إعلان

القمار الأميركي بكازينو شرق آسيا

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
صفقة الغواصات الأسترالية
صفقة الغواصات الأسترالية
A+ A-
للتاريخ عادة لا يتخلى عنها. فحوادثه العظمى قد تبدأ بحدث لا يلقي له المرء بالاً. وتحولاته الكبرى قد تنطلق من منعطف صغير. رصاصات متعصب صربي أردت بوليّ عهد النمسا وزوجته وأشعلت حرباً كونية لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل، وتسبّبت في جائحة صحية وكوارث سياسية واقتصادية قتلت قرابة المئة مليون إنسان، ودمرت بلداناً واطاحت بإمبراطوريات، وغيرت خريطة العالم.
 
رسالة من تحت الماء
وما يجري من شراكة أمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ "أوكوس" بين أميركا وبريطانيا وأستراليا، قد يبدو مماحكة اعتاد عليها الساسة الأميركيون لاستعراض العضلات وتعويض الهزائم وتحقيق مكاسب انتخابية. إلا أنه قد يكون أيضاً شرارة تشعل حرباً عالمية ثالثة، بين متحرش انغلوساكسوني يسبقه تاريخ طويل من اللعب الخشن، ومتحرش به لا يزال يستذكر ماضي أسودَ من الغزو والاحتلال والتدمير.
 
لم تكن الولايات المتحدة بحاجة الى إثبات قدراتها العسكرية، وبخاصة البحرية والنووية في المحيطين الهندي والهادئ، فهي صاحبة أكبر أسطول بحري وجوي عرفه التاريخ وأعظم قدرة على تدمير العالم بضغطة زر. وإضافة 8 غواصات نووية الى 72 غواصة تملكها وحدها، غير ما يملكه حلفاؤها في الناتو وشرق آسيا، لن يغير من موازين القوة شيئاً، بخاصة إذا علمنا أن بناء أولى هذه الغواصات يستغرق عشر سنوات. فإذا كان الهدف توجيه رسالة تحذيرية لقادة بكين اليوم، فإنها ستكون أشبه برسالة في قارورة أُرسلت من ساحل كاليفورنيا لتصل الصين بعد عقد من الزمان!
 
النظرية الأولى دفاعية
إذن، ما هو السر وراء صفقة الغواصات النووية بين أميركا وأستراليا، والدور البريطاني فيها؟ للاجابة أمامنا ثلاث نظريات، أولاها أن الصين تمهد لغزو تايوان وعسكرة الجزر اليابانية المحتلة، والتنمر على جيرانها، كالهند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وتايلند وماليزيا وفيتنام وكمبوديا.
 
إذا كان هذا صحيحاً، فهو صحيح منذ سنوات. فالشكوى والتذمر من الجيران، وتعاطف أميركا وبريطانيا معهم ليس بالأمر الطارئ والجديد. والإدارات الأميركية المتوالية، وبخاصة إدارة باراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن، قامت بخطوات عديدة لمحاصرة الخطر المحتمل للنفوذ الصيني في منطقة شرق آسيا. فمن تطوير ونشر الترسانة البحرية والصاروخية والجوية، الى زيادة الحضور العسكري في القواعد الأميركية في المنطقة كقاعدة غوام وقواعد اليابان وكوريا الجنوبية والفليبين وأستراليا والجمهوريات الإسلامية، وسط آسيا. وهناك التحالف الاستخباري "العيون الخمس"، ويضم أميركا، بريطانيا، أستراليا، اليابان ونيوزلاندا.
 
والسؤال هنا، هل تحقق الصفقة الجديدة ما لم يتحقق من قبل للتفوق العسكري وفائض القوة، لدرجة تهون معها خسارة ثقة حليف استراتيجي كفرنسا، والمغامرة بردود فعل قد تشمل ميله شرقاً أو الخروج من الناتو؟
 
النظرية الثانية عدائية
النظرية الثانية، هي أن أميركا تخطط لإنشاء حلف ناتو آسيوي يحوّل مجموعة كواد المدنية (أميركا، أستراليا، الهند، اليابان) الى منظومة أمنية عسكرية تحاصر طموحات الصين التوسعية المزعومة. وهذه النظرية، إن صح تبني القيادة الأميركية لها، لا بد من أن تُبنى على الثقة والصدقية وفائق القوة.
 
فبعد الحرب العالمية الثانية، شكّلت الولايات المتحدة وحلفاؤها، حلف الناتو، وكان لواشنطن وقتها رصيد هائل عند شركائها نتيجة لوقفتها معهم في الحرب، ومشروع مارشال الاقتصادي الذي انقذهم من الإفلاس وساهم في إعادة بناء المناطق المدمرة وإحياء الاقتصاد العالمي، ولتبنيها لإنشاء منظمة الأمم المتحدة والمنظمات والاتفاقات المتفرعة عنها كمحكمة العدل الدولية وصندوق النقد الدولي واتفاقات جنيف الإنسانية الأربعة وبروتوكولاتها الإضافية.
 
وفي تلك المرحلة، كانت الولايات المتحدة تقول وتطول، فهي القوة الأعظم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وتقنياً، وهي البوصلة الأخلاقية للعالم الجديد، ولها من الصدقية والاحترام ما يجمع حولها الحلفاء والشركاء ويعطيها القيادة والريادة. والسؤال هنا، هل ما زالت واشنطن تتمتع بهذه المزايا التي تشجع الحلفاء الجدد على المغامرة بإغضاب الصين وخسارة دعمها الاقتصادي وتجارتها البينية المربحة؟
 
النظرية الثالثة تجارية
النظرية الثالثة، أن الإدارة الأميركية الحالية تعاني من تداعيات فضيحة الخروج الفوضوي، الكارثي، من أفغانستان، وخسارة تريليونات الدولارات التي أنفقت على بناء الدولة الأفغانية وقواتها المسلحة لصالح النظام الطالباني نفسه الذي حاربت أميركا عشرين عاماً لهزيمته. وعليه، فقد باتت تسعى لتبرير هذا الفشل المهين والمحرج بتنفيذ الخطوة التالية للعقيدة الأوبامية والاستراتيجية الديموقراطية للخروج من مناطق الحروب التي لا تنتهي، والصراعات الأبدية في الشرق الأوسط الكبير، والتفرغ لمواجهة الصين، وبناء تحالفات مثمرة مع شرق آسيا.
 
وصفقة الغواصات هي إيذان بهذا التحول التاريخي وبلوغه مرحلة متقدمة، ترتقي بالبعد العسكري والأمني الى آفاق جديدة. وأن خسارة صفقات مليارية مع دول الخليج ستعوضها صفقات جديدة مع الدول الآسيوية المتعطشة لتطوير قواتها العسكرية، مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والهند.
 
ربح وخسارة
ولكن هل ضمنت أميركا صفقات بهذا الحجم مع دول تعاني معظمها من أزمات اقتصادية ومالية طاحنة، كاليابان التي تعتبر من أكثر دول العالم مديونية، والهند التي تواجه انفجاراً سكانياً هائلاً وتحديات تنموية وصحية وخدماتية كبرى، تستهلك موازنتها العامة وتقلل من مخصصات المشتريات العسكرية؟ وهل ستنجح تحالفات كهذه أمام الزحف الاستثماري والتجاري الصيني التريليوني، متمثلاً في مشاريع طريق وطوق الحرير للتعاون الاقتصادي والانمائي في دول الجوار والشرق الأوسط وصولاً الى أوروبا وأفريقيا؟
وهل سيعني ذلك خسارة حلفاء مهمين كدول الخليج ومصر والأردن وإسرائيل وتركيا وفرنسا وحتى ألمانيا، والتي تنشط اليوم علاقات هذه الدول مع الصين وروسيا اقتصادياً وتقنياً وأمنياً؟
 
تاجر بلا رصيد
إجابتي عن الأسئلة السابقة، هي أن أميركا لم تكن بحاجة الى استبدال صفقات آمنة، مربحة، لا تداعيات خلافية عليها، لصالح صفقات استفزازية، عدائية تغضب الحليف والخصم، على السواء. وبالنتيجة، تؤدي الى انحراف محتمل للحلفاء باتجاه علاقات استراتيجية مع الخصوم، كالصين وروسيا. وتكتل مضاد، كالجيش الأوروبي واتفاقات امنية بين الدول المشاطئة والأساطيل الآسيوية لحماية الممرات المائية في الخليج وبحر العرب.
 
ثم إن أميركا اليوم لا تملك من رصيد الثقة والصدقية وفائض القوة الاقتصادية والتقنية والعسكرية ما يضمن لها تشكيل تحالف آسيوي جديد، بل وحتى بقاء التحالفات السابقة. فقد خسرت صدقيتها الدولية نتيجة لتقلباتها وخيانتها لحلفائها وبيعها لشركائها مقابل مصالح آنية، وشعارات انتخابية، وسياسات داخلية.
 
درس الأفغان
كيف ستثق كوريا الجنوبية او تايوان، مثلاً، بأن القيادة الأميركية ستصمد وتضحي للدفاع عنها عندما يجد الجد، وهي تشهد كيف باعت الحكومة الأفغانية في مفاوضات الدوحة ووقعت مع العدو المشترك في اتفاقية سرية؟ أو كيف سحبت بطاريات باتريوت من الرياض في الوقت الذي زادت فيه الهجمات الصاروخية الحوثية - الإيرانية على المملكة، ومن الأردن والكويت بعد أن وصلت قوات "الحرس الثوري" و"حزب الله" إلى حدودهما الشمالية؟
 
أما اقتصادياً ومالياً، ففي الوقت الذي زادت الصين من مساعداتها واستثماراتها الدولية، تراجعت المساعدات والاستثمارات الأميركية، وزادت خلافاتها التجارية حتى مع حلفائها التقليديين. كما أوجعت عقوباتها الاقتصادية القريب والبعيد.
 
صراعات داخلية
الواضح أن أميركا، تعيش في لجة صراعات سياسية بين المحافظين والديموقراطيين، وداخل الدولة العميقة التي تركز على مصالحها الحزبية والسلطوية والمالية، كأفراد ومجموعات، أكثر من اهتمامها بالمصالح العليا للدولة والأمة، وسمعتها ومكانتها الدولية. ويؤدي هذا كله الى تخبط كبير في السياسات الخارجية، وتناقض بين المؤسستين العسكرية والمدنية، والرئاسة الجمهورية والديموقراطية في الرؤية وآلية التنفيذ، واجتهادات مبنية على ردود فعل آنية أكثر منها على خطط استراتجية مؤسساتية، متفق عليها.
 
وهذه الصفقة النووية، قد تؤذن بتحولات دولية أكبر. فالصين ستفهم الرسالة على أنها تهديد وجودي وتركز أكثر على قدراتها العسكرية، البحرية والصاروخية، وتنخرط باندفاع أكبر في علاقاتها الدولية، من دون مراعاة لخاطر أميركا والغرب. وتتسابق مع روسيا، وربما أوروبا، على ملء الفراغ السياسي والأمني والاقتصادي الذي يمثله الانسحاب الأميركي من أفغانستان والعراق وسوريا ومنطقة الخليج.
 
ولكن أين موقع حلفاء وخصوم أميركا في منطقة الشرق الأوسط الكبير، وبخاصة العرب وايران وإسرائيل وتركيا وباكستان، من هذه التحولات؟ وكيف سيكون الرد عليها والتفاعل معها؟ يستحق البحث مقالة أخرى.
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم