إعلان

استعصاء "حلّ الدولتين"... وحلول غائبة أم مغيّبة!

المصدر: النهار العربي
هادي جان بوشعيا
بلينكن ومحمود عباس في رام الله
بلينكن ومحمود عباس في رام الله
A+ A-
فتحت نهاية النزاع العسكري بين إسرائيل وحركة "حماس" في قطاع غزة أو توقّفه موقتاً على الأقل، أبواباً جديدة كانت، حتى الأمس القريب، موصدة أمام استئناف عملية السلام المعطلة منذ أعوام طويلة. فالرئيس الأميركي جو بايدن قالها بوضوح، ورأى أن "حلّ الدولتين" هو الردّ الوحيد والممكن للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، مؤكداً في الوقت نفسه أن لا تغييراً تجاه التزامه بأمن إسرائيل، داعياً المجتمع الدولي إلى إعادة إعمار قطاع غزة.
 
بايدن المؤمن بالسلام على حدّ قوله، اعتبر أنه من الضروري على السلطات الإسرائيلية العمل على وقف الصدامات بين العرب والإسرائيليين في القدس، مندّداً بمن وصفهم بالمتطرفين لدى الجانبين.
 
وإن كان في كلام بايدن إشارة أولى باتجاه النية لإعادة إطلاق مسار السلام، فإن إيفاده وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى المنطقة يُعتبر إشارة ثانية على جدية الإدارة الأميركية في ذلك. فيما يمثّل سيْل المواقف الدولية الداعمة لحلّ دائم للنزاع مزيداً من الإشارات الإيجابية، مع تأكيدات المتحدث باسم الحكومة الألمانية الذي شدّد بدوره على استمرار العمل لإجراء حوار سياسي جوهري يوصل الى "حلّ الدولتين" وهو ما تماهى مع موقف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، فضلاً عن كلّ من الكرملين الروسي والاتحاد الأوروبي والصين والفاتيكان.
 
وإن كانت الأجواء الدولية مهيأة لاستئناف عملية السلام، فإن المواقف الإسرائيلية والفلسطينية لا تزال ضبابية في هذا الخصوص. وبالرغم من تمسّك الطرفين بالدعوة إلى استئناف المفاوضات، إلا أن التشدّد في موقف كل منهما لا يزال على حاله بانتظار مبادرة أو وسيط أو حتى طرح جديد.
 
لكن هل يبدو الموقف الأميركي، المتمسك بـ"حلّ الدولتين" كرد طبيعي لحلّ النزاع، مختلفاً عن المواقف السابقة بالنسبة إلى الإسرائيليين؟
 
في الواقع، لطالما تبنّت الإدارات الأميركية اللهجة ذاتها، ولكن على إثر حرب دموية في غزة، وبعد الصراع الذي شهدته القدس حول قضية التهويد والاستيطان وكذلك الأقصى، والخروج باستناج أن الحل ليس عسكرياً، بل سياسي بحت، شكل نموذجاً جديداً ومنعرجاً مختلفاً في التعاطي مع القضية الفلسطينية.
 
صحيح أن هكذا حلّ ليس واقعياً كما يبدو، ولو نظرياً، خصوصاً أن الأرضية غير مهيأة لدخول طرفي النزاع في مفاوضات جدية وذلك لأسباب مختلفة، ولكن إذا ما توافرت الإرادة برفع دينامية هذا المقترح، فبالتأكيد قد تكون الطريق معبّدة في هذا الاتجاه، ما يتقاطع مع تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس اللذين أكدا أن الحل سياسي بامتياز.
 
وقد يقول قائل إنه في ظل الدينامية الجديدة التي أنتجتها ساحة فلسطينية موحّدة قادرة على فرض شروطها على القيادة الفلسطينية يقابلها طرف إسرائيلي يعكس رغبة مستجدّة من قبل نصف أعضاء الحكومة على الأقل، على غرار غانتس ومعسكر التغيير شرط وقوف جدي أميركي لتكريس هذه الدينامية النشطة.
 
لكن عراقيل عدة تحول دون إرساء عملية السلام وإطلاقها مجدداً نذكرها في ثلاث نقاط:
أوّلاً، الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو التي لا ترغب في ذلك، بعد تجميد الملف الفلسطيني لعقد من الزمن، حيث لم يتم استغلال وجود محمود عباس الذي يؤمن باللاعنف والحل السلمي، فضلاً عن عمليات إضعافه في شكل ممنهج، مستفيدةً من الانقسام الفلسطيني الداخلي.
 
ثانياً، حركة "حماس" المنتشية بفائض القوة إلى حدود الثمل بعيْد "الانتصار" على الإسرائيليين وحركة "فتح"، ما يعقّد إمكانية التفاهم وتبديل التوجه من مفهوم "الانتصار" على فتح إلى التفاهم معها وتوحيد الصوت الفلسطيني لمخاطبة الغرب.
 
ثالثاً، المشروع التهويدي الاستيطاني القائم حالياً، والذي يتطلب جهوداً أميركية جدية وصادقة لإقناع إسرائيل بتجميده وربما إلغائه حتى يتمكّن الشارع الفلسطيني من الدفع باتجاه تقريب المسافات.
 
إذاً من الواضح أن الظروف الأميركية والإقليمية وحتى الثنائية الإسرائيلية - الفلسطينية غير مواتية لإطلاق عملية سلام جدية ومكثفة تؤدي إلى حلّ لأساس هذا الصراع.
 
كما يبدو أن حلّ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني من خلال طرح حلّ الدولتين، والذي، بعد تقليب صفحات التاريخ الحديث، يعود إلى العام 1947 وخضع بدوره لعمليات كرّ وفرّ في عدد من المناسبات من قبل الطرفين وما تخللته تلك السنوات من حروب ونكبات وانكسارات، ثم عاد وأكّد عليه الرئيس الأميركي الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن في عام 2002، على إثر انتفاضة الأقصى 2000، حيث كانت الظروف مواتية أكثر في حينها لتطبيقه، لكن اليوم بات شبه مستحيل، بعد التغوّل الاستيطاني الإسرائيلي، على مدى عقدين من الزمن، وفي ظل وجود حكومة يمينية لأكثر من 10 سنوات تحمل برنامجاً أدى إلى قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية.
 
لذلك وبناء على ما تقدّم، وكما يجمع عدد كبير من الخبراء المراقبين للشأن الإسرائيلي - الفلسطيني، لم تعد فكرة حل الدولتين مناسبة، خصوصاً أن إسرائيل لم تترك مجالاً إلاّ وسدّته أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، الأمر الذي يعيه أو يجب أن يتيقّن له بايدن ومعه بلينكن ووزير الدفاع لويد أستون ومستشار الأمن القومي جايك سوليفان باستعصاء قيام الدولتين على أرض واحدة.
 
في الختام، وأمام انسداد أفق الطرح القديم الجديدن هل الحديث عن قيام أو إنشاء دولة واحدة ديموقراطية تشمل جميع قاطنيها من عرب ويهود ومسيحيين وسواهم أمر قابل للتطبيق بما يتعارض مع العقلية اليهودية التي تعاني من اضطراب وقلق من شتات دام 2000 عام؟
 
ولماذا لم يتم التوصل لابتكار أفكار جديدة قادرة على إنهاء هذا الصراع الذي على ما يبدو سيكون أبدياً، فيما يبرز دور قوي ومحوري لتيار ليبرالي داخل الحزب الديموقراطي يضم أعضاءً من اليهود الذين يضغطون باتجاه إيجاد حلّ مستدام يحمي دولة إسرائيل من نفسها وتعززه قناعة باتت شبه راسخة لدى بايدن نتيجة التحوّلات في الشارع الأميركي الذي يؤكد شعار Palestinian Lives Matter أي "حياة الفلسطينيين مهمة" على غرار Black Lives Matter "حياة السود مهمة".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم