إعلان

البنوك العربيّة وجائحة كورونا

المصدر: النهار العربي-عدنان أحمد يوسف*
صندوق النقد العربي
صندوق النقد العربي
A+ A-
يرى صندوق النقد العربي، من خلال الكلمة التي ألقاها مديره العام الدكتور عبد الرحمن الحميدي في القمة المصرفية العربية الدولية التي عقدت أخيراً، أن المصارف المركزية العربية بذلت خلال عام 2020 جهوداً كبيرة ساهمت في تعزيز سلامة القطاع المصرفي العربي ومتانته خلال الجائحة. فعلى سبيل المثال، حققت مؤشرات المتانة المالية للقطاع المصرفي في الدول العربية نتائج جيدة عام 2020، وإن كان هناك تراجع في مستويات الربحية. فعلى صعيد كفاية رأس المال، بلغ متوسط النسبة نحو 17.8 في المئة في نهاية عام 2020، الأمر الذي يُشير إلى تمتع القطاع المصرفي العربي بملاءة عالية، ويعزز من قدرته على استيعاب الخسائر المحتملة (ومنها صدمة جائحة فيروس كورونا المستجد). 

في المقابل، انخفضت جودة الأصول لدى القطاع المصرفي العربي عام 2020، حيث شهد متوسط نسبة التسهيلات غير العاملة إلى إجمالي التسهيلات ارتفاعاً بسيطاً عام 2020 لتبلغ نحو 8.3 في المئة، بعدما كانت 7.5 في المئة في نهاية عام 2019، ومن المتوقع أن يرتفع هذا المتوسط بعد سحب حزم أو تخفيف حزم الدعم التي تبنتها المصارف المركزية بناءً على ذلك.

لذلك من المناسب الاستعداد في إطار تبني استراتيجيات التعافي. ولعل تطبيق المعيار الدولي الرقم 9 (IFRS9) سيخفف من حدة مخاطر الديون المتعثرة، إذ يشمل نطاق تطبيق المعيار التسهيلات الائتمانية الجيدة والأقل جودة. بالتالي، سيؤدي إلى تعزيز متانة البنوك وملاءتها والتحوط للصدمات المحتملة، فالمخصصات الإضافية التي قد تنتج من تطبيق المعيار (بخاصة في بداية التطبيق) تزيد من قدرة البنوك على مواجهة المخاطر، وتمثل حماية إضافية لرأس المال، حيث يعزز هذا المعيار من تحوط البنوك للمخاطر من خلال بناء مخصصات تأخذ بالاعتبار البعد التنبّئي للخسائر (بما يشمل البعد الاقتصادي) من اليوم الأول لمنح الائتمان، وهذا بدوره يمثل هامش تحوط إضافياً يقلل العبء على رأس المال ويعزز من ملاءة البنوك.

كما يجب في هذا الإطار الحفاظ على الاستقرار المالي وسلامة المعاملات المالية والمصرفية ونزاهتها، وتعزيز التنسيق بين السياسة الاحترازية الكلية والسياسات الاقتصادية، وتسريع التحول المالي الرقمي وتطوير خدمات مالية ومصرفية مبتكرة، ومواجهة تداعيات تغيرات المناخ والمتطلبات من المؤسسات المالية والمصرفية، وتعزيز التمويل المسؤول والمسؤولية المجتمعية للمؤسسات المالية والمصرفية لخدمة التنمية المستدامة، إلى جانب الارتقاء بمنظومة تسوية المدفوعات وأدواتها محلياً وعبر الحدود.

فعلى صعيد دعم الاستقرار المالي، اتخذت البنوك المركزية العديد من الإجراءات التحفيزية والوقائية، شملت ضخ السيولة في القطاع المصرفي من خلال تخفيض أسعار أدوات السياسة النقدية ونسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي، وتعزيز منظومة ضمان القروض دعماً للقطاعات الإنتاجية. 

كما برزت أهمية التحول الرقمي خلال جائحة كورونا، حيث ساهمت التقنيات المالية الحديثة، من جهة، في استمرار الخدمات المقدمة من القطاعين العام والخاص، ومن جهة أخرى، في الحد من المخاطر الصحية. لذلك ينبغي تعزيز البنية التحتية الرقمية للقطاع المالي، وتشجيع التحول الرقمي، وإيجاد فرص تطويرية واستثمارية في مجالات التقنيات المالية محلياً لاستثمار الفرص الكبيرة الكامنة في تطوير الخدمات الرقمية.
 
ويشير الصندوق في هذا المجال إلى أن صناعة الخدمات المالية الرقمية تشهد نمواً في المنطقة العربية، حيث تساهم الأنشطة الرقمية بنحو 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية. كما يلاحظ النمو الملحوظ في عدد شركات التقنيات المالية الحديثة، الذي اقترب من نحو 500 شركة عام 2020 أكثر من نصفها شركات ناشئة، مقابل 167 شركة قبل خمس سنوات و62 شركة فقط قبل عشر سنوات. لذلك تبرز الحاجة هنا للمزيد من العمل لخلق البيئة التشريعية والتنظيمية المحفزة والبنية التحتية المشجعة على نمو صناعة التقنيات المالية الحديثة وخدماتها في الدول العربية. فعلى سبيل المثال، عكس مؤشر التقنيات المالية الحديثة لصندوق النقد العربي (FINXAR) الاهتمام والجهود التي قامت بها السلطات في الدول العربية في الأعوام الثلاث الماضية، بخاصة عام 2020، نحو الارتقاء بفرص نموّ التقنيات المالية وتوظيفها، إذ يظهر المؤشر تحسن بيئة الخدمات المالية الرقمية وتنفيذ برامج وأنشطة وطنية للتحول الرقمي في الدول العربية. ويبرز المؤشر أيضاً عدداً من التحديات التي تتطلب المزيد من الجهود، بخاصة على صعيد تسهيل وصول مزودي خدمات التقنيات المالية.

كما نعيد هنا تأكيد التوصيات التي أصدرها اتحاد المصارف العربية للبنوك للتعامل مع أوضاع المرحلة الراهنة وتداعيات جائحة كورونا، إذ دعا الاتحاد البنوك إلى المحافظة على ممارساتها المصرفية السليمة. كما دعاها أيضاً إلى استخدام الهوامش الوقائية التي جرى بناؤها خلال الفترات السابقة، وتشكل هذه الاحتياطيات مصدات للتخفيف من تأثيرات الأوضاع الاقتصادية والمالية الناجمة عن كورونا. وفي الوقت الذي يجب أن تعمل فيه البنوك على مراجعة هيكل استحقاقات وجودة محافظها التمويلية والاستثمارية بصورة مستمرة بغرض اتخاذ الإجراءات الوقائية المطلوبة، فإن من الأفضل أيضاً أن تتعامل بشفافية مع أوضاعها المالية وعدم التغطية على حجم تأثرها لكي تخلق أجواء من الثقة والاطمئنان. وبطبيعة الحال، فهي مطالبة أيضا بالاهتمام بالجوانب التشغيلية والتنظيمية المتعلقة بسلامة أنظمة التشغيل وأمانها وخطط الاستمرارية مع التوسع في تقديم الخدمات المصرفية الرقمية لكي تضمن الأمن والأمان في تقديم هذه الخدمات.

وأخيراً، فإن البنوك العربية يجب أن تواصل النهوض بدورها في خدمة مجتمعاتها، نظراً الى الدور المحوري الذي تلعبه في برامج التنمية الاقتصادية، فالاقتصادات العربية جميعها من دون استثناء بحاجة للتغلب على تداعيات الجائحة والبدء بمسيرة التعافي والنمو مجدداً.
 
*رئيس اتحاد المصارف العربية سابقاً
رئيس جمعية مصارف البحرين
  
الكلمات الدالة