إعلان

محاكمة ترامب أم "الترامبية"؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب. أ ف ب
الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب. أ ف ب
A+ A-
كيف تعزل المتقاعد؟ كيف تقيل المستقيل؟ كيف تُرحّل الراحل؟ هذا السؤال بصيغه المختلفة يطرحه اليوم ملايين الأميركيين والمهتمين بالشأن الأميركي والديموقراطية عند أكبر معتنقيها وناشريها.
 
الإجابة تعتمد، الى حد كبير، على المسؤول. فالبعيد عن بنود الدستور الأميركي في ما يتصل بعزل الرئيس يحيّره الأمر، وقد يفسّره بتخبط المشرّعين أو يدفعه الى تصديق نظرية المؤامرة التي يردّدها دونالد ترامب ويصدّقها جمهوره. أما القانونيون وخبراء الدستور، وخاصة في الأقسام المتخصصة في الجامعات والإعلام، فالأمر مختلفٌ عليه. وكثيراً ما يؤثر توجه الدارس السياسي والفكري على رأيه.
 
حالات عزل الرئيس
 
الدستور الأميركي سمح بعزل الرئيس في حالتين، الأولى إصابته بعجز يمنعه من مواصلة العمل بكفاءة، وبشهادة ثلثي الوزراء ونائب الرئيس واقتناع أغلبية الكونغرس، وهي أسرع طريقة لعزل الرئيس، وتولية نائبه في الفترة المتبقية من ولايته. وهذا الأمر لم ينطبق على ترامب، كما أوضح نائبه، مايك بنس، وجادل بذلك كثير من فقهاء الدستور وقادة الحزب الجمهوري.
 
والطريقة الثانية، هي محاكمة الرئيس في حال ارتكابه جرماً مشهوداً ومثبتاً، ولكن مع الالتزام بضوابط دقيقة وصعبة لإجراءات المحاكمة والحكم بالإقالة.
 
تبدأ الخطوة الأولى بإجماع مجلس النواب بأغلبية بسيطة على أن القضية تستحق العزل، ورفع قرارهم الى مجلس الشيوخ مع كل الأدلة والحيثيات ووفق الإجراءات القانونية المتبعة. وهذا ما تم بإجماع الديموقراطيين وموافقة عشرة فقط من الجمهوريين.
 
والخطوة الثانية، أن يقوم الشيوخ بالنظر في عدالة القضية وصحتها، وفي حال الاتفاق على ذلك يتم تسليم فريق الدفاع عن الرئيس نسخة من الادعاء وملف القضية، ومنحهم مهلة كافية للاستعداد للمحاكمة، وهذا ما تم. إلا أن الاتفاق نفسه معقود على موافقة الجميع. إذ يكفي أن يعترض عضو واحد من حزب الأقلية، بدون إبداء الأسباب، لرد القضية، وهذا ما لم يتم.
 
المحاكمة
 
وهنا يدعو الشيوخ الى جلسات مفتوحة، حيث يتم الاستماع لممثلي مجلس النواب وللرئيس أو محاميه، ومناقشتهم حول ردودهم، وطلب الاستيضاحات من الطرفين. وقد تم ذلك بتحديد يوم 8 شباط (فبراير) 2021 ثم تعديله الى 9 شباط (فبراير).
 
وبعد انتهاء المرافعات، ترفع الجلسة للمداولة، ثم التصويت على الحكم بعزل الرئيس. فإذا وافق ثلثا المجلس على العزل، تم. وحالياً ينقسم المجلس الذي يمثل شيوخه الولايات الخمسين، بمعدل اثنين لكل ولاية، أي 100 عضو، بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي، مع صوت لنائب رئيس الجمهورية، الذي يعتبر رئيس الكونغرس.
 
وعليه، يحتاج الديموقراطيون، إذا اتفقوا جميعاً على العزل، موافقة 17 شيخاً من الحزب الجمهوري، وهو أمر بعيد المنال، ولم يحدث من قبل. ففي المرات الثلاث التي وصل فيها قرارا العزل الى مجلس الشيوخ، صوّت الديموقراطيون لمصلحة براءة بيل كلينتون في قضية مونيكا لوينسكي (1998)، وصوّت الجمهوريون قبل أشهر لمصلحة ترامب في قضية استغلال النفوذ مع أوكرانيا والتعاون من روسيا في التأثير على انتخابات 2016 بتسريب بريد منافسته هيلاري كلينتون. وكان ريتشارد نيكسون أول رئيس يصدر قرار عزله من مجلس النواب، وإن لم يحاكمه الشيوخ أو يتعرض لأي مساءلة لاستقالته من منصبه، ثم حصوله على عفو من نائبه جيرالد فورد فور تسلّمه الرئاسة.
 
"راحت السكرة وعادت الفكرة"
 
وبرغم أن قضية تحريض الأتباع على رفض نتائج الانتخابات، ما أدى الى اقتحام الكونغرس، لاقى رفضاً وإدانة من جميع الأعضاء، من الحزبين، إلا أن المشاعر هدأت، وساهم في تخفيف الاحتقان إدانة ترامب نفسه لما حدث والقبول بالهزيمة والانسحاب بهدوء. كما أن فتح الباب أمام محاكمة الرؤساء السابقين قد يقود الى محاكمة باراك أوباما على ملفات قديمة، كتوجيهه بإغلاق التحقيق في جرائم "حزب الله" من إرهاب وتهريب مخدرات وغسيل أموال، والتغطية على انتهاكات إيران وعملائها في سوريا والعراق لحقوق الإنسان وجرائم الحرب، وعلاقتها بـ"القاعدة" و"داعش"، لتسهيل قبولها الاتفاق النووي.
 
وقد يقود هذا التوجه الى ردة فعل بطلب محاكمة كل عضو في الحزب الديموقراطي حرّض المتظاهرين في تظاهرات "حياة السود مهمة"، ما قاد الى عنف ذهبت ضحيته أرواح وممتلكات حكومية وخاصة تقدر بمليارات الدولارات.
 
والأهم من ذلك، أن وعد الرئيس بايدن بتوحيد الصف الحزبي، ومواجهة الانقسام المجتمعي، والتطرّف المسلّح، وطي صفحة الماضي، والتركيز على تحديات الحاضر، ستصاب بجلطة دماغية، تعيق أي توافق على مشاريع الرئيس الجديد. وأهمها داخلياً: خطة إنقاذ الاقتصاد ومواجهة الوباء والقوانين الليبرالية المختلف عليها، كالمساواة، وتشريع الإجهاض وزواج المثلية، وتشجيع الهجرة، وتجنيس 11 مليون مقيم غير شرعي. وأبرزها خارجياً أيضاً مواجهة روسيا والصين وإيران وتركيا، ومصالحة الحلفاء التقليديين والعمل الجماعي عبر الأمم المتحدة والاتفاقات الدولية، كاتفاق المناخ وعضوية منظمة الصحة العالمية ووكالة الأونروا. وعدم تحقيق هذه الأجندة يعني فشل الرئيس في الوفاء بوعوده وقدرته على تنفيذ خطة المئة يوم الأولى، والسنوات الأربع المقبلة، وبالتالي ضياع فرصة إعادة انتخابه أو نائبته.
 
الخطة "ب"
 
كما يتحسب المعتدلون، في الحزبين الديموقراطي والجمهوري، للانتخابات النيابية بعد عامين، والتي يسود التوقع أن تعود فيها الأغلبية الى الحزب الجمهوري، واستبدال النواب الجمهوريين المعتدلين، لمصلحة محافظين يمثلون رؤية ترامب، ويحملون أجندة ناخبيهم للانتقام له، وتثبيت إنجازاته، وتعطيل الأجندة الديموقراطية بغض النظر عن جدواها. وهو ما سبق أن فعله الديموقراطيون مع ترامب.
 
ولذلك يسعى خصوم ترامب، بتعاون مع بعض الجمهوريين، الى تنفيذ الخطة "ب"، وهي إصدار قرار بتوبيخ ترامب، يحتاج 60 صوتاً فقط لتمريره، أي 9 أصوات جمهورية، بحال إجماع الديموقراطيين وتصويت نائبة الرئيس. إلا أنه حل لا يرضي دعاة العزل، لأنه لا يحرم الرئيس السابق من العمل السياسي مستقبلاً.
 
إذناً، ما الذي يدفع نانسي بيلوسي وغيرها من الديموقراطيين اليساريين والليبراليين، وعدداً من قيادات وأعضاء الحزب الجمهوري، الى السعي المستميت لقرار العزل؟ السبب يتجاوز مشاعر الغضب والحقد الشخصي الذي يحمله خصوم الرئيس السابق، ورفضهم لانتخابه ومحاولتهم على مدى أربع سنوات عزله وإفشال مهمته، الى الخوف من تأثيره على المشهد السياسي من مقاعد المعارضة.
 
"الترامبية"
 
خطة ترامب كانت ترتكز على استحضار المظلومية في سرقة الانتخابات وتعطيل أجندته السياسية ومحاولات عزله، لإنشاء حزب جديد تحت مسمى يمثل رؤيته مثل "أميركا أولاً" أو "حتى تعود أميركا عظيمة"، واجتذاب النواب والشيوخ المحافظين من الحزبين لعضويته، وإنشاء قناة تلفزيونية ومنصة تواصل اجتماعي وربما صحيفة تمثل رؤية الحزب. وإذا تحقق ذلك، فسيتمكن الرئيس السابق من استخدام 75 مليون دولار جمعت لحملته وغيرها لمصلحة مرشحي حزبه في الانتخابات النيابية لسنة 2022، وإفشال مشاريع الرئيس جو بايدن، وترشيح نفسه للرئاسة سنة 2024 باعتباره "الرئيس المنقذ".
 
هذه الخطة ستؤدي الى انقسام الحزب الجمهوري وإضعافه، وغلبة التيار المحافظ على الكونغرس والرئاسة والقضاء، وتحقق تحول تاريخي لإعادة أميركا الى المسار الذي يفتقده نصف السكان على الأقل، وهو قيادة الرجل الأبيض، وتقديم المصلحة الأميركية على المصالح الدولية، والعمل الدولي المنفرد، وإعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية على حساب الأجندة البيئية وحقوق الإنسان، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على حساب الشركات الكبرى، وإعادة الاستثمارات الخارجية لتوفير الوظائف داخلياً، ودعم قطاعات الصناعة والزراعة والتعدين والطاقة بفرض الضرائب على المستورد وتعديل الميزان التجاري مع شركاء كالصين واليابان ودول الاتحاد الأوروبي.
 
ومن هذا نخلص الى أن محاكمة ترامب ليست محاكمة لفرد، ولكن لإيديولوجيا لها تداعيات وجودية. محاكمة لما اصطلح على تسميته بـ"الترامبية"، وهي رؤية إن تحققت خسرت الأحزاب ومعها الساسة التقليديون والإعلام التقليدي وعدد من الشركات الكبرى المسيطرة على الاقتصاد الأميركي، وربحت صناعات السلاح والطاقة ورواد الأعمال في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. واجتماعياً ستؤدي الى تمكين نصف المجتمع على حساب النصف الآخر، سياسياً واقتصادياً وعقائدياً ... وعلى هذا يتنافس المتنافسون!
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم