إعلان

الأمن الخليجي والاسلام السياسي في تركيا وايران

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الرئيس الايراني حسن روحاني ونظيره التركي رجب طيب اردوغان
الرئيس الايراني حسن روحاني ونظيره التركي رجب طيب اردوغان
A+ A-
الجيرة الجائرة طالما كانت مهددة الأمن الخليجي ومحصورة في الجوار المباشر. فمنذ استقلال إمارات الخليج في الستينات من القرن الماضي الميلادية وهي مهددة بمن حولها من أنظمة معادية وطامعة في ثرواتها النفطية ومواقعها الاستراتجية، وفي حالة السعودية تضاف المكانة الدينية.
 
فعراق عبدالكريم قاسم وصدام حسين كان طامعا في الكويت، ويعتبرها ملكية تاريخية، ومصر جمال عبدالناصر ركبت القومية العربية، ودخلت من بوابة اليمن للإستيلاء على جزيرة العرب ونفط الخليج. أما إيران الشاهنشاهية فقد حصرت أطماعها في البحرين وجزر الإمارات الثلاث، ودور شرطي الخليج. وأخيرا جاءت إيران وتركيا بأطماع أوسع نطاقا تحت لواء الإسلام، لاستعادة إمبراطوريات بائدة حكمت في عصور يمتد بعضها الى ما قبل الإسلام، كحال الإمبراطورية الساسانية وعاصمتها المدائن (بغداد حاليا). 
 
غيبت العلمانية إيران وتركيا عقودا عن أحلام التوسع الإمبريالي، ثم أعادها ”قميص عثمان“ الشيعي والسني، فإيران تلعب على مقتل الحسين في معركة كربلاء بين جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية والإمام الحسين بن علي الذي استجلبه اتباعه الى العراق ليستعيد الخلافة التي تنازل عنها ثم خذلوه. فيما تلعب تركيا على وتر السلطنة العثمانية واستعادة الخلافة الإسلامية لتكون عجمية هذه المرة، عاصمتها اسطنبول وليس المدينة المنورة أو دمشق أو بغداد.

إخراج العرب .. تمكين العجم
 
وفي الحالتين، الفارسية والتركية، عمل الأعاجم على اقناع العرب بفقدانهم الأهلية والكفاءة لتحقيق هذا ”الواجب الديني“ بتوحيد المسلمين تحت لواء واحد، وخليفة أو مرشد أعلى وحيد. ولكي تتجاوز إيران إشكالية أحقية آل البيت وحدهم بالخلافة، وهم بطبيعة الحال عرب، نسبوا بعضهم الى البيت الشريف، كالهندي، آية الله الخميني، والأذربيجاني، آية الله الخامئني، واخترعوا ولاية الفقيه، التي أوكلوها الى نائب الولي الفقيه، الإمام الغائب (وهي تخريجة خمينية دخيلة على المذهب الشيعي ورفضها علماء كبار كالإمام محمد حسين فضل الله) ليكون لديهم خليفة يقوم بواجبات إمام الزمن حتى يخرج من السرداب.
 
وفي اسطنبول عمد اتباع المذهب الصوفي على الطريقة النقشبنديه، من العثمانيين الجدد، الى إحياء الحلم الإمبراطوري والسلطنة العثمانية التي اسقطتها الحرب العالمية الأولى، ونقضها الرئيس كمال اتاتورك بعد حرب التحرير ومعاهدة لوزان 1923م. وبقيام الجمهورية التركية على أسس علمانية، واستبدال الحرف العربي باللاتيني، والاتجاه نحو أوروبا بعيدا من التاريخ العربي والإسلامي، أنشغل الاتراك ببناء بلدهم الجديد بحدوده الأناضولية الحالية، وتباعدوا عن الامتين العربية والإسلامية.
 
ومع صعود نجم الإسلاميين، في التسعينات على يد حزب الرفاه وزعيمه نجم الدين اربكان، والذي أنقلب عليه الجيش، ثم حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب أردوغان، استيقظت الأحلام والأطماع العثمانية من جديد، خاصة مع توافر الموارد الاقتصادية والعسكرية التي منحت تركيا احد أقوى جيوش الناتو ومكنتها اقتصاديا، نجما صاعدا في مجموعة العشرين.
 
المشروع الخفي
 
كان المشروع الخفي الذي قادته إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما منذ عام 2008 (التغيير باسم الديموقراطية) يقوم على استلهام التجربة الديموقراطية والاقتصادية والاجتماعية التركية في المنطقة العربية، ما عدا الهلال الشيعي والخليج العربي واليمن الذي سلم لمشروع آخر تقوده طهران، خاصة في البلدان التي استقوت فيها أحزاب شيعية أنشأتها إيران على مدى 40 عاما منذ انطلاقة الثورة الخمينية في 1979.
 
وكانت اليد الطولى لأسطنبول هي الحليف العقائدي، ”الإخوان المسلمين“، بتواجد تنظيماتهم وخلاياهم عبر ثمانية عقود في جميع البلدان العربية. أما مهمة الممول السخي، والبوق الإعلامي، فقد تكفلت بها قطر، طمعا في مكانة خاصة ومساحة أكبر على خارطة العالم العربي الجديد. ونشطت في تلك المرحلة مؤتمرات تقودها منظمات بواجهات تعليمية وبحثية، كالمعهد الديموقراطي في واشنطن، وأكاديمية التغيير في الدوحة، ومراكز البحوث في أسطنبول، وجمعيات حقوق الإنسان في القاهرة.
 
هذا التزواج العجيب بين الديموقراطيين واليساريين والمحافظين الجدد من جانب الغرب، والإسلاميين شيعة وسنة، والعرب والفرس ومغول الأناضول، من جانب الشرق، لم يكن مقدسا على الإطلاق، فتقاطع المصالح بينهم على اختلافهم وتناقض مبادئهم يدل على انه زواج سياسي ومصلحي بامتياز. وكان الهدف تقسيم العالم العربي بين بلدان وقطعان تقودهم إيران، في شكل مباشر كالهلال الشيعي، أو عبرالوكلاء كما أرادوا للخليج واليمن وعمان. أو تهيمن عليهم تركيا كما شمال بلاد الرافدين، العراق وسوريا، ومصر وما يليها من بلدان المغرب العربي والسودان والصومال. أما الجائزة الكبرى فكانت بلاد الحرمين، المملكة العربية السعودية، وقصب السبق فيها مكة المكرمة (عاصمةالعالم السني) لتركيا و المدينة المنورة (حيث منازل آل البيت) لإيران، ومنابع النفط بين هذا وذاك وغيرهما كقطر.
 
تلك كانت أحلامهم، بدأ الأمر بإعصار سمي “الربيع العربي“ لإقتلاع الأنظمة السائدة والوصول الى السلطة عبر طوفان ”الديموقراطية“ حيث لا أحزاب أو جماعات جاهزة لخوض غماره سوى تنظيمات ”الأخوان المسلمين“ المدعومة من تركيا وقطر، والأحزاب الشيعية المدعومة من إيرانكحزب الدعوة وحزب الله وحركة أمل.
 
قطار ”الديموقراطية“ ... محطة ”الديكتاتورية“
 
على أن فشل المشروع، حتى بعد وصول تلك الأحزاب إلى السلطة، جاء حتميا نتيجة لفسادها وضعف أدائها من جانب، وتسرعها وطمعها في الاستيلاء على السلطة حصريا من جانب آخر، إضافة الى مقاومة الدولة العميقة واستيقاظ الجماهير لحقيقتها، ووقوف السعودية والإمارات في وجهها. ثم خرج أوباما ”الديموقراطي“ من البيت الأبيض وجاء ترامب ”الجمهوري“ برؤية جديدة تستعيد العقيدة الأميركية التقليدية مع حلفائها التقليديين، وتنقلب على ”خصوم الأمس -حلفاء اليوم“، ممثلين في إيران، واتباع الإسلام السياسي، في تركيا، الذين استخدموا الديموقراطية قطارا يوصلهم الى محطة السلطة المطلقة، ثم يغادروه.
 
كان يمكن لقيادات إيران وتركيا وقطر أن يغادروا القطار عندما فشل في إيصالهم الى محطتهم المنشودة، وتكشف المشروع أمام شعوبهم ومن تآمروا عليهم، وأن يطلبوا السلام والتصالح مع اشقائهم وجيرانهم، ويتقبلون الواقع الجيوسياسي الذي عادوا اليه. لكن أسبابا، من بينها عظمة الأحلام والأوهام، وحجم الاستثمارات فيها، والرهان ”المسعور“ على تحقيقها، دفع القيادات ”العجوزة“ المتعجلة في طهران واسطنبول والدوحة الى مواصلة السباق المحموم نحو هدف حددته الأساطير بعودة الإمام الغائب (الذي سيخرج من سردابه على فرس أبيض عندما يهلك الناس ويعم الفساد والدمار) أو الخليفة المختار (في حالة تركيا سنة 2023 ميلادية التي تمثل نهاية المعاهدة، ونبؤة السلطان عبدالحميد بعودةالخلافة).
 
سباق ”الشيخين“ والتضامن العربي
 
هكذا نجد أنفسنا وسط هذا الحريق الهائل الذي يشعله ”الشيخان“، الخامئني واردوغان، وهذا التعدي الجريء والوقح على البلدان العربية، وهذا التسلط والاستعباد المهين لأتباعهم في المنطقة، تحت راية الدين وبإغراء المال والسلاح ووعود السلطة. وأمام غياب او تآمر الغرب والشرق، لم يعد أمام دول الخليج خير من درب التضامن العربي، فكانت التحركات والجولات السعودية والمصرية والإماراتية والأردنية، للم شتات الأمة وتوحيد الصف العربي في وجه التغول الفارسي والمغولي، والتدخل الروسي والأوروبي والأميركي، والتعاون والدعم الصيني لرأسي الحربة.
 
ما يخوضه العرب، وما يواجهه الخليج، هو خطر وجودي صريح، واضح وآني. ففرس إيران، ومغول تركيا لن يتوقفوا عند أي خطوط حمراء. فلا دستور الأمم المتحدة ولا المعاهدات الدولية ولا موقف القوى العالمية يمنعهم من مواصلة مشاريعهم التوسعية في المنطقة، ذلك أن أن محفزاتهم عقائدية وتاريخية وعرقية، وقياداتهم الهرمة مصرة على تحقيقها في حياتها، وفي الوقت الأسطوري المحدد. وبالتالي، نحن أمام الخيار الحدي: أن نكون أو لا نكون. ومآلات التخاذل حاضرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والصومال. ومكاسب اليقظة ماثلة في بلدان الخليج العربي والسودان ومصر والأردن وتونس والجزائر وجيبوتي. وعليه اقول لقادة ومفكري وشعوب الأمة: لم يفت الأوان بعد ... فلنعجل في العمل قبل أن يفوت الأوان!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم