إعلان

عام الانقلابات.. مخطئ من يرجم الانتفاضة

المصدر: النهار العربي
أمين عيسى
من الانتفاضة اللبنانية
من الانتفاضة اللبنانية
A+ A-
تزامنت تسمية سعد الحريري لرئاسة الحكومة مع مرور سنة على انطلاق انتفاضة 17 تشرين (أكتوبر) واستقالة حكومته. 
 
نُشرت في الصحف وعلى وسائل التواصل الاجتماعي مقالات وآراء تقتصر على فشل الانتفاضة والإحباط الذي أصاب اللبنانيّين، وتجزم بأنّ سنة من النضال والتضحيات لم تُبدّل شيئاً في الواقع السياسي. 
 
فالإحباط هو شعور يمكن تفهّمه لعدم إنجاز التغيير السياسي المنشود مقترناً بوضع معيشي متأزّم كارثي، وخصوصاً بعد انفجار 4 آب (أغسطس). وهذا شعور طبيعي وإنساني. أما تأكيد فشل الانتفاضة وتحميلها ومجموعاتها المسؤوليّة برغم كل أخطائها، فهو استنتاج قصير الرؤية وينبع من جهل بالتغيّرات المفصليّة التي أصابت المجتمع اللبناني. وينطلق هذا الاستنتاج من اعتبار لبنان عام 2019 بلداً يتواجه فيه شعب منتفض مع سلطة انقلابيّة حديثة دمّرت نظاماً سياسياً سابقاً مثالياً. 
 
والواقع على مدى أكثر من 180 عاماً، أي منذ وُزّعت المناصب السياسيّة عام 1840 وفق التوزيع الطائفي، أنّ هذا النظام أفسد كل إمكانيّة لإنشاء دولة حديثة ديموقراطية وعادلة. وقد استشرس بطائفيّته في الأعوام الثلاثين المنصرمة بما لا يقاس مع الـ150 عاماً السابقة.

التحوّل الدراماتيكي في 17 تشرين
لكن في 17 تشرين، ونتيجة إخفاقات هذا النظام، وبعد مدّة إدراكية تراكمية، عبّر اللبنانيون من كل المناطق عن تحوّل دراماتيكي في نظرتهم إلى هذا النظام ونظرتهم إلى أنفسهم. وباختصار، عبّروا ليس فقط عن رفضهم لتقسيمهم إلى قبائل مذهبيّة متناحرة، بل أيضاً عن هويّة أولى لديهم هي المواطنة. طبعاً ذلك لم يصب كل اللبنانيّين وحاولت السلطة أن تقف في وجه هذا المسار بتخويف اللبنانيين بعضهم من بعض وردّهم الى بيت الطاعة المذهبي. 
 
لكن أيّ عاقل أو عالم أو مراقب للتحوّلات الاجتماعية كان قد توقّع انقلاباً أنتروبولوجياً بهذا الحجم بسنة واحدة؟ 
 
التحوّل وقع. وهو مثلما أشرنا نابع من إدراك مترسّخ يصعب الانقضاض عليه. 

ماذا حقّقت الانتفاضة؟
أما القول بأنّ الانتفاضة خسرت المعركة السياسيّة، فهو أيضاً قصر في النظر وجهل بواقع التغييرات السياسية ومسار النضال. كأنّ الانتفاضة تواجه سلطة ديموقراطية تعترف بتغيّر المناخ السياسي في البلد وتنسحب خجولة طالبة الغفران!
 
ويستند هذا القول إلى فشل المعارضة في توحيد صفوفها. وكأنّنا في بلد ديموقراطي لم تهدم الوصاية السوريّة، والأحزاب الطوائف بعد الانسحاب السوري، كل إمكانيّة لأيّ حراك سياسي معارض. احتلّت هذه الأحزاب كل المنظّمات الوسيطة بين المواطن والدولة، كالنقابات والاتّحادات، لمنعها من لعب أيّ دور اعتراضي. حتى مذهبة الأندية الرياضية والجمعيّات الكشفية لمنع أي تخالط إيجابي بين المواطنين حول مفاهيم اجتماعية ومبدئية مشتركة. ورفعت كل الحواجز المذهبيّة بين المناطق لمنع تلاقي اللبنانيّين حول نضال سياسي موحّد. ومنعت قيام اقتصاد منتج يعيد لكل عامل شرف بناء مسيرته الخاصة والحرّة في الحياة بعيداً من التمنين الزبائني المذهبي المذل. فالزبائنيّة أرهقت المالية العامة وأفقرت المواطنين لمنعهم من المطالبة بأبسط حقوقهم.
 
والقائلون بفشل الانتفاضة بأحزابها ومجموعاتها الحديثة يتجاهلون كل ذلك، وكأنّ الانتفاضة أتت على صفحة بيضاء وكان بإمكانها خلال سنة واحدة تخطّي تداعيات كل هذه الممارسات. 
 
ويستند القائلون أيضاً بأنّ الانتفاضة فشلت، إلى فراغ الساحات وغياب التظاهرات الضخمة، كأنّ الوضع المعيشي المتردّي واهتمام الغالبيّة العظمى من اللبنانيّين بتأمين لقمة العيش اليوميّة وتضميد الجروح الناجمة عن انفجار 4 آب (أغسطس) وتفشّي وباء "كورونا" لا تأثير لها. ويغفلون أيضاً عن القمع المستشري للسلطة وأدواتها ومناصري أحزابها، إنْ كان عبر هجوم أتباع "الثنائي الشيعي" المباشر على المنتفضين في رياض الصلح، أو من خلال محاولات "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" و"تيّار المستقبل" وباقي شركائهم سرقة الانتفاضة. وهنا الإهانة للمنتفضين، فعلى الرغم من كل هذا القمع، اختصر المنادون بالفشل بالإشارة إلى انسحاب الجماهير، ومنهم النساء وأرباب العائلات. وتجاهلوا أنه برغم إصابتهم بالرصاص المطاطي أو الخردق أو بضربات البلطجيّة وإحراق الخيم أو قبضات ثورة "17 تشرين" حتى الأمس القريب كان يُعاد بناء ما دُمّر.
 
برغم كل ما ذكرناه عن الوعي العميق الاجتماعي لبروز هويّة المواطنة، فهل سياسياً حقّقت الانتفاضة أيّ هدف؟
إنّ سقوط الحكومات وإفشال عقد جلسات مجلس النوّاب وإلغاء مشروع سد بسري وانتخاب نقيب مستقل للمحامين وطرد السياسيّين من الأماكن العامة ونزع صفة "التأليه" عن الزعيم، كلّها مجتمعة لم تقتلع النظام، لكنّها زلزلت الأرض تحته.
وعندما شكّل الرئيس سعد الحريري حكومته عام 2017، اختلفوا على الحصص، وبالنتيجة توصّلوا إلى اتّفاق وشكّلوا حكومة تابعت الانقضاض على المال العام متجاهلة مصير شعب بأكمله.
 
واليوم، يعود الرئيس الحريري باتفاق ضمني أميركي فرنسي إيراني سعودي يفرض على السلطة شروطه. وعلى الرغم من ذلك، بات شركاء المحاصصة والتسويات خائفين ومضطربين لا ثقة بينهم. وحلفاء الأمس يتصارعون علناً ويتقاذفون التهم والشتائم والتّخوين. 
 
وعلى رغم هذا الدعم الدولي غير المسبوق، من أين أتى هذا الوهن؟ ولولا انتفاضة شعب أصابت حتى جمهورهم في الصميم وجعلتهم عراة لولا سيطرتهم على كل أجهزة الدولة.
 
 
ما هو الحل؟
 
كيف نكمل الطريق ونصل إلى الهدف المرجو، أي إسقاط المنظومة؟
 
هنالك رأيان. الأوّل يعتمد على الهروب إلى الأمام وتمنّي بأنّ سوء الأحوال سيؤدّي إلى انهيار، ليس فقط النظام برمّته، بل أيضاً سيُدخل البلد في صراع عنفي لا بل في حرب أهليّة مدمّرة. وهذا الرأي يعتقد أنّه من هذا الدمار الشامل يمكن إعادة بناء نظام جديد على أنقاضه. والمؤسف هنا، أنّه عدا استسهال الدمار والقتلى بعشرات الآلاف نتيجة انهيار كهذا، فإنّ هناك إغفالاً لحقائق سياسيّة وواقعيّة كارثيّة. 
 
أوّلاً، لقد ولّى زمن "الإنزالات" الدوليّة لفرض نظام جديد ديموقراطي في البلاد الفاشلة. ولا رغبة عند الدول في القيام بأي عمل، إذ إنّ مصالحها المباشرة غير مهدّدة. والمنحى التاريخي الحديث من احتلال العراق وسقوط معمّر القذّافي والحرب في سوريا واليمن وتدمير هذه البلاد هو خير دليل على وهم "الإنزالات" الخارجيّة الإنقاذية.
 
ثانياً، في الداخل من سيكون المتحاربون؟ هل المنتفضون الحضاريون والسلميّون ضدّ أحزاب الطوائف؟ بالطبع كلا. بل ستكون هذه الأحزاب نفسها هي التي ستتقاتل. وكم هو قصير بعد نظر المنادين بحرب كهذه بين هذه الأحزاب وكم قصيرة ذاكرتهم. وكلّها بدأت مقاومة ضدّ عدوٍ وانتهت منظّمات مسلّحة مذهبيّة ديكتاتوريّة ظالمة على البلاد والعباد!
 
الرأي الثاني، ونحن من طرحه في كانون الثاني (يناير) عام 2018 أي 8 أشهر قبل الانتفاضة، يقوم على فرض المعارضة كلاعب أساسي في الصراع السياسي من خلال فضح النظام وتبيان مساوئه وعمله التدميري التكويني بطبيعته، وطرح بديل سياسي مقنع على كل المستويات السياسيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة. والأفق المرجو لهذا الصراع هو التوصّل إلى تسليم السلطة التنفيذيّة لحكومة سياديّة إنقاذيّة مع صلاحيّات تشريعيّة، والتحضير أيضاً للانتخابات التشريعيّة المقبلة وقلب موازين القوى.
 
بعضهم يعتبر أنّنا طوباويون إذا كنّا نتوقّع إمكانيّة تخلّي المنظومة الحاكمة عن السلطة. وهذا نابع برأينا من عدم المعرفة بالنضالات السياسيّة عبر التاريخ، عندما يبدو المشهد السياسي مغلقاً وفجأة يتبدّل. بالتأكيد ليس هناك ضمانة على هذا الصعيد، ولكن ليس ذلك ضرباً من الخيال أيضاً، ولا من باب التمنّي الساذج. 
 
وبعضهم يعتبر أنّنا نهادن السلطة، وخصوصاً "حزب الله"، الطرف الأقوى فيها. وهنا الاستغراب الشديد، فهل هذا نابع من الجهل بمبادئنا ومواقفنا أو من شعبويّة غير مسؤولة؟
 
مع تأكيدنا أنّ موضوع سلاح "حزب الله" هو مسألة تُحلّ داخلياً لتفادي الحلول المفروضة خارجياً والتي دائماً ما أتت لمصلحة هذا الخارج وليس لبنان، وتاريخنا الحديث منذ عام 1975 شاهد على ذلك، فإنّنا نشدّد دائماً على أنّ السلاح خارج القوّات المسلّحة اللبنانيّة يمنع قيام دولة حديثة عادلة وسياديّة تطمئن الجميع، على أنّ هذا السلاح هو تعدٍ على سيادة الدولة. أما شعبويّة تصنيف موقفنا بالمهادنة فنردّه إلى القصور الفكري والمصلحة الخاصة والدعاية للرأي القائل بالهروب إلى الأمام وتمني "إنزالات" جيوش أجنبيّة، وهذا من الغباء وضرب للسيادة، أو التمنّي لحرب أهليّة مدمّرة وقاتلة تعيدنا إلى زمن الميليشيات المذهبيّة. 
 
غايتنا هي النضال السياسي من دون ملل أو مساومة على مبادئنا للتخلص من هذا النظام القاتل للبناني وإرساء لبنان الجديد، لبنان المواطنة، بعيداً، بالمسافة ذاتها، من الانهزاميّين والصبيانيّين على خطورة اقتراحاتهم. نعمل من أجل شعب لبنان وليس للشعبيّة الشعبويّة. هذه غايتنا، لا بل قدرنا كحزب سياسي لبناني، نواكب انتفاضة شعب بدأ يعي بثبات وعقلانيّة وقناعة مصلحته بعد غيبوبة دامت 180 عاماً.
 
 
*منسّق الإدارة السياسيّة في "حزب الكتلة الوطنيّة اللبنانيّة"
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم