريع ليس لدينا حاجة ملحة إلى تنفيذها، مثل إنشاء محطات كهرباء، بعدما أصبح لدينا فائض من الكهرباء، كما يمكن تأجيل المرحلة السادسة من مترو الأنفاق، وغيرها من المشروعات المماثلة، لكن لا يمكن بحال من الأحوال تأجيل المشروعات الزراعية والصناعية".

 

ويضيف عبدالرحمن لـ"النهار العربي" أن ثمة حلولاً عاجلة لتنشيط البورصة المصرية يجب تطبيقها بتخارج الدولة من الأصول التي لا تحتاج إليها، وذلك عبر طرح الشركات الحكومية في البورصة، لافتاً إلى أن هذا الإجراء لا يعني الخصخصة، ولكنه طرح نسب معينة من الشركات في البورصة، مع الحفاظ على النسبة الحاكمة ملكاً للدولة.

 
 

إلى جانب ذلك يشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة توسيع دور القطاع الخاص خلال الفترة المقبلة، وإعادة تدوير أصول الدولة مثل مجمع التحرير، وسجن طرة الذي يقع على كورنيش منطقة المعادي، فضلاً عن العديد من الأصول غير المستغلة التي يمكنها توفير سيولة ضخمة. وبالتوازي مع توسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد، فإن الدور الرئيسي الذي يجب أن تنشغل به الدولة المصرية هو الانشغال بالقطاعات الحيوية مثل العمل على تسريع وتيرة تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل، وإصلاح منظومة التعليم، والاهتمام بقطاعي الصناعة والزراعة.

 

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن ثمة وثيقة مهمة أصدرتها الحكومة في هذا الشأن، يوم 30 آذار (مارس) الماضي، تُعنى بوضع سياسة الملكية للأصول المملوكة للدولة والإعلان عنها، والتي تعد خطوة رئيسية في إطار زيادة فرص مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، وبحسب بيان لمجلس الوزراء فإن الإجراء الذي يتبع هذه الوثيقة هو تقييم الأصول المملوكة للدولة على مستوى القطاعات التي سيتم التخارج منها، وتحديد آلية التخارج من الأصول المملوكة للدولة.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم