إعلان

أميركا وإيران: هل دقت ساعة الحرب؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
حشود عسكرية في مياه الخليج
حشود عسكرية في مياه الخليج
A+ A-
كثيراً ما يواجهني السؤال، هل تتوقع حرباً أميركية - إسرائيلية ضد إيران قبل نهاية ولاية الرئيس دونالد ترامب؟ 
 
الحقيقة، أنه لا توجد إجابة قاطعة. فالمتغيرات المؤثرة في قرار الحرب كثيرة، ومتداخلة، وغير متوقعة. فهناك أوراق بيد أميركا وإسرائيل، في مقابل أخرى بيد إيران وروسيا، وهناك أطراف معنية بما سيجري ولها صوتها أيضاً، من الصين شرقاً الى أوروبا غرباً، إضافة الى دول المنطقة. 
 
في تقديري، أن فرصتي الحرب والسلم تتأرجحان كل يوم، وتكاد تغلب إحداهما الأخرى، فالأعصاب مشدودة، والأصابع على الزناد، وخطأ واحد قد يقلب الحسابات، ويشعل الفتيل. ولكن السؤال الأهم برأيي، هو عن أي صراع نتحدث؟ هل هي معركة محدودة في أطرافها ومدتها ومواقعها، أم حرب أوسع تبدأ بأطراف أكثر، ثم يلحق بهم آخرون، مفتوحة المدة، واسعة المساحة، ومتعددة الأبعاد؟
 
المشكلة الأزلية أنك قد تبدأ صراعاً بشروطك، ولكنك قد تفقد السيطرة وتفرض عليك شروط غيرك. تحسب أن الأمر مجرد صفعة تأديبية، ستنتهي باستسلام واعتذار، وتفاجئ بقوة وعناد الطرف الآخر، واستعانته بحلفاء وموارد تغير ميزان القوة. 
 
لقد تعلمت أميركا هذا الدرس مبكراً مع حرب فيتنام، التي كان يفترض أنها معركة مع قوة محلية ضعيفة، فتحولت الى حرب واسعة تداعت اليها قوى المعسكر الشيوعي، السوفيات والصين، وانتهت بهزيمة الطرف الأقوى بعد خسائر هائلة مادية وبشرية. ثم تكررت الدروس من الحرب الكورية، وحتى غزو افغانستان والعراق. 
 
ولا أعتقد أن الرئيس الذي وعد ناخبيه بالانسحاب من كل "الحروب التي لا تنتهي" وحقق وعده بسحب جل قواته من مناطق الصراع، سيقوم في نهاية ولايته بعكس الاتجاه وإقحام أميركا في حرب جديدة بلا نهاية. ورغم أنه قام بتحقيق انجازات عسكرية واستخباراتية ضد "داعش" وقضى على رأسين من رؤوس الإرهاب التي استعصت على من جاء قبله، أبو بكر البغدادي وقاسم سليماني. الا أنه في المقابل رفض الرد العسكري بعد إسقاط الطائرة الدرون الأميركية فوق الخليج، واعتداءات طهران على منشآت "أرامكو" وناقلات النفط الدولية. 
 
إذاً لماذا كل هذا الاستعراض للقوة؟ ومن ذلك دخول حاملة الطائرات الأكبر في الأسطول الأميركي، وغواصة مجهزة بصواريخ نووية الى مياه الخليج العربي، وتحليق قاذفتين بي 52، لم تحلق من قبل إلا في حرب تحرير الكويت وغزو العراق، الى تعزيز الوجود والاستعداد في قواعد أميركا المحيطة بإيران والمناورات الجوية والبحرية المشتركة مع دول الخليج. إضافة الى التحركات والاستعدادات الإسرائيلية المعلنة والمستترة، والهجمات الاستفزازية للمنشآت والقوات الإيرانية وحلفائها في العراق وسوريا. 
 
لدي أكثر من تفسير. فمن ناحية، هناك الذكرى السنوية لاغتيال سليماني، والتهديدات الإيرانية بالانتقام لها، إضافة الى اغتيال إسرائيل لأبي البرنامج النووي الإيراني العالم محسن فخري زاده. وفي هذا السياق تبدو الهجمات الصاروخية على المنطقة الخضراء ومجمع السفارة الأميركية وكأنما تسخين لما هو آتٍ. وعليه، فإن استعراض القوة وتعزيز التواجد العسكري رسالة واضحة لإيران بأن أي تهور من جانبها بالاعتداء على مصالح أميركا أو حلفائها سيلقى الرد المدمر. 
 
التفسير الثاني، أن الرئيس الأميركي تأنّى في السنوات الأربع الماضية، واكتفى بالعقوبات الاقتصادية على أمل أن تخضع إيران وتنهي برامجها النووية والصاروخية والتوسعية في المنطقة، أو تصل الى مرحلة من الضعف يسهل معها توجيه الضربة الجراحية التي تطالب بها إسرائيل للمواقع النووية والصاروخية. إلا أن خسارته الانتخابات الرئاسية أفقدته ميزة "الوقت المناسب" وتعنت طهران اضطره الى التعجيل بالحل العسكري لإنهاء ما كان قد بدأه وعدم ترك المجال للرئيس القادم لإعادة أميركا الى الاتفاق النووي، ورفع العقوبات، وبالتالي تخريب كل ما عمل عليه ترامب خلال السنوات الماضية للحل النهائي. والوقت الأنسب له، هو الأسبوع الأول من السنة الجديدة، بعد الاعياد، وخلال إجازة الكونغرس لتفادي الحاجة لأخذ الموافقة. ولعل هذا التوجه يفسر حجب التقارير الأمنية والعسكرية الدولية مؤخراً عن الرئيس المنتخب. 
 
وفي حال استطاعت أميركا إنهاء المشكلة من الصفعة الأولى، وتحطيم قوة وإرادة إيران لتحويل الضربة الى مواجهة شاملة طويلة، وتوريط أطراف أخرى في النزاع، سيكون ترامب قد حقق نصره المأمول وخرج من الرئاسة برصيد كبير يؤهله للفوز بالانتخابات المقبلة في 2024. أما إذا لم يتحقق له ذلك، فسيكون على الأقل قد دمر المشروع النووي والصاروخي الإيراني، وأضعف قدراتها العسكرية، وأغلق ملف الاتفاق النووي بزوال أسبابه. وعلى خلفه تحمل مسؤولية إنهاء الحرب أو التمديد للرئيس الحالي - كما ينص الدستور - لإنهائها. 
 
إذاً نحن أمام تفسيرين للحضور الأميركي القوي في المنطقة، والتصعيد الإسرائيلي العسكري والسيبراني والاستخباراتي مع إيران. ويبقى الرهان على أي سيناريو سينتهي اليه الحال. وبتقديري، أن الأمر يعتمد الى حد كبير على ردود الفعل الإيرانية. فإن أحكمت سيطرتها على ميليشياتها والعناصر المتطرفة في "الحرس الثوري"، وتركت لروحاني وظريف مهمة إدارة الأزمة بالأسلوب نفسه الذي اتبعاه في الوصول الى الاتفاق النووي - تنازلات صورية ولغة دبلوماسية وتوظيف الحلفاء - فستحرمان المتوثب الأميركي من العذر الدستوري الذي يحتاجه لتمرير قرار الحرب. أما إذا أصر الملالي و"ثيران الحرس" وميليشياتهم المتطرفة في العراق، مثل كتائب "حزب الله"، على إدارة دفة المواجهة، فقُل على الدنيا السلام! 
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم