إعلان

تونس الثورة... مرة أخرى!

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
تظاهرات في تونس دعماً لقيس سعيّد
تظاهرات في تونس دعماً لقيس سعيّد
A+ A-
في خريف 2011 أنطلقت أولى الثورات العربية مع إشعال شاب فقير النار في جسده احتجاجاً على مصادرة الحكومة لمصدر رزقه الوحيد، عربة بيع خضار. واندلعت النيران بعدها في الدول العربية المجاورة بدعم مباشر من مشروع أميركي كان ينتظر الشرارة الأولى لإعادة صياغة المنطقة العربية بحيث يتم التخلص من الحلفاء والشركاء الأُول، وتسليمها لإدارة جديدة، تمثلت في أحزاب وميليشيات الإسلام السياسي المهادنة للغرب وإسرائيل، رغم خطابها التعبوي المقاوم، وأبرزها، جماعة "الإخوان المسلمين"، برعاية تركيا، و"حزب الله"، برعاية إيران.
 
ما بعد الثورة
بعد نجاح الثورة التونسية بعامين، زرت العاصمة، ولي فيها أصدقاء وأحبة، وكان أول ما لمسته فرحة الشعب بحرية التعبير والتظاهر والتنفيس عن الاحتقان ضد فساد وصرامة النظام السابق. ورافق ذلك أحلام وأمنيات عالية السقف ... وشكاوى من انفراط الأمن في بعض المناطق، وتخبط الحكومة الجديدة، وتضارب أجندات الأحزاب.
 
سألني الأصدقاء عن انطباعي الأول، فقلت بصراحة أزعجت بعضهم: كنت في الزيارات الماضية اشكو أحياناً من جفاف موظفي المطار، رغم مهنيتهم العالية، وفي هذه الزيارة شكوت من طراوة بعضهم وتلميحه بدفع "بخشيش" من تحت الطاولة لخدمة أفضل وأسرع.
 
في الزيارة التالية، عام 2017، انتابني حزن وألم. فبعد سنوات من الثورة، لم تستقر الأوضاع الأمنية والإدارية والاقتصادية، والنتيجة انتكاسة كبيرة للسياحة والتجارة والزراعة. وتسبّب ذلك في ارتفاع نسبة البطالة، التي كانت شبه معدومة قبل الثورة، الى أرقام قياسية، وتزايد الحوادث الإرهابية والأمنية.
 
العديد من المرافق السياحية والفندقية التي كانت في العقد الأول من الألفية الثانية تعج بالحركة والحيوية، أصبحت رمادية، هامدة. والأسواق التي كانت تلتهب نشاطاً، أضحت راكدة. وحدها الشوارع والساحات التي تشهد التظاهرات بين حين وآخر، والصحف والقنوات التي تحررت من قيود الرقيب، تبدو حية وفاعلة.
 
إستراتيجيا السياحة
قال لي المرشد السياحي: "أنتم الخليجيون والليبيون كنتم تزورونا، وتبقون وقتاً أطولَ وتنفقون أكثر من الأوروبيين. ولكن نتيجة للاضطرابات السياسية والعمليات الإرهابية في سنوات ما بعد الثورة، لم يبقَ لنا إلا الجيران الأفارقة، الأقل قدرة على الإنفاق، إضافة إلى زيادة السياح الروس، وهم في المجمل لا يغطون ربع ما فقدناه من تعداد ومردود.
السياحة هي المصدر الثاني للدخل القومي بعد الزراعة، وأكثر من الفوسفات والصناعة والخدمات. كان يزورنا 7 ملايين سائح، واليوم هبط الرقم الى النصف. نحن بحاجة إلى عودتكم إلى بلدكم الثاني، تونس".
 
كنت أحد أولئك الزوار المنقطعين. فقد زرت تونس الخضراء مراراً منذ ثمانينات القرن الماضي. وقتها، كانت البنية التحتية أقل تطوراً مما هي عليه اليوم، ولكنها كافية لتلك المرحلة الزمنية واحتياجاتها التنموية.
 
في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، ركزت الإستراتيجية الوطنية على السياحة، وأنشأت شبكة متطورة من الطرق والسكك الحديد والنقل الخفيف والمطارات والموانئ والاتصالات، إضافة إلى المؤسسات التعليمية والمراكز التدريبية المهنية والسياحية.
 
واستقطب القطاع السياحي الاستثمار الخليجي والأجنبي بمليارات الدولارات. فعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، كالحمامات وسوسه، بنيت مئات الفنادق والمنتجعات وصولاً إلى ربع مليون وحدة سكنية سياحية، في 2010.
 
حكومة "الإخوان"
قال لي حقوقي تونسي في عهد الرئيس المستقيل، زين العابدين بن علي، إن الحكومة تعلم أن الشعب لن يثور إلا إذا افتقد حاجاته المعيشية الأساسية. فطالما بات المرء "آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه"، فسيقبل بأي نظام ويرضى بأي حاكم.
 
يبدو أن حكومة "الإخوان المسلمين" لم تدرك هذه الحكمة، وانشغلت كما في كل تجربة حكم، الى تثبيت سلطة حزبها وإثراء قادتها وتقوية أحلافها مع تركيا وإيران، والحكومات "الإخوانية" الأخرى. رأينا هذا في مصر، وغزة، والسودان، وليبيا، والمغرب، كما نراه اليوم في تونس. ركبوا موجات الثورات العربية، وباعوها للعجم، ثم فشلوا، وخسروا، ورفضوا الخسارة فخسروا أكثر.
 
وهكذا تدهورت أحوال التوانسة الى درجة أن لا يجد الطالب مقعداً، والمريض سريراً، والعامل وظيفة، والتاجر زبوناً. وتشير الأرقام الرسمية الى تقلص حجم الاقتصاد بنسبة 12 في المئة ووصول البطالة الى 36 في المئة بين الشباب، و ارتفاع نسبة الدين العام الى اجمالي الدخل القومي 90 في المئة.
 
ثم جاءت جائحة كورونا لتكشف تدهور النظام الصحي في البلاد لدرجة عدم القدرة على استيعاب وتوزيع وتوظيف المساعدات الإنسانية التي تجاوبت بها دول العالم، من السعودية ودول الخليج الى أميركا ودول أوروبا، مع نداء الرئيس قيس بن سعيّد. ملايين أمصال التطعيمات وأجهزة الأوكسجين وتجهيزات المستشفيات وحتى الكمامات والأدوية وصلت الى مطار قرطاج، وعجزت أجهزة الحكومة عن الاستفادة منها. وعندما اضطر الرئيس للاستعانة بالجيش للقيام بالمهمة، صاح رئيس الوزراء وناح الائتلاف الحاكم واعترض حتى وزير الصحة المقال على هذا الخرق الخطير للدستور وفصل السلطات واختصاصات الحكومة!
 
الثورة الثانية
خرج الشعب غاضباً، مزمجراً ومعه ألف حق. وقام الرئيس بما كان يتوجب عليه القيام به، فعطّل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وأقال رئيس الوزراء وبعض وزرائه، وتسلم بدعم من الجيش وقوات الأمن أعمال الدولة بمشاركة رئيس وزراء جديد يتم اختياره خلال ثلاثين يوماً. وبعد مواجهات دموية بين اتباع "الإخوان" والشعب، صدر قرار بحظر التجول والتظاهر، وأعلن الرئيس أن أي رصاصة تطلق على الشعب سيرد عليها حماة الوطن بوابل من الرصاص.
 
لم تبقَ للجماعة منصة قانونية لتحدي الإجراءات بعد إغلاق البرلمان، فلا سلطة تنفيذية ولا تشريعية. ورئيس الوزراء قبل الإقالة أعلن تعاونه مع الرئيس حتى اختيار البديل. ومن مفارقات القدر أن المحكمة الدستورية التي كان في إمكانها حسم قانونية القرارات الرئاسية ومدى مطابقتها للفصل الثمانين في الدستور تسبّب "الإخوان" في تعطيل قيامها.
 
رحبت بعض الأحزاب ومنها حزب "التحالف من أجل تونس"، و"حركة الشعب التونسية"، و"التيار الشعبي"، وأعلنت أخرى الرفض والمواجهة، وعلى رأسها "حزب النهضة" والحركات السياسية المقربة مثل ائتلاف الكرامة. وقبلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية بالإجراءات ورفضت اعتبار ما حدث انقلاباً، ودعت السعودية المجتمع الدولي للمساهمة في دعم خيارات الشعب التونسي وتقديم العون لقيادته.
 
دروس التاريخ
بدا وكأنما يعيد التاريخ نفسه. ففي عام 2013 خرج الشعب المصري ثائراً على حكومة "الإخوان" التي هوت بخزينة البلاد الى القاع، حتى كادت مصر تعلن الإفلاس، وفشلت في تقديم أبسط الخدمات الأساسية من أمن وطعام وكهرباء ووقود.
استجاب الجيش بقيادة وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة الفريق عبدالفتاح السيسي، الذي عينه الرئيس محمد مرسي، واعتبره "الإخوان" حليفاً، فأقال الحكومة المنتخبة، وعطّل الدستور والبرلمان. اعترض "الإخوان" واستنجدوا بأميركا باراك أوباما، وتركيا أردوغان. وانتهت المواجهة الى حل الجماعة وتصنيفها إرهابية وسجن ومطاردة القيادات والناشطين، وتحول الحزب الحاكم الى معارضة منفية في إسطنبول ولندن والدوحة، تعاني اليوم التضييق عليها وترحيل قياداتها وربما تسليم بعضها للحكومة المصرية.
 
ولحقت بهم الحكومة "الإخوانية" في السودان، بعد عقود من الحروب والفساد وسوء الإدارة، كان من نتائجها فصل جنوب السودان الغني بالنفط والأراضي الزراعية عن شماله، وتدهور قيمة الجنيه الى درجة عدم توفره في البنوك، وضعف الخدمات الحياتية الأساسية وضرب المتظاهرين بالحديد والنار. ثار الشعب وتدخل العسكر وانتهت رموز الحكومة "الإخوانية" إلى السجون أو المنفى. وكالعادة، لم تقبل الجماعة بالأمر الواقع، وواصلت المقاومة والتحدي كفلول للنظام السابق، بدعم من تركيا وإيران وقطر.
 
واليوم، يتكرر المشهد ويقود "حزب النهضة" التمرد على الرئيس، ويتدخل أردوغان، وتؤلّب قناة "الجزيرة" الشارع التونسي والعربي، ويكرّس أتباع الحزب الانقسام الشعبي والمواجهات الجماهيرية. طريق جُرّب من قبل وانتهى الى غلبة الدولة وهزيمة المتمردين، وتحوّل حزب شرعي الى جماعة منبوذة، مطاردة، ولاجئة في احضان أعداء العرب.
 
فشل الإسلام السياسي
التاريخ يعيد دروسه على من لا يعيها. والعالم العربي المفتون بفكرة الخلافة وشعار "الإسلام هو الحل" لا يزال بعضه مسحوراً بأصحاب الأفكار الرومانسية المستقاة من ماضي الأمة الإسلامية في أزهى عصورها، ومتجاهلاً لحقائق العالم بنظامه الجديد.
 
ورغم أن التجارب أثبتت فشل الفكرة، من إيران ودولة "داعش" وأفغانستان، إلى مصر وتونس والسودان، وعجز اصحابها عن تحقيق المعجزات التي وعدوا بها بعد توليهم الحكم لسنوات أو حتى عقود، إلا أن الأكذوبة لا تزال تجد في نفوس البعض قبولاً وتصديقاً. ربما هي ردة فعل على خديعة الثوريين من الاشتراكيين والقوميين والبعثيين العرب، والتردي الذي أوصلوا بلدانهم اليه، وربما أن جيل "الصحوة" الذي وُعد بجنة الله في الأرض، صدق أن الكهنة أصلح الناس لإدارة شؤون الدولة، فسلمهم قيادتها. وربما هو الخوف الذي زرعه الطائفيون فشقّوا به الصفوف وفرقوا الشعوب على خلاف المعتقد والمذهب.
 
على أننا بعد كل ما جرى ويجري على أبواب يقظة، أو يجب أن نكون. وعلينا أن نطوي فصل "الإسلام السياسي" في تاريخنا الحديث، لنفتح فصول التنمية والتحديث والبناء. فالمتلفت لا يصل، ومن يضع أمسه أمامه لا يتقدم. وعجلة التاريخ لا تعود أبداً الى الوراء.
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم