إعلان

مدينة نساء "داعش" سؤالُ فشلٍ للجميع... هل نحن قادرون على تقديم بديل لمشروع "التوحش الداعشي"؟

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
مخيم الهول
مخيم الهول
A+ A-
في الأصل كان تقدير التحالف لقوات "داعش" في سوريا والعراق بنحو 40 الف مقاتل، وبعد تدمير الإمارة الإسلامية، أعلنت قوات التحالف عن مقتل عشرة آلاف منهم. واختفى الباقون! وخلفوا وراءهم عائلاتهم وأطفالهم. وما أدراك؟
 
على بعد 35 كلم شرق الحسكة يقع مخيم الهول، انه مخيم للعائلات التي خلفها مقاتلو "داعش"، وتتضارب المعلومات عن تعداد سكانه، او معتقليه او شاغليه. في المخيم ما يراوح تعداده بين 60 – 65 ألف شخص، يشكل العراقيون نصفهم، وبينهم أطفال بما يقدر بـ 28 ألفاً. تدير المعسكر "قوات سوريا الديموقراطية" التي شكلت رأس الحربة والقوة العملياتية الرئيسية في دحر "داعش" في سوريا. وينتمي قاطنو المخيم الى 57 دولة. 
 
إنها مدينة بكل المعاني، أقرب للفلوجة منها إلى غوانتانامو. إنها مدينة صغيرة، فيها سوق للخضر والبضائع، وتجار وسوق للذهب ووسائل نقل، الخ... كلها معلن وفي وضح النهار، لكن الخافي هو الأعظم والأهم. الخلاسي الخافي هو الذي يحمل المغزى، ذلك أن فيها محاكم وإعدامات وعقوبات جسدية وغرامات وسجناً وسلطات أمر ونهي وزواجات ومدارس دينية. 
 
يقر المشرفون على المدينة أن لدى "داعش" شبكة من الممثلين السريين الذين يتولون التراسل مع "الخلافة" من خارج المدينة. وهم يديرون عمليات الاغتيال المنهجية في محاولة إرهابية لفرض سيطرة التنظيم على حياتها. 
 
لكن الأكثرية في هذه المدينة من "الجنس اللطيف"، وتتسربل فيها النساء في جلابيب قسرية، وتُجلد وتُحبس في أقفاص علنية المرأة المخالفة لأوامر "نساء الحسبة"، ويدير تنظيم "الخلافة" تنظيم "الحسبة" النسائي الذي يرتب تأمين السلاح والعمليات اللوجستية ومنظومة الاتصالات والإدارة التعبوية والمالية والنقل من داخل المدينة واليها.
 
السلطة في هذا المخيم هي لقوات التحالف ولقوات "قسد" المؤتمنة عليه، ولكن "داعش" يسعى لفرض هيمنته عملياً على الحياة اليومية، إذ تعرف قوات التحالف أن المداهمات الفجائية والعمليات الاستخبارية داخل المدينة الصغيرة لم تكن سوى تدابير تلطيفية فاشلة للتخفيف من وطأة تنامي هيمنة "الحسبة" النسوي. وفي لحظات معينة اشتكت قوات "قسد" حتى من عدم قدرتها على سحب جثة قتيل في المدينة بسبب عدم الأمان. 
 
يتحدث الصحافيون الذين زاروا مدينة الهول، عن استقبالهم بالحجارة من قبل أطفال المدينة. ويتحدثون عن أن نظرة واحدة الى المخيم توضح مدى تراجع سيطرة قوات التحالف على المدينة وتراخيها. الأسلاك الشائكة المتهالكة، الحراس المعرضون لشتى المغريات والضغوط، المسؤولية التي تفوق مقدرات "قسد"، ونساء "الحسبة" اللائي يبدين أكثر ثقة بالنفس من أي وقت مضى. وتتحدث بعض التقارير عن عمليات جمع للأموال لمصلحة تنظيم "الخلافة". 
 
في مسعى الى حل مشكلة أعضاء التنظيم من السوريين، يكفل بعض زعماء العشائر المحليين عوائل وأشخاصاً على ذمتهم، ولكنهم، في كثير من الأحيان يكفلون أشخاصاً لا يعرفونهم، كما أن العديد ممن يهربون بأشكال مختلفة من الرشوة والخداع سرعان ما يختفون بعد مغادرتهم، ليظهروا في تنظيمات متطرفة في مناطق أخرى.  
 
رغم كون هذا المخيم تحت السيطرة العملية لقوات التحالف، والتي أنابت بدورها قوات "قسد"، فإن "قسد" تتحدث عن أن ليست لديها المقدرة المادية والأمنية واللوجستية على السيطرة على المدينة. 
 
تضغط الولايات المتحدة على الدول الغربية لاستعادة مواطنيها وأولادها، لكن هذه الدول ترفض. ومن يقبل منها، يتلكأ لشهور طويلة خوفاً من صعود اليمين المتطرف في "الانتخابات المقبلة".
 
هذه المدينة ليست بالسجن، فهي خارج كل منظومة للقانون والقضاء الدولي، ولا هي خاضعة لأي نظام قانوني في بلد انهارت فيه سيادة الدولة والقانون، وتسيطر فيه حلقة شيطانية للعنف والتطرف. لكن المؤكد أن هذه الظاهرة – المدينة، إن تركت، ستتعفن لتطلق في ساعة موعودة نتنها في الإقليم بأسره. إنها شاهد على فشل منظومة القانون الدولي وفشل دول الإقليم في معالجة الإرهاب.
 
في مناخ من الصراع الدولي المتصاعد، يحتدم النقاش أيضاً في تأطير هذه الظاهرة الفريدة، لبشر غير مدانين ولا مجرمين ولكن غير مرغوب بهم من أي دولة. وتختلط في سياق الصراع على الموقف القانوني الدولي مفاهيم السيادة وحدودها ومفاهيم حقوق الانسان وحق التدخل لحماية هذه الحقوق، بحيث يستحيل عملياً إنتاج موقف دولي لتأطير هذه الظاهرة. 
 
الدول الشمولية ترغب في استرجاع مواطنيها، لأنها لا تحتاج لغطاء قانوني صعب لـ"تدبر أمرهم". الدول الديموقراطية ينتظر زعماؤها الانتخابات المقبلة كي يتمكنوا من تجنب رد فعل اليمين المتطرف. البشرية بأسرها تعاملهم كجمرة لا تريد حملها ولا تدري كيف تطفئها. إنها تترك عبئها الكبير على قوات "قسد" التي نعرف جميعاً أنها غير قادرة بمفردها على إدارة ملف بهذا التعقيد. 
 
يقترح البعض تسليمهم لمن بدأ المأساة، أي للنظام السوري. وسرعان ما يرد كل خبراء الإرهاب في مختلف المحافل ومراكز الأبحاث أن النظام ذاته سوف يستخدم كل فرد منهم، بندقية للإيجار وأداة للمساومة الاستخبارية، كما فعل إبان الاحتلال الأميركي للعراق وكما فعلت إيران بلاجئي تنظيم "القاعدة" من أفغانستان، وكما فعل الأسد بـ"متطرفيه" الذين اطلق سراحهم في الأيام الأولى للانتفاضة السورية، بعد عقود قضوها في السجون. 
 
أظهرت دول التحالف كفاءة عالية في القصف وتدمير المدن والقرى والبلدات التي يفترض أن تعود اليها هذه العائلات وهؤلاء الأطفال المغرر بهم، لكن ما يجدونه في الواقع هو مجتمع جديد يلفظهم ليصبحوا من دون مورد ولا مستقبل. 
 
وبعد هذا الدمار والخراب العام كان يفترض بدول التحالف أن تظهر الكفاءة ذاتها في معالجة الجذور العميقة التي سمحت بنشوء ظاهرة الإرهاب. فظواهر الاستبداد والطائفية والإرهاب هي ظواهر متضافرة تماماً ومترافقة بالضرورة. وما لم تعالج جذورها العميقة في الإقليم ستبقى مكافحة الإرهاب طبخة بحص. 
 
ومع تعثر مخاض المشروع المدني القومي للدولة الوطنية على مدى الإقليم، وتعمق تدخل الدول الإقليمية لفرض مشاريعها الإمبراطورية البديلة، وفشل التحالف في معالجة الأسباب العميقة للظاهرة، يبقى "داعش" ظاهرة جانبية متوحشة من ظواهر هذا الصراع، ليعيد انتاج الموت من مخيمات البؤس والإقصاء واليأس، وليترك أطفال مدينة الهول ليتوحشوا، ثم يقتلوا، أو أن يدار الظهر لهم ليتمكنوا كما في أفغانستان.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم