إعلان

الجفاف يقتلهم والبحر يبتلعهم... العرب و"البحث عن فرصة" لمواجهة التغيّر المناخي!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
الجفاف يهدد الحياة في المنطقة
الجفاف يهدد الحياة في المنطقة
A+ A-
حذر معهد "ماكس بلانك" الألماني، من أن مدن الشرق الأوسط ستصبح غير صالحة للعيش قبل نهاية القرن. فالمنطقة التي تمزّقها الصراعات والأزمات غير مستعدة "بشكل عجيب"، لمواجهة تحدٍ وجودي جماعي كالتغير المناخي، إذ يتضافر الاحتباس الحراري ونقص الخدمات الأساسية لجعل المنطقة مكاناً خطيراً للسكن وطارداً للحياة على نحو لا يصدق، بكل ما يخلفه من مخاطر تهدد وجود المجتمعات ومستقبلها. ستبتلع مياه البحر أجزاء واسعة من مصر ولبنان والجزائر وليبيا والكويت والإمارات وقطر والبحرين وغيرها، فلماذا يبدو العرب غير مبالين بالخطر المتربص؟ وهل من وسيلة للنجاة؟ أم أن الفساد المستشري يحول دون الإنقاذ؟
 
ظروف قاسية
لعل حرائق الغابات التي اجتاحت منطقة البحر المتوسط هذا الصيف مجرد إنذار لما هو آتٍ ... ستصبح الظروف المناخية القاسية "روتينية" في الشرق الأوسط، بحيث تتعرض لأربعة أشهر من أشعة الشمس الحارقة كل عام، وترتفع درجة حرارتها ضعفي المتوسط العالمي، وبحلول سنة 2050 ستكون أكثر حراً بمقدار 4 درجات مئوية. تذهب مسودة تقييم الأمم المتحدة، إلى أن سكان منطقة البحر الأبيض المتوسط البالغ عددهم أكثر من نصف مليار يواجهون "مخاطر مناخية مترابطة للغاية"، عدّدها التقييم في: ارتفاع منسوب البحر ودمار التنوع الإحيائي البري والبحري، والجفاف وحرائق الغابات وتغيّر دورة المياه وإنتاج الغذاء وانتشار الأوبئة. وحذر التقييم الأممي من أن منطقة المتوسط باتت مركز التغيّر المناخي.
 
تؤكد دراسة نشرها البنك الدولي عام 2015 أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسهم بنحو 7 في المئة من 32 جيغا طن سنوياً من مجمل انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في العالم. وتسهم الدول العربية بنحو 5 في المئة من هذه الانبعاثات الملوثة للبيئة، بينما تنتج ثلاث دول: الصين والهند والولايات المتحدة، نصف الانبعاثات العالمية. المفارقة أن دول الخليج العربية من بين أعلى 10 دول في العالم من حيث نصيب الفرد من الانبعاثات الغازية. يُنتج الفرد في الكويت والإمارات وعُمان 10 أضعاف مثيله في مصر وتونس والمغرب. أما انبعاثات الفرد في قطر، فتساوي ما ينتجه 73 فرداً في جيبوتي أو فلسطين.
 
ولأن المنطقة العربية منقسمة بين من يملكون ومن لا يملكون، فإن البلدان الغنية بالنفط هي التي تحاول التعامل مع تداعيات التغير المناخي، بالسعي إلى تهيئة المرافق الأساسية، مثل الكهرباء وتحلية المياه، وهو ما يحتاجه الناس من أجل البقاء على قيد الحياة في الحرارة الشديدة، وفي المقابل تتداعى البنية التحتية في البلدان العربية الفقيرة، التي تئن تحت وطأة صراعات وحروب، وإن كان الاستقرار السياسي والاقتصادي مزعزعاً في معظم بلاد العرب "السعيدة"، في ظل الفساد والاستبداد والبعد من روح العصر، برغم "الحداثة القشرية" لدى بعضهم؛ فهل سيموت الفقراء من الحرّ أم يصبحون لاجئين؟.
 
الثمن باهظ
من أسف أن هذا احتمال قائم بقوة، ليس عربياً فحسب بل عالمياً أيضاً. توقعت دراسة بريطانية في عام 2014، زيادات كبيرة في الوفيات بسبب الطقس الحار، وأكد القائمون على الدراسة أنه في حالة عدم السيطرة على التغير المناخي، ستتجاوز الزيادة في الوفيات بكل أنحاء العالم في سنة 2050 أكثر من 257 في المئة. وفي عام 2018 توقعت منظمة الصحة العالمية أن يتسبّب تغير المناخ في 250 ألف حالة وفاة إضافية سنوياً، بين 2030 و2050؛ نتيجة غلاء الأسعار وسوء التغذية، والملاريا والاسهال، والاجهاد الحراري، لافتة إلى أن الدول النامية ستكون الأكثر تأثراً بتلك الوفيات.
 
ثمن باهظ يدفعه العرب جراء لامبالاتهم إزاء ارتدادات التغير المناخي، إنسانياً واقتصادياً وسياسياً. يكفي أن نستحضر دراسة أطلقتها وزارة البيئة اللبنانية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أظهرت أن كلفة الأضرار التي يلحقها تغير المناخ بالاقتصاد اللبناني تصل إلى 80 مليار دولار سنة 2040، تتحمل الحكومة اللبنانية 26 ملياراً منها. وفي مصر، مقابل ارتفاع مستويات البحار متراً واحداً يكون 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في خطر، ترتفع إلى 12 في المئة لو ارتفع البحر 3 أمتار. وستختفي مدن كالإسكندرية ورشيد ورأس البر تحت مياه البحر، وتبور أجزاء واسعة من دلتا النيل (سلة غذاء مصر)؛ لتغلغل مياه البحر في تربتها. أيضاً تفقد قطر وتونس والإمارات أكثر من 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل ارتفاع البحر مترا واحدا، تصير 5 في المئة مقابل ارتفاعه 3 أمتار.
 
ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد كشفت دراسة أصدرها معهد الموارد العالمية (WRI) عام 2019 عن أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي المنطقة الأكثر إجهاداً مائياً على وجه الأرض، ثلاثة أرباع المنطقة صحارى غير ملائمة للحياة، أما الربع الباقي، فيسوده مناخ جاف، باستثناء بعض المناطق الساحلية والجبلية.
 
التحدي والاستجابة
ووجد المعهد أن 12 دولة من أصل 17 دولة تعاني الإجهاد المائي الشديد تقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومع أن المنطقة تحتضن 6.3 في المئة من سكان العالم، فإنها تحوز فقط 1.4 في المئة من المياه العذبة المتجددة عالمياً؛ ومن ثمّ يحذر البنك الدولي من أن المنطقة سينالها أكبر الخسائر الاقتصادية المتوقعة من ندرة المياه العذبة المرتبطة بالتغير المناخي، بنسبة تتراوح بين 6 و14 في المئة سنوياً من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050. ومع الضغوط المزدوجة لتغير المناخ والنمو الديموغرافي، أصبح الأمن المائي والغذائي للمجتمعات الفقيرة في هذه المنطقة في مهب الريح، ما يتطلب وضع سياسات وطنية فعالة لمواجهة هذه الظاهرة. من دون ذلك، يصبح مشهد الاضطرابات العنيفة الغاضبة في شوارع العراق؛ بسبب انقطاعات الكهرباء، في ظل الحرارة القياسية الشهر الماضي، أمراً مألوفاً في عواصم المنطقة في يوم قريب، ولن يكون هناك مكان آمن للهروب إليه، وأي هروب سيكون موقتاً، فالكل سواء في قبضة التغير المناخي.
 
تقلل الحكومات العربية عادة من المخاوف المرتبطة بالتغير المناخي أو تتعاطى معها "مظهرياً"، برغم أضرارها الفادحة والتي تجعل دول المنطقة ضمن أكثر المتضررين من الظاهرة الخطيرة؛ ما قد يفضي إلى تدمير حيوات ملايين الأشخاص والكائنات الحيوانية والنبانية.
 
تتردد كلمة "التغير المناخي" في وسائل الإعلام، ونشعر أنه بعيد منّا، لكن ارتفاع درجات الحرارة ينذر بوجوده ... يكفي أن ننظر إلى الشاشات ونراقب الحرائق المشتعلة في دول عدة نتيجة الاحترار العالمي لإدراك المخاطر الآتية، وهذا "إيجابي" من ناحية دفعنا إلى النهوض بواجباتنا، تجاه بقائنا وسبل عيشنا والحفاظ على كوكبنا، من خلال "الاستجابة" الواعية لـ"التحدي المناخي".
 
برغم التوقعات المتشائمة يؤكد الخبراء أن باب الفرص لم يغلق، لكن بشرط ضروري، يتمثل في قيام الدول المتضررة بإصلاحات سياسية واقتصادية جوهرية تحترم حقوق الإنسان وتحد من التفاوت الرهيب في الدخل، وتعزز عمل المؤسسات وتشجع الشركات على الحد من انبعاثات الكربون وضمان التحول إلى الطاقة النظيفة في الشرق الأوسط، في إطار مكافحة تغير المناخ، وهو ما ينعكس إيجاباً على اقتصاديات المنطقة والعالم، بحيث تتاح فرص كبيرة للاستثمار في الاقتصاد الأخضر تحقق ازدهاراً تنموياً كبيراً، وتحدّ من تأثيرات التغير المناخي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتمنح المجتمعات الطاقة والإرادة والآليات للتصدي لانعكاسات الظاهرة شديدة الخطورة، قبل فوات الأوان، فهل يستفيق العرب؟
ذاك حديث آخر.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم