إعلان

"ناتو" شرق أوسطي بين الحلم والواقع

المصدر: النهار العربي- لبنى دالاتي
قوات عربية خلال مناورات.(أرشيف)
قوات عربية خلال مناورات.(أرشيف)
A+ A-
السياسة الحذرة التي تتبعها ادارة الرئيس الأميركي جو بايدن والتي تعتمد على مبدأ: "لا مزيد من الدول الفاشلة"، تعتبر أبرز مخطط للفريق المسؤول عن رسم خريطة سياسة بايدن في منطقة الشرق الأوسط.
 
ولعلنا إذا قرأنا سياسة أميركا الجديدة منذ تولي بايدن سدة الرئاسة لرأينا بوضوح أن أهداف الرئيس الأميركي تعتبر متواضعة الى حد ما، في الظاهر، ولكنها في المقابل أبرزت مدى عمقها وطبيعتها العملية، لتكون عملة واحدة ذات وجهين، سياسة حذرة ومنكمشة بعض الشيء من جهة، وسياسة مبنية على الحد من التدخل الأميركي المباشر في المنطقة، من جهة أخرى.
 
لطالما كانت الأهداف الأميركية مزدوجة ومتعددة، وكان أبرزها مؤخراً، المساعدة في احتواء إيران مع خلق السياق الذي يسمح للولايات المتحدة بفك ارتباطها بصراعات الشرق الأوسط، مع هدف أساسي وهو أن يصبح الأعضاء الأوروبيون في الناتو أكثر انخراطًا في القتال ضد الجمهورية الإسلامية.
 
هذا الأمر سيسمح للأميركيين بالانسحاب أكثر من المنطقة، كما سيمكنهم من أن يلعبوا دورًا أكبر من أجل احتواء طهران. باختصار، تتمثل الفكرة الأميركية في ضمان أن تمارس الدول الأوروبية دورًا عسكريًا أكثر نشاطًا في الشرق الأوسط، بينما توفر الدول العربية التي ستنضم إلى حلف الناتو - ولا سيما دول الخليج - تمويل العمليات العسكرية.
 
انه قانون موازنة جديد للرئيس بايدن الذي زار إسرائيل والسعودية والمناطق الفلسطينية، في إطار جولة أولى في الشرق الأوسط والتي تعين عليه خلالها إدارة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والتوترات مع إيران والمفاوضات مع السعودية... هذه هي السياسية التي تعتمدها أميركا دائما في شتى المواقف، والتي تقوم على مبدأ" ضرب عصفورين بحجر واحد".
 
من ناحية أخرى، تعتبر التحولات التي عصفت بالمنطقة كثيرة ومتشعبة الى حد أنها غيرت خارطة السياسية الخارجية بشكل كبير، فلم يعد الشرق الأوسط كما كان عليه قبل أربعين عاماً، بدءاً من الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وأحداث "الربيع العربي" التي لا تزال تداعياتها حتى اليوم، واتفاقات التطبيع مع اسرائيل، هذه التحولات بمجملها أفرزت واقعاً جديداً.
 
واذا أعدنا عقارب الساعة الى الوراء، فبعد القضاء على الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، طالب الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب بمشاركة أكبر عدد من الدول لتأسيس حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط، كما أعلن عن طموحه لدمج الدول العربية في تحالف عبر الأطلسي.
 
هذا التبادُل، الذي كان تحدث عنه ترامب في خطاب ألقاه في 21 حزيران (يونيو) 2017 في الرياض أمام قادة الشرق الأوسط والخليج، أكد فيه أن "أميركا لا يمكن أن تكون وحدها في الشرق الأوسط، دول المنطقة  يجب أن تشارك في هذا الحلف".
 
واليوم تغير الرئيس الأميركي لكن الخطة لم تتبدل. ها هو العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يعلن تأييده إنشاء حلف «ناتو» شرق أوسطي، مؤكداً أنه يدعم تشكيل تحالف عسكري في الشرق الأوسط على غرار حلف شمال الأطلسي "مع الدول التي لديها التفكير نفسه"، كما أعرب عن رغبته في رؤية المزيد من البلدان في المنطقة تنخرط في هذا المزيج، واشترط أن تكون رؤية هذا التحالف العسكري واضحة جداً، وأن يكون دوره محدداً بشكل جيد، ويجب أن يكون بيان المهمة واضحاً، مما دفع بالعديدين الى اعتبار هذا الكلام بمثابة أول تصريح رسمي لمسؤول عربي كبير حول ما كان يتردد عن تشكيل تحالف «ناتو» شرق أوسطي.. فها هو الحلم الأميركي يتحقق وآمال العم سام تدخل حيز التنفيذ.
 
حاليا، انضمت أربع دول من مجلس التعاون الخليجي (البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة)، إلى عمان والمملكة العربية السعودية أيضًا في بعض الأنشطة في إطار مبادرة إسطنبول للتعاون، هذه المبادرة التي ستبقى مفتوحة أمام جميع الدول المهتمة في الشرق الأوسط التي تلتزم بأهدافها ومبادئها  رغم أن المشاورات الأولى قد جرت مع أعضاء مجلس التعاون الخليجي.
 
قد نعتقد أن هذا سيكون سببًا كافيًا للدول التي تهددها إيران لتصبح جادة بشأن تحالف عسكري إقليمي، لكن على الرغم من تعاونهم الوثيق في القضايا الأمنية، فإن لدى الإسرائيليين والعرب تصورات مختلفة عن التهديدات بشأن إيران، بالإضافة إلى استراتيجيات مختلفة حول كيفية التعامل مع طهران وهذا الأمر سيربك أي آمال في المهمة "الواضحة للغاية" التي يفكر بها ملك الأردن عبدالله الثاني، حيث كان واضحاً في حديثه عندما أعلن تأييده إنشاء حلف عسكري في المنطقة، على غرار الناتو، بعد زيارته إلى الإمارات ولقائه رئيسها محمد بن زايد.
 
ولكن.. هذا التحالف، بشكله المبدئي بدأ يواجه فعلياً عدداً من التحديات التي قد تحول دون تحوله إلى حقيقة عملية، فتصريحات المسؤولين العرب حول الفكرة تحمل في طياتها تناقضاً واسعاً من حيث الشكل والمضمون. فلقد أعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، خلال  مقابلة مع صحيفة "النهار العربي"، أنه لم يطرح عليهم  ناتو بمعنى ما قيل في الإعلام، ولا يوجد حديث حول منظومة دفاعية إقليمية تكون إسرائيل جزءا منها.
 
وفي هذا السياق، لا يمكننا أن نتغاضى عن التطورات الأخيرة التي طرأت، أولاً قامت إسرائيل بتطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية وتتجه نحو ترتيبات مماثلة مع دول أخرى، مما يعني أن الجيش   الإسرائيلي سيكون على الأرجح جزءًا من أي تحالف جديد، وثانياً الخطر الذي تمثله إيران أصبح أوضح وأقوى من أي وقت مضى. في المقابل، ستبقى الدول التي ترفض التطبيع مع اسرائيل رافضة لأي تحالف قد يضم إسرائيل، وبالتالي سيثير حفيظة المقاومة الفلسطينية و"حزب الله"، فهذا الأمر سيلقى رفضاً واضحاً من قوى المقاومة التي ترى أن توسع العلاقات العربية مع إسرائيل أو نشوء تحالفات عسكرية معها يعد تهديداً كبيراً لها.
 
ومن ناحية أخرى، قال وزير الخارجية المصري سامح شكري، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره البحريني عبد اللطيف الزياني، إن فكرة إنشاء تحالف عسكري عربي على غرار حلف "الناتو" ليست مطروحة على الطاولة الآن، كما أكد أن "إنشاء تحالف أو تنظيم قانوني أمر يجب أن يسلك طريق التشاور، وليس مقترحا في الوقت الحاضر"
 
فهل يكون مصير فكرة تدشين تحالف عسكري جديد في المنطقة الفشل برمته  لينضم إلى الأحلاف التي تشكلت على مدار العقود الماضية، بداية من "حلف بغداد" في خمسينيات القرن الماضي، والتي فشلت بمعظمها؟
ستبقى الأيام وحدها خير مجيب على هذا السؤال، وستظل الدولة العرابة لاعبة كبيرة وسيدة المواقف في فن التخطيط الاستراتيجي وفي تبديل أدوار الدول حسب مصالحها الخاصة، تحت عبارة" كش ملك".
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم