إعلان

النفاق... ملح ساسة لبنان

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
العلم اللبناني
العلم اللبناني
A+ A-
أثناء تنفيذ أحد المجرمين الذين امتهنوا السرقة والاحتيال عقوبة السجن، أصدرت السلطة السياسية قانوناً بالعفو عن السجناء السياسيين، فدخل الشاويش إلى الزنزانة وبلّغ بأعلى صوته من طاوله العفو بحزم أغراضه والاستعداد للمغادرة. فما كان من المحتال إلّا أن وقف في الطابور منتظراً دوره، فبادره الشاويش بصفعة قوية وشتيمة سائلاً إياه: "ما علاقتك بقرار العفو وأنت سارق احتلت على ميتم وسرقت أمواله"، فأجابه المحتال: "نعم سيدنا ولكن هل تعلم كيف أقنعت القيمين عليه بإعطائي أموالهم؟ بالسياسة"...
 
هذه الطرفة تأتي إلى ذاكرتي كلما استمعت إلى "الساسة" اللبنانيين وهم يبررون فشلهم في قيادة البلد أو يناقشون الأزمة السياسية والانهيار الاقتصادي اللذين يمر بهما لبنان. فعادة ما يلجأ هؤلاء إلى وسائل الإعلام المرتهنة لتبييض صورتهم، فيُطلّون على الناس بمقابلات مطولة أو مؤتمرات صحافية فارغة يدافعون فيها عن أنفسهم ويحمّلون الآخرين وحتى الخارج مسؤولية تعطيل سعيهم للتغير والإصلاح أو تحرير الأرض من العدو الغاشم.
 
لقب الزعيم أو الإقطاعي أو أمير الحرب لا يليق بالطبقة اللبنانية الحاكمة، فحامل أيٍّ من هذه الألقاب يتمتع عادة بنوع من المسؤولية القبلية التي تجبره على تقديم مصلحة الجماعة على مصلحته، حتى أنه يدفع - في بعض الأحيان - من أمواله الطائلة لتمويل خدماته الزبائنية في حال عدم تمكنه من تكبيد الدولة أو اللبنانيين دافعي الضرائب.
 
جبران باسيل على سبيل المثال لا الحصر يحاول أن يُظهر نفسه على أنه "رجل دولة" ويدافع عن نفسه كحامي المسيحيين في الشرق، وهو في نهاية المطاف لم يصل إلى منصبه كرئيس لـ"التيار الوطني الحر" إلّا نتيجة كونه زوج كريمة رئيس الحزب آنذاك، وما هو عليه اليوم ليس بسبب شهاداته العلمية وإنجازاته المهنية، بل لقدرته الفائقة والحادة أحياناً على إساءة استخدام السلطة لصالح جمع الثروات وبَخِّ خطابه الطائفي التحريضي ضد "الغرباء" وأبناء شعبه. باسيل الذي انضم حديثاً إلى نادي العقوبات الأميركية يصرّ على أنه عوقب على مواقفه السياسية، لا سيما تلك التي تدعم خط الممانعة المتمثل بإيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا. لكنه في الحقيقة، يدفع فاتورة سرقاته التي طاولت قطاع الكهرباء والاتصالات وعدداً لا يحصى من الصفقات التي تقاسمها مع حلفائه وأخصامه.
 
النوع الآخر من السياسيين هم أصحاب النيافة والسيادة الذين يظهرون علينا كالأنبياء متحصنين بطائفتهم ليلقوا علينا "عظات" و"مواعظ"، مؤكدين أنهم على اطلاع تام بما يحدث في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض والمؤامرات المزعومة التي تحاك ضدهم، ولكنهم ينكرون في الوقت عينه معرفتهم بأي تفصيل من تفاصيل أكبر جريمة بحق الشعب اللبناني ومدينة بيروت، أو بأي عملية اغتيال لا قدرة سوى لأيادٍ "إلهية" على تنفيذها. وبطبيعة الحال يقوم هؤلاء بالتعفف والترفع عن الفساد القائم وهم في الحقيقة يسهّلون، عبر تحديهم الشرعية وامتلاكهم السلاح، أعمال شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والقارات والتي تسرق البضائع والمواد المدعومة من جيوب دافعي الضرائب بغية تعويم نظام بشار الأسد المجرم.
 
وإن كان التعفف والقدسية السياسية لا يكفيان، يصدر "فقيه لبنان" فتوى في الطب ولقاح كورونا الذي كبّد العالم المليارات ويعلن بعدها أنه لن يتلقى اللقاح الأميركي لكنه سيستشير الأطباء بشأن اللقاحات الأخرى. وربما لو استرسل محاوره وسأله عن هبوط "أبولو 11" على ظهر القمر عام 1969 لكان نفى هذا "الفقيه" نفياً قاطعاً وجود مثل هذا الحدث مجاهراً بأنه مجرد بدعة وتأثيرات سينمائية نفذتها استوديوات هوليوود.
 
والأكثر سوءاً من هؤلاء الساسة المخادعين هم بعض الثوار أو من يدّعون الثورة الذين قرروا، عن حماقة أو خبث ربما، تحييد هذه الطبقة المجرمة من المعركة الوجودية ونقل جبهات القتال إلى أسوار مؤسسات عريقة كالجامعة الأميركية في بيروت. هذه الجامعة التي تتعرض لهجمة شرسة من سلاح الفساد والسلاح غير الشرعي اللذين يريدان القضاء على ما تبقى من مؤسسات ترفض أن يُحكم لبنان من قبل حفنة من المحتالين الذين يدّعون السياسة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم