إعلان

تونس وتعدد السيناريوات ... ماذا تخبئ "النهضة"؟

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
راشد الغنوشي
راشد الغنوشي
A+ A-
خطفت أحداث أفغانستان الأضواء من تطورات المشهد السياسي التونسي دبلوماسياً وإعلامياً، بعد أن وجهت الدول الغربية الكبرى، بوصلتها إلى زلزال كابول، ومثلها فعلت أهم وسائل الإعلام التي بات الشأن الأفغاني شغلها الشاغل الذي يتصدر نشراتها وعناوينها الكبرى. فقد خف الضغط على الرئيس التونسي قيس سعيّد الذي تقاطر عليه الدبلوماسيون والإعلاميون من كل حدب وصوب في الأيام الأولى التي تلت تجميده البرلمان وحلّه الحكومة، يستطلعون حقيقة ما جرى في أرض الخضراء.
 
وحتى وسائل الإعلام المساندة لـ"الإخوان المسلمين" والتي حرضت كثيراً في الأيام الأولى على ساكن قرطاج، صرفت أنظارها عن الشأن التونسي بعد أن سوقت لقراءة للأحداث مفادها أن ما قام به قيس سعيّد هو انقلاب، وكأننا إزاء قائد أركان جيوش تسلم السلطة بإراقة الدماء، ولا يتعلق الأمر برئيس للجمهورية منتخب ديموقراطياً وبالاقتراع المباشر من الشعب التونسي اتخذ قرارات في إطار دستور البلد وحصل جدل حول تأويلها. فهذه المنابر الإعلامية منتشية اليوم وسعيدة، تحتفل وتهلل بما قامت به حركة "طالبان" ونسيت تماماً أو كادت "الانقلاب التونسي" وما تعرض له راشد الغنوشي من مهانة وهو يحاول اقتحام مقر البرلمان.
 
وبالتالي فإن "حركة النهضة" تبدو اليوم أشد المتضررين من الحدث الأفغاني الذي حجب عنها الأضواء في وسائل الإعلام العربية المعروفة بدفاعها عن عموم التنظيمات الدينية وعن الحركات "الإخوانية" على وجه الخصوص. فلم تعد هذه القنوات وهذه الصحف تستضيف قيادات الحركة ومفكريها والمتعاطفين معها للحديث في منابرها عن انقلاب لا وجود له إلا في أذهان أصحابه، وهو ما جعل حالة من الرضوخ والقبول بالأمر الواقع تدب في أوصال الموالين لهذا التيار. 
 
ويبدو أن حالة الوهن تلك انعكست على قيادات الصف الأول في "حركة النهضة" التي باتت تصدر بيانات مسالمة مساندة لرئيس الجمهورية قيس سعيد وتتوعد قواعدها بالويل والثبور إن هي تعرضت بالشتم والقذف لرئيس الجمهورية وأفراد عائلته. كما يبدو أن هذه المتغيرات الجديدة هي التي دفعت رئيس الحركة الغنوشي إلى حل المكتب التنفيذي للحركة من دون أن يجد معارضة فعلية من أبناء "النهضة" سواء قيادات الصف أم الصف الثاني أم حتى القواعد.
 
ويبدو من خلال مجريات الأحداث أن الحركة "الإخوانية" التونسية ستجنح إلى التهدئة في الوقت الراهن، وستنتظر قرارات رئيس الجمهورية القادمة، وستتحرك لاحقاً على أساسها، وهي التي لم تجد الدعم الخارجي الكافي عربياً وغربياً لتتمرد على جملة الإجراءات التي اتخذها سعيّد والمتمثلة أساساً في تجميد البرلمان وحل الحكومة. فالكرة الآن في ملعب رئيس الجمهورية والكل في تونس وخارجها بانتظار ما سيقرره للمرحلة القادمة لإنهاء هذا الوضع الإستثنائي الذي يعيشه البلد.
 
ويحذر البعض في تونس من رد فعل "حركة النهضة"، ويؤكدون أن صمتها هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأنها تتحين الفرصة لتسحب البساط من تحت أرجل الرئيس سعيد من خلال القيام بعمل ما يعيدها إلى الواجهة بدعم من جهات أجنبية. فمسيرة الحركة تؤكد أنها تجنح إلى العمل السري كلما تم تضييق الخناق عليها، فتخطط في الخفاء وترد الفعل وتصعد حين لا يتوقع أحد منها ذلك، وتذهب بعيداً إلى حد انتهاج العنف وسيلة لتحقيق الغايات.
 
فلا يتصور عاقل أن الحركة ورئيسها سيغفران لقيس سعيّد ما فعله بهما أمام التونسيين والعالم، وهم الذين أصابهم الغرور وجنون العظمة واعتقدوا أن البلد بات مزرعتهم الخاصة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستحوذ غيرهم على هذه الغنيمة. فقد كان متوقعاً أن يتواصل عهدهم لعقدين أو ثلاثة وأنه عصرهم الذهبي بامتياز، أو عصر التمكين كما يطلقون عليه في أدبياتهم، لكن ساكن قرطاج باغتهم وأنهى هيمنتهم التي تواصلت لعقد من الزمان.
 
وللإشارة فقد انهزمت "حركة النهضة" في انتخابات سنة 2014 لكن الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي أرسل إليها طوق نجاة وأعادها إلى الواجهة وأشركها في الحكم فانقلبت عليه بعد سنتين من حكمه وحشرته في الزاوية من خلال دعم رئيس حكومته يوسف الشاهد الذي ارتمى في أحضان الحركة "الإخوانية". وعادت "النهضة" من جديد لتهيمن على المشهد السياسي بعد انتخابات عام 2019 ولم تأخذ العبرة من فشلها خلال فترة حكم الترويكا وقامت بتكرار الأخطاء التي جعلتها تخسر انتخابات عام 2014.
 
ولعل الفرضية التي تبدو أكثر واقعية هي تلك يرى أصحابها أن حال تونس سيبقى على ما هو عليه إلى حين انتهاء مدة التمديد الثانية التي أقرها سعيّد ثم يتم وضع قانون انتخابي جديد يقطع مع نظام الاقتراع على القوائم المغلقة الذي أفرز هذه المجالس النيابية التي أثارت امتعاض التونسيين. كما يرجح أن تجرى تعديلات دستورية تعرض على الاستفتاء يتم من خلالها تغيير شكل النظام من هذا الهجين إلى النظام الرئاسي، حتى أن البعض تحدث عن إمكان أن تتم العودة إلى دستور عام 1959 مع بعض التعديلات، وهو الدستور الذي توقف العمل به بعد ثورة 14كانون الثاني (يناير).
 
ويخشى البعض من أن يذهب سعيّد باتجاه فرض نظام يكرس الديموقراطية المباشرة، لا يعترف بالأحزاب السياسية، شبهه البعض على سبيل السخرية والاستهزاء بنظام معمر القذافي الجماهيري الذي اعتمد في ليبيا لأربعة عقود. لكن البعض الآخر يبارك هذا الخيار باعتبار الأداء السياسي الكارثي للأحزاب السياسية التونسية التي تسببت بدرجات متفاوتة في هذا الوضع المزري الذي وصل إليه البلد. 
        
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم