دبلوماسية تونس تجاه أزمة ليبيا... حذر هادئ يعكّره الغنوشي

المصدر: النهار العربي
تونس-هدى طرابلسي
قيس سعيد والغنوشي في قصر قرطاج
قيس سعيد والغنوشي في قصر قرطاج
A+ A-
 ربما لم تعرف السياسية الخارجية لتونس حالة من عدم الوضوح والتذبذب مثل التي تشهدها هذه الأيام، ذلك منذ وصول الرئيس قيس سعيد إلى السلطة. فتدخل رئيس البرلمان، رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي في رسم توجهات هذه السياسة، ومواقف رئيس الجمهورية الرافضة لهذا التدخل، يكشف حالة الشد والجذب التي تعيشها الدبلوماسية التونسية، ما أفقد البلاد مكانتها في المنطقة، وبالتحديد في حل الأزمة الليبية التي تشهد متغيرات تفرض مواقف دبلوماسية قوية وواضحة. 
 
في طبيعة النظام السياسي التونسي الذي تشكّل بعد الثورة، تعتبر الدبلوماسية الخارجية من صلاحيات رئيس الجمهورية، وذلك بالتشاور مع رئيس الحكومة، ولهذا تتجلى توجهات حاكم قرطاج السياسية والأيديولوجية التي يتبناها غالباً في طريقة تسييره للدبلوماسية.
 
وتميزت سياسة رئيس الجمهورية الأسبق المنصف المرزوقي الذي تحالف مع الإسلاميين بعد الثورة، بقربه من الخط "الثوري" الذي اجتاح العالم العربي آنذاك، فاستقبل مؤتمر "أصدقاء سوريا" عام 2012 لدعم المعارضة السورية، كما ساند الثورة الليبية وأعلن معارضته للمشير حفتر عام 2014. وكلّف هذا التوجه تونس الكثير وجعلها تخسر مكانتها في المنطقة، وأدخلها في متاهات وصراعات سياسية كانت في غنى عنها.
 
ومع وصول الباجي قائد السبسي إلى سدّة الحكم في قصر قرطاج، شهدت السياسة الخارجية لبلده عدة تغيرات واضحة، وصفها البعض بأنها سياسة تصويبية وإعادة بناء ما هدّمه المرزوقي، فأعاد السبسي لتونس سياستها الدبلوماسية الهادئة. فكان الرجل ميّالاً نحو استعادة السياسة التي اعتاد عليها النظام الرسمي التونسي زمن حكم الحبيب بورقيبة، وصولاً الى عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي،  الذي كان يرتكز على الحياد الإيجابي. 
 
دبلوماسية متعثرة 
 
في هذا السياق، يقول الأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية منتصر الشريف إن "الدبلوماسية التونسية بصفة عامة شهدت عديد الإشكاليات، خصوصاً بعد الثورة، واليوم نعيش وجهاً آخر من أوجه هذه الدبلوماسية المتعثرة". يضيف الشريف في تصريح خاص لـ"النهار العربي" أن "الدبلوماسية التونسية اليوم تتخبط، ولا نعلم من يحدد خطوطها الكبرى، على الرغم من أن الدستور واضح في هذا الجانب"، موضحاً أن "الشؤون الخارجية من مشمولات رئيس الجمهورية، ولكن في السنوات الأخيرة لم نعد نعلم من يحدد توجهاتها". 
 
وانتقد الشريف "بعض الأطراف السياسية الفاعلة في تونس التي لها مواقف اصطفاف واضحة مع أحد الفرقاء الليبيين، ما من شأنه التأثير سلباً على دور تونس في أن يكون لها موقع المحايد في محاولة إيجاد حل لهذه الأزمة". 
 
عدم وضوح الرؤية 
 
ويوضح الشريف قائلاً "عندما يتدخل رئيس حركة النهضة الإسلامية، الحزب الأول في تونس، ويدين أحد الأطراف، فإنه يجرّد الدبلوماسية التونسية من كل معانيها". وحذر الشريف من أنه "لا يمكن لتونس أن تكون عنصراً فاعلاً في حل الأزمة الليبية بهذه الطريقة". 
 
ويفيد الخبير في الشأن الدولي بأن "إدارة المفاوضات في الدبلوماسية الخارجية تستوجب تقديم نفسك كطرف محايد، وبالتالي تونس خسرت مكانتها وأصبحت عاجزة على قيادة المفاوضات في حل هذه الأزمة، بسبب عدم وضوح الرؤية". 
 
في المقابل، يعتقد الشريف أن "الدبلوماسية المغربية تتبنى فكرة الحياد الفعلي أو الإيجابي، ويتجلى ذلك في عودة المفاوضات اليها مؤخراً". ويضيف أن "كل الأطراف الليبية، بكل اختلافاتها، عندما تذهب للتفاوض في المغرب لها ثقة في النظام المغربي، لأنه لم يدن أي طرف ولم يأخذ أي موقف من أي طرف، عكس الدولة التونسية التي كان لها موقف من أحد الأطراف من خلال حزبها الأول داخل البرلمان". 
 
من جانب آخر، يرى الشريف أن "تونس أكثر المتضررين من التدخل التركي في ليبيا، خصوصاً على المستوى الاقتصادي"، موضحاً في هذا السياق أن "تونس اليوم خرجت من السوق الليبية التي كانت تمثل متنفساً اقتصادياً لها، خصوصاً بالنسبة للمنتجات الفلاحية والغذائية"، مضيفاً "لكن اليوم وللأسف منتجات تونس لم يعد لها مكان في ليبيا بسبب إغراق السوق الليبية بالمواد التركية". 
 
لا مكان لتركيا بعد انتهاء الأزمة الليبية 
 
من جهة أخرى، وبخلاف تصريحات الشريف، فإن الخبير في الشأن الليبي باسل الترجمان يعتقد أنه "من قبل الانتخابات الأخيرة في تونس، بقيت الدبلوماسية التونسية على مسافة بعيدة من التدخل في الشان الليبي، وحاولت بعمل هادئ وبعيد عن وسائل الإعلام تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية". 
 
وأضاف أنه "بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة ووصول الرئيس قيس سعيد، كان هناك توجّه واضح لدى رئاسة الجمهورية يعتمد على طلب عدم التدخل الخارجي في الشأن الليبي وتشجيع الحوار الشعبي والمباشر بين الليبيين". 
 
ويرى الترجمان أن "تونس تحاول قدر المستطاع التعاطي مع الواقع الليبي، انطلاقاً من فهمها لدكتاتورية الجغرافية والارتباط الشعبي والتقارب بين سكان البلدين، أن لا تتورط مباشرة في الصراع، لأن انعكاساته ستكون نتائجها طويلة الأمد على تونس، من حيث العلاقات العائلية الواحدة الموجودة على طرفي الحدود". 
 
ويضيف الترجمان أن "تونس لم تترك مكانها التقليدي لتركيا، بل تركيا هي من دخلت عبر بوابة الصراعات الليبية واعتبرت نفسها شريكاً في الأزمة، وبالتالي فقدت دورها الدبلوماسي واختارت أن تكون في عداء مع عدد كبير من أبناء ليييا، وهذا سيجعلها تكون الخاسر الأكبر في أي حل سياسي يصل له الليبيون". 
 
وأوضح "أن من يشارك في تعزيز الحروب والأزمات لا يمكن أن يكون شريكاً في تحقيق السلام، وتركيا تعلم جيداً أن لا مستقبل لها في ليبيا بعد انتهاء النزاع، بل ستكون عدواً للييبا لأنها ساهمت في تدميرها وليس في مساعدتها لإيجاد حل للأزمة". 
 
الكلمات الدالة