إعلان

"المنسف طبق سياسي"... مشاريع أردنية مبتكرة لحفظ تراث "هندسة الطعام"

المصدر: النهار العربي
عمان - نديم عبدالصمد
"مراح سلامة" داخل مغارة صخرية.
"مراح سلامة" داخل مغارة صخرية.
A+ A-
هل تذوّقت يوماً ما الطعام في أحد المطاعم وسرحت في لذته؟ وهل سرقك هذا الشعور حيث منزل جدتك وهي جالسة على كرسي القش وترتدي فستانها المزركش بورق الشجر الأصفر؟ 
 
إذا حصل معك هذا... فأنت بلا شك تعرف عن "تصميم الطعام"؛ أما إذا لم تختبر هذا الشعور سابقاً، فهلم معنا إلى رحلة في الطعام الأردني. 
 
مصطلح "رحلة" السابق ذكره هو حرفي وليس حشواً، فطبق الطعام الذي وصل إلى طاولتك في المطعم مرّ في مراحل عدة، بدأت في أحد الحقول ولم تنته عند مائدتك.
 
نتحدث هنا عن "تصميم الطعام" (Designing food) وسنعرّفه في هذا التقرير بـ"هندسة الطعام"، حتى لا يظن القارئ أن تصميم الطعام مرتبط بتزيينه فقط.
 
نحتاج الطعام بلا شك حتى نحصل على قوت يومنا، لكن للطعام وظائف أخرى مرتبطة بثقافتنا وهويتنا وتراثنا، وحتى بقيمنا وعاداتنا وما نؤمن به. فتتداخل العملية التصميمية مع مختلف مراحل الدورة الغذائية، من استمداد الطعام إلى الإنتاج والاستهلاك، ووصولاً إلى التخلص منه بالكامل. ولهذا السبب، تكمن فيه إمكانات كبيرة للفرص الريادية والاجتماعية والبيئية والفنية.
 
وتساهم "هندسة الطعام" في مستقبل الغذاء وسبل العيش، وتعمل على تعزيز نظام بيئي واجتماعي واقتصادي، يدفع المصممين والمصممات للانغماس في مجتمعاتهم لإحداث تغيير مؤثر وملموس.
 
في الأردن هناك العديد من التجارب التي استخدم فيها الطعام لرواية قصة ما، أو التعريف بثقافة منطقة معينة عن طريق هندسة الطعام. 

إرث الأردن  
قبل أن يكون "إرث الأردن" مطعماً في جبل اللويبدة (أحد أقدم أحياء العاصمة عمّان) فهو مؤسسة بحثية تقدم العديد من الدراسات المرتبطة بالثقافة الأردنية.
وقبل أعوام قليلة، بدأت المؤسسة نقل تجربة التراث إلى مطعم يحمل اسم المؤسسة.
 
 مطعم "إرث الأردن"
 
"النهار العربي" زار المطعم حيث استقبلنا صوت سميرة توفيق "يا هلا بالضيف ضيف الله"، وعشنا هناك تجربة أردنية تراثية جداً وحديثة جداً، فالكراسي المصنوعة من القماش تحمل صبغة أردنية بدوية، وأطراف المطعم تحتوي على أحواض ترابية فيها أعشاب برية من ريف الشمال. 
 
المميز في هذه التجربة أنه ليس في قائمة الطعام أي طبق غير أردني، بل كل الأطباق أردنية بحتة ولديها وصف تعريفي عن مكوناتها ومن أي منطقة أردنيّة بالتحديد، حتى أن المشروبات مثل الأعشاب والنبيذ والعرق كلها أردنية، وهو ما يميز هذا المطعم عن غيره. 
 
المكان وتصميمه الداخلي أيضاً جزء من هندسة الطعام، إذ تعتبر المساحة التي يتم تقديم الطعام فيها أيضاً جزءاً مهماً من خصائص الطعام وبيئته، مثل المواد المستخدمة فيه والألوان والموسيقى وملابس العاملين، وحتى الإضاءة، وذلك بحسب موقع “in the food “ المتخصص بهندسة الطعام. 
 
الإضاءة في مطعم "إرث الأردن" تشبه الإضاءة في الأعراس التي تقام في القرى الأردنية، وهي حبال ممتدة من أعلى المبنى وفيها العديد من لمبات الإنارة الصفراء. 

ملابس العاملين في المطعم ليست تراثية بل أردنية عادية، ومن الممكن رؤيتها في أي حي، وإذا شعر أحد الزبائن بالبرد يحضرون له "العباية" أو "الفروة" لكي يشعر بدفء المكان المحاط بحرص في الثقافة الأردنية. 
 
افتتاح المطعم جاء ليتوّج جهود خمس سنوات من العمل والزيارات الميدانية لمختلف المناطق الأردنية، لتوثيق الأطباق الأردنية المصنوعة من منتجات محلية، وطرق إعدادها الأصلية، كما عكفت على ذلك الجدّات والسيدات الأردنيات لسنين طويلة، بما يضمن استدامة هذا الإرث والحفاظ عليه. 

"مراح سلامة"
من العاصمة عمان إلى محافظة مادبا، 33 كم جنوب غربي عمان، حيث قابل "النهار العربي" جورج حدادين الذي استخدم هندسة الطعام في رواية أخرى يريد أن يرويها للمواطنين الأردنيين وللسياح زائري المنطقة.
 
عام 2007 لاحظ حدادين وجود صخرة مقصوصة بطريقة حادة في قطعة الأرض المواجهة لمنزله في مادبا، ما يعني أنها بفعل بشري. وبعد اكتشافات متلاحقة ظهر أنها مدخل إلى مغارة قديمة عمرها ملايين السنين، كما يقول. 
 
ما يجعل هذه المغارة مميزة أنها في موقع "تعاقبت عليه حضارات منذ أكثر من 27 ألف عام". 
 
منذ عام 2007 يحاول حدادين التواصل مع الجهات المعنية من أجل إنشاء متحف وطني فيها، ورفض طلبه مرات. لكن حلمه ظل قائماً في رواية تاريخ الأردن وتراثه. وحتى يستطيع أن يحقق حلمه، كان لزاماً أن يحصل على دخل مادي يستطيع من خلاله رواية تاريخ منطقته؛ لذلك قرر تقديم الطعام والشراب في المغارة التي سمّاها لاحقاً "مراح سلامة"، والمراح هو المكان الذي يقصده الشخص لكي يرتاح فيه.

رفض حدادين أن نسمي هذا المكان "مطعماً"، فقيمته التاريخية التي تشهد عليها الرموز الدينية من الحضارات المتعاقبة المؤابية والآدومية وما بعدها أكبر من ذلك بكثير؛ بل يسميه معلماً يقدم الطعام والشراب. 
 
"الحضارة المؤابية تركت أثرها في هذه المنطقة، وهي بدأت عام 2000 قبل الميلاد واستمرت حتى 600 قبل الميلاد"، يقول. 
 
"مراح سلامة" الذي يرفض صاحبه أن يسمّيه "مطعماً"
 
انطلاقاً من أن "شعوبنا لا تعرف تاريخها وحضارتها"، قدم جورج الطعام، وأثناء تجربة الطعام يقوم بنفسه بشرح تاريخ الأردن والحضارات المتعاقبة عليه للزوار من خلال الشواهد والرسومات الموجودة على حيطان المغارة. 
 
يشرح معنى كلمة مادبا، وهي كلمة آرامية تعني مدينة المياه والفاكهة، في وقت يعاني الأردن شحاً في المياه. يقول حدادين إن مادبا تاريخياً ليس فيها أنهر أو سيول؛ لكن سياسة الحصاد المائي التي استخدمها المؤابيون من خلال الحصاد المائي وتشييد البرك والآبار؛ حققت وفرة في المياه. 
 
ويعتمد أكل المؤابيين والحضارات القديمة على الحليب واللحم والقمح والعدس، وهي مزيج من الخلطات التي تُقدّم في هذا المعلم التراثي، ليعيش الزائر تجربة مر عليها آلاف السنوات.
 
 
المنسف طبق "سياسي" 
وللدلالة على أهمية الطعام في سردية التاريخ ووصفه، لا بد من استحضار أشهر طبق أردني وهو المنسف. 
 
يرتبط المنسف الأردني بالعديد من الطقوس والمناسبات الاجتماعية، فهو يعكس بنية المجتمع الأردني المتمازجة بين الريف والبداوة. المنسف لا يمكن أن يكون طبقاً صحراوياً، فالقمح والأرز لا ينبتان في الصحراء بالحد الذي يجعل منه جزءاً أساسياً من الغذاء اليومي للبدوي، ولا يمكن للمزارع المتفرغ لعملية الزراعة في حقوله وبساتينه أن يكون قادراً على تأمين لحم الضأن ولبنها بسهولة، بحسب بحث قدمته مؤسسة "إرث الأردن" حول تاريخ المنسف. 
 
كما أن المنسف طبق يعبّر الأردنيون من خلاله عن مشاعرهم في الفرح والحزن، فإذا قُدّم وفي وسطه رأس الذبيحة مرفوعاً للأعلى، يدل على الفرح والابتهاج، وإذا قُدّم والرأس منكس للأسفل يعبر عن الحزن. 
 
المنسف ليس مجرد وسيلة لمعرفة الواقع الاجتماعي للحضارات المارة على الأردن، بل الواقع السياسي أيضاً، إذ تشير الرواية الشعبية المتداولة عن المنسف إلى أن الملك ميشع (ملك مملكة مؤاب) حمّل الغذاء مضامين سياسية، واستخدمه وسيلة للاستفتاء الديموقراطي، ليتمكن بحكمة القائد الذكي من معرفة مدى استعداد الرأي العام والرضا الشعبي لخوض معركة مصيرية ضد خصومه التاريخيين بني إسرائيل في مملكة يهوذا، والذين كانوا في حالة حرب وعداء دائم مع المؤابيين.
 
وتحضيراً لإحدى المعارك التي كانت تتطلب موافقة الجميع، وبالتالي التضحية والاستعداد لتحمّل النتائج، أمر الملك الشعب بطهو اللحم باللبن، وفي ذلك "نسف" لعقيدة بني إسرائيل التي تحرّم طهو اللحم باللبن. فتم ذلك وتأكد الملك حينها أن الجميع مستعد للمعركة المصيرية التي خلدت بالانتصار إلى يومنا هذا على مسلة ميشع المحفوظة في متحف اللوفر في باريس، بحسب بحث مؤسسة "إرث الأردن".  

"فبركة" الطّعام وهندسته
كل التجارب السابقة هي ارتباطات تاريخية حاول الإنسان دمجها بمفهوم هندسة الطعام، من أجل تنظيمه أكثر ونفخ روح الإبداع فيه.  
 
معهد "غوته" الألماني في عمان يخوض تجربة نقل مفهوم هندسة الطعام عبر التدريب إلى شابات من مختلف الجنسيات، من خلال برنامج "فبركات".
 
منسق البرنامج أمير مسعود قال لـ"النهار العربي" إن "فبركات" برنامج مختص بدمج قطاع "تصميم الطعام" أو "هندسة الطعام" مع مجالات الابتكار المجتمعي وريادة الأعمال والمناصرة البيئية، والذي بدأ في عمّان بمشاركة 13 متدربة من بلدان عربية عدة، منها العراق ولبنان والأردن.