نيس: نحن منكم براء يا قتلة!

المصدر: النهار العربي
فيصل ج. عباس
من مشاهد التضامن مع ضحايا نيس. (الصورة عن "أ.ف.ب").
من مشاهد التضامن مع ضحايا نيس. (الصورة عن "أ.ف.ب").
A+ A-
 أعجز عن إيجاد عبارات قاسية بما يكفي لإدانة الهجوم المروّع الذي وقع في كاتدرائيّة نوتردام في نيس، وحادثة الطعن أمام القنصلية الفرنسية في جدة. بكل تأكيد، إنّ الاستهزاء بالنبي محمد (ص)، لا بل بأي رمز ديني، هو أمر مرفوض حتماً. إلا أن ممارسة العنف ضدّ الأبرياء هو مرفوض أيضاً، ولا يسمح حتماً ممارسته باسمنا كمسلمين.
 
أما من المُلام عمّا حصل، فهم أولئك الذين يدّعون الدفاع عن الإسلام والذين تلطخت أياديهم بالدماء، فالإسلام منهم براء وهم في الواقع يسعون لتحقيق مكاسب سياسية فقط. فبفضل أيادي تركيا وقطر الخبيثة، تجاوزت الحملة الأخيرة ضد فرنسا السياسة وباتت تزهق الأرواح اليوم.
 
لطالما كان سوء استخدام الدين لتسجيل النقاط الأسلوب المفضل لدى هذه الأنظمة الخبيثة، ولعل إيران محترفة في هذا المجال. ففي الواقع يجب إعادة تسمية ما يُعرف بفيلق القدس لتصبح "فيلق أي مكان إلّا القدس"، لأن إيران تبدو أكثر حرصاً على احتلال عواصم عربية كصنعاء وبغداد وبيروت ودمشق من تحرير القدس. وعندما حوصر صدام حسين، ادّعى الديكتاتور العراقي اللجوء إلى الدين أيضاً وأضاف كلمة "الله أكبر" إلى العلم الوطني (وهو أمر مثير للسخرية، إذ عُرف نظام البعث بكونه علمانياً).
 
وبالتالي، فإن قيادة حملة مقاطعة فرنسا تناسب رجب طيب أردوغان تماماً. إذ يعاني الرئيس التركي بسبب تدخله العدواني في ليبيا وأرمينيا واليونان وقبرص، إضافة إلى مشكلاته السابقة مع مصر والإمارات والسعودية وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ولذلك، يمكن تفهّم الحملة الشعبية التي تدعو لمقاطعة المنتجات التركية في بلدان عدّة، في حين أن حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية لا يمكن تفهّمها. فلا الرئيس إيمانويل ماكرون ولا أي شخص في حكومته مسؤولون عن الرسوم الكاريكاتورية المقيتة والتي سببت الكثير من الإساءة، ولكن أردوغان وحكومته مسؤولان مباشرة عن الزعزعة وإراقة الدماء في البلدان التي تدخلت فيها تركيا.
 
وبحسب تحليل نُشر على موقع "عرب نيوز" قبل فترة، تحوّلت سياسة تركيا برئاسة أردوغان من السعي إلى عدم وجود أي مشكلات مع جيرانها إلى شبه انعدام أصدقائها، باستثناء قطر التي تدعم تركيا مالياً وتموّل الإرهاب وتسمح لرجل الدين المتطرف المقيم في الدوحة يوسف القرضاوي بالظهور على شاشة قناة الجزيرة خلال فترة الذروة لنشر كراهيّته المعادية للمسيحيين واليهود، حيث قال مرّةً: "اللهم أبد المعتدين اليهود الغدارين... اللهم عد عديدهم وأبدهم فرداً فرداً ولا تبقي منهم أحداً".
 
من أغبى ما أورده الخطاب الحالي المناهض للفرنسيين والذي تروّج له كلّ من تركيا وقطر هو أنه لا يجعل من كل مواطن فرنسي هدفاً فحسب، بل يعرّض أيضاً المسلمين الفرنسيين وشركاتهم لخطر الضرر الشخصي والمادّي.
 
الأحرى بأولئك الذين يوظّفون الدّين لمكاسب سياسية ويثيرون الكراهية ويحرّضون، أن يتعلموا قليلاً عن العقيدة التي يدّعون اعتناقها. ويروي الحديث النّبويّ عن الرحمة أنه عندما حاول النبي محمد اللجوء إلى أهل الطائف، ردّوا بإلقاء الحجارة عليه حتى نزف. فعرض الملاك جبريل و"ملاك الجبال" عليه هدم الجبال على رؤوس الذين أساؤوا إليه، إلا أن النبي (ص) رفض واختار أن يغفر لهم.
 
نجد هذا الصبر في صلب المسيحية أيضاً، إذ إن يسوع، خلال موعظة الجبل، رفض بوضوح وصراحة فكرة "العين بالعين والسن بالسن" قائلاً لأتباعه: "من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له الأيسر".
 
نعيش اليوم أوقاتاً عصيبةً وخطيرةً، وبتنا بحاجة إلى دروس التسامح هذه أكثر من أي وقتٍ مضى. 
 
* رئيس تحرير "عرب نيوز" 
 
الكلمات الدالة