إعلان

تراشق ألاسكا وتغيير قواعد اللعبة... أميركا والصين و"حرب الحلفاء"!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
اجتماع ألاسكا الأميركي الصيني
اجتماع ألاسكا الأميركي الصيني
A+ A-
في أول مؤتمر صحافي له، الأسبوع الماضي، تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن بمنع الصين من أن تصبح الدولة الأغنى والأقوى في العالم، بدلاً من الولايات المتحدة، واستدرك، أنه لا يسعى لمواجهة مع الصين، بل إلى منافسة عادلة، موضحاً أنه بحث، مع زعماء أستراليا والهند واليابان، "محاسبة الصين" على تصرفاتها، كما سيناقش مع الزعماء الأوروبيين آليات "كبح جماح بكين". ولم يفت بايدن أن يطالب الصين بالالتزام بـ"قواعد اللعب" على الساحة الدولية... فما هي تلك القواعد؟ وإلى أي مدى يمكن الالتزام بها؟ وما نتيجة ذلك على استقرار العالم؟ لا سيما أن بكين هي أقوى منافس لواشنطن، منذ القرن التاسع عشر، والمنافسة بينهما لا تنذر بعودة "الحرب الباردة"، بل ما هو أخطر بكثير!.
 
اجتماع عاصف
تصريحات بايدن ضد الصين، أتت بعد أيام من اجتماع عاصف، بين الأميركيين والصينيين في ولاية ألاسكا الأميركية... برودة الطقس لم تمنع سخونة المواجهة بينهما، وصولاً إلى تبادل الاتهامات وحتى التهديدات. اتهم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الصين بانتهاك حقوق الإنسان في هونغ كونغ وشينجيانغ، وتهديد النظام والاستقرار العالميين، عبر الهجمات الإلكترونية على الولايات المتحدة والإكراه الاقتصادي لحلفائها... وأوضح مستشار الأمن القومي جيك سوليفان أن إدارة بايدن تتطلع لتغيير السلوك الصيني وإعادة ضبط العلاقات المتدهورة بين البلدين.
 
في المقابل توعّد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني يانغ جيتشي باتخاذ "إجراءات حازمة" ضد "التدخل الأميركي"، داعياً واشنطن إلى التخلي عن "عقلية الحرب الباردة"، وأضاف أن "الولايات المتحدة تستغل قوتها العسكرية وسطوتها المالية لفرض وصاية طويلة الأمد وقمع الدول الأخرى"، واتهمها بالعمل على عرقلة التعاملات التجارية وتحريض بعض الدول على مهاجمة الصين"، وقال إن "الأميركيين ليسوا مؤهلين للتحدث مع الصين بطريقة متعالية". وأضاف: "نحن دولتان رئيسيتان في العالم، ويجب علينا أن نتجنب المواجهة، وعليكم أن تتوقفوا عن التدخل في شؤوننا الداخلية فوراً".
 
سر التناطح
في دراسة منشورة، تقرع مؤسسة "بروغنوز" السويسرية للبحوث والاستشارات ناقوس الخطر من المد الاقتصادي الصيني الذي ينذر بفقدان الهيمنة الاقتصادية الأميركية، وهذا هو السر وراء التناطح بين العم سام والتنين، ويبرز التلاسن بينهما - في ألاسكا - أن علاقاتهما مرشحة لمزيد من "الصراع" و"التعاون" في آن، وذاك فارق جوهري مهم عما دار خلال "الحرب الباردة" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي؛ كان التعاون الاقتصادي شبه معدوم بين الكتلتين الشرقية والغربية، واليوم تعد الصين إحدى الدعامات الرئيسية للاقتصاد العالمي، واقتصادها مندمج مع الاقتصاد الأميركي؛ ويتجاوز حجم التجارة بينهما 500 مليار دولار سنوياً، ناهيك بأن الصين هي أكبر دائن لأميركا، والأخيرة هي المصدر الأساسي للتقنيات الفائقة للأولى. إنها "علاقة إشكالية بالغة التعقيد"، فيها من الحب بقدر ما فيها من البغضاء، إن جاز الوصف؛ المعزوفة التي تصدح في زوايا البيت الأبيض، حالياً، هي: "مواجهة الصين إن كان ذلك ضرورياً، والتعاون معها إن كان التعاون ممكناً". من ناحيتها، تتخذ الصين موقفاً مشابهاً، فهي تعبر عن رغبتها في تأسيس علاقات بنّاءة، بينما تصرّ في الوقت عينه على إعلاء مصالحها الخاصة!.
 
إحياء التحالفات
تتمتع الولايات المتحدة بسوق كبيرة وقدرة شرائية عالية، ومن أجل الحفاظ على الزعامة العالمية، تسعى إلى إعادة هيكلة اقتصادها وإحياء صناعاتها والحفاظ عليها من خلال برنامج إنقاذ، لتلافي تأثيرات كورونا، يصل إلى 1.9 تريليون دولار، كما تحاول الاحتفاظ بتفوقها الظاهر، في مجالات الذكاء الاصطناعي وعوالم الإنترنت، إذ تعهد بايدن برفع الإنفاق على الأبحاث العلمية إلى 2 في المئة من الناتج القومي، بعد أن تراجع إلى أقل من 0.7 في المئة، مع فرض مزيد من الإجراءات الحمائية. أيضاً تعمل على إحياء تحالفاتها التقليدية وشراكتها مع أوروبا وكندا والمكسيك ودول جوار الصين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما، بعد أن تضررت في عهد ترامب. وكانت أول زيارة خارجية لوزيري الخارجية والدفاع الأميركيين إلى طوكيو وسيول ثم بروكسل؛ لإظهار التزام واشنطن تحالفاتها، وقد عبر بلينكن بوضوح عن الهدف من وراء ذلك، قائلاً: "في القضايا التجارية والاقتصادية، تمثل بعض ممارسات الصين مشكلة بالنسبة إلينا جميعاً، وعندما تشرك الولايات المتحدة بكين في هذه القضايا وحدها، ربما سيكون لدينا بعض التأثير لأننا نمثل نحو 25 في المئة من الناتج العالمي؛ لكن عندما نعمل مع حلفائنا، بما في ذلك في أوروبا وآسيا، قد تصل النسبة إلى 60 في المئة من الناتج العالمي، وهذا أصعب قليلاً بالنسبة إلى بكين من أن تتجاهله"، لافتاً إلى ما سمّاه "ارتفاع منسوب عدائية الصين" تجاه بلاده.
 
هذا المسعى الأميركي حقق نجاحاً مبدئياً، بفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، مؤخراً، عقوبات على الصين، لاتهامها بانتهاكات في إقليم شينغيانغ. وهو ما اعتبرته الصين بمثابة "حرب عصابات"، وقالت الخارجية الصينية إن الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، التي تؤطّر تحالفها استخباراتياً، من خلال "العيون الخمس"، "نسّقت عقوبات، كما لو أنها تبدأ قتالاً بين عصابات"، وأضافت: "انظروا إلى الخريطة، وستدركون أن لدى الصين أصدقاء في كل أنحاء العالم".
 
أكبر اتفاق تجارة حرة
تبدو بكين مستيقظة لتكتيكات إدارة بايدن، في حشد حلفاء الولايات المتحدة للضغط عليها، ووفقاً لصحيفة "الواشنطن بوست"، فقد دفع هذا الصين إلى تعزيز علاقاتها مع شركائها، الذين يمثلون بعضاً من أكثر المناطق الجيوسياسية المربكة التي تواجه رؤساء الولايات المتحدة، مثل روسيا وكوريا الشمالية وإيران.
 
موسكو من جهتها دخلت على خط التصعيد الأميركي - الصيني، إذ زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الصين عقب اجتماع ألاسكا، وحضّ بكين على توحيد الجهود مع موسكو؛ من أجل تفكيك قبضة واشنطن على العالم سياسياً واقتصادياً، كما قام وزير الخارجية الصيني وانغ يي بجولة شرق أوسطية، شملت السعودية وتركيا والإمارات وإيران التي وقعت اتفاق شراكة شاملة مع الصين بقيمة 400 مليار دولار، حيث وصف الرئيس الأميركي الاتفاق بالمقلق.
 
الخطوة الأكبر والأكثر نجاحاً للجانب الصيني، في مواجهة أميركا، هي "حرب التكتلات"، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وقبيل الانتخابات الأميركية، أعلنت الصين توقيع 15 دولة من آسيا والمحيط الهادئ، أكبر اتفاق للتجارة الحرة في تاريخ العالم، ويضم: الصين وأستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وفيتنام وتايلاند والفلبين ولاوس وكمبوديا وميانمار وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وبروناي، ويغطي الاتفاق 30 في المئة من سكان العالم، و29 في المئة من الناتج العالمي، وهي المرة الأولى التي تدخل فيها قوى آسيوية متنافسة، الصين واليابان وكوريا الجنوبية، في اتفاق تجارة حرة واحد؛ لذلك يرى مايكل بلامر أستاذ الاقتصاد في جامعة جونز هوبكنز، أن الاتفاق يضيف 186 مليار دولار لحجم الاقتصاد العالمي و0.2 في المئة للناتج المحلي الإجمالي لأعضائه، وفي الوقت نفسه مكّن الصين من تشكيل تجمع اقتصادي، يحل محل اتفاق التجارة العابرة للمحيط الهادئ، والذي انسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عام 2016، مقوضاً بذلك جوهر الإستراتيجية الأميركية للمواجهة مع الصين، بما يجعل محاولة إدارة بايدن للهيمنة على المحيط الهادئ ومحاصرة الصين واحتوائها مهمة عسيرة للغاية، لكنها ليست مستحيلة... وقد نصّت وثيقة إستراتيجية السياسات الخارجية الموقتة لإدارة بايدن على أن "صيناً أكبر نفوذ والأكثر إثباتاً لوجودها هي المنافسة الوحيدة التي لديها القدرة على حشد قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتقنية؛ لتحدي النظام العالمي المستقر والمنفتح بشكل دائم".
 
المأزق الأميركي
لكن المأزق الأميركي ينبع من أن الصين دولة نشيطة، ولا تنشغل لحظة عن التخطيط للمستقبل ضمن رؤية استراتيجية، متجاوزة للعقبات الآنية والطارئة كوباء كورونا والأزمة الاقتصادية العالمية، وهي تتمدد بنجاح عبر مشروع "طريق الحرير الجديد" في آسيا وأوروبا وإفريقيا، للهيمنة على أوراسيا، لربطها بالاقتصاد الصيني وكسر التحالفات الأميركية؛ لهذا كان لافتاً أن يقترح بايدن على رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون "إنشاء طريق حرير" غربي بديل لطريق الحرير الصيني؛ لذلك يبدو أن قيام كتلتين اقتصاديتين تتزعمان عالمنا إحداهما في عهدة واشنطن والأخرى تقودها بكين بات مسألة وقت، أما أشهر "قواعد اللعبة"، فهي "غياب القواعد"، وذاك حديث آخر!.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم