إعلان

الجزائر هي تونس ومصر وليبيا... وغيرها

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
الحراك الجزائري
الحراك الجزائري
A+ A-
منذ انطلاق موجة ما يسمى "الربيع العربي" دأب كل نظام في بلدان هذا "الخريف المدمر"، ومع بداية حدوث الاحتجاجات على التأكيد أن بلده ليس كالبلد الذي سبقه في اشتعال الاحتجاجات، وأنه لن يعرف المصير ذاته الذي عرفه نظام البلد الآخر، أي "السقوط". فسمعنا من المسؤولين في هذه الأنظمة عبارات من قبيل "مصر ليست تونس" و"ليبيا ليست مصر" و"سوريا ليست ليبيا" و"لن أرحل إلى جدة"، وغيرها من المقارنات التي تبيّن لاحقاً زيفها، وتبيّن أن ليبيا هي سوريا ومصر وتونس مع بعض الإختلافات المتعلقة بالوضع الداخلي والتي غيّرت قليلاً في مجرى الأحداث في كل بلد من هذه البلدان التي تعرضت إلى مشروع تدميري واحد استهدف الأنظمة الجمهورية العربية دوناً عن الملكيات الوراثية.
 
ولعل ما تعيشه الجزائر، التي يكابر حراكها اليوم ويرفض القائمون عليه أن يصنف في خانة التحركات الاجتماعية لبلدان "الربيع العربي"، يؤكد أن بلد المليون شهيد قد طاوله مشروع هذا "الخريف المدمر" في دفعته الثانية والتي تضمنت الجزائر مع السودان وربما العراق. وبالتالي فجزائر اليوم هي تونس قبل عشر سنوات من حيث سلمية التحركات وارتفاع سقف المطالب والإصلاحات وأيضاً من خلال التوقعات بفوز الأحزاب "الإخوانية" بالانتخابات النيابية المقبلة.
 
حتى اللهفة على الترشح في الانتخابات، وكثرة القوائم الحزبية والمستقلة التي قدمت برامج متشابهة للناخبين، ذكّرت المتابعين للشأن الجزائري بما حصل في تونس في عام 2011. فقد هرع الجميع إلى تقديم أنفسهم كمرشحين تعويضاً عن كبت سنوات من التضييق على الحياة السياسية، بعد أن سادت المسرحيات الانتخابية طيلة عقود وكان يُعرف الفائزون سلفاً في أي استحقاق انتخابي، وتوضع الخطوط العريضة للخريطة البرلمانية قبل انطلاق عملية الاقتراع.
 
ويؤدي وجود هذا العدد المهول من القوائم المترشحة، الذي عرفته تونس وسارت على نهجه جارتها الغربية، إلى تشتيت أصوات أنصار التيارات السياسية غير الأصولية. كما يؤدي وجود هذا العدد المهول من القوائم إلى فوز الحركات "الإخوانية" في الاستحقاقات الانتخابية، وهي التي لا يقدم أتباعها المنضبطون على الترشح في قوائم منافسة للقوائم الحزبية الأصلية لضمان النصر.
 
ولعل ما يميز تونس عن الجزائر هو عدم تدخل الجيش في الحياة السياسية وهي عقيدة رسخها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في الجيش التونسي منذ الاستقلال، حيث ينشأ أفراد هذا الجيش منذ مراحل التدريس والتكوين الأولى في الأكاديميات العسكرية التونسية على صرف النظر عن الصراعات الحزبية والاكتفاء بالذود عن الوطن وحماية ترابه، وهو ما يجعل الجزائر من هذا الجانب أقرب إلى مصر. فهل تعرف الجزائر السيناريو المصري في حال فوز "الإخوان" بالانتخابات التشريعية المقبلة؟ والذي هو في الحقيقة سيناريو جزائري سابق، حيث سبق للمؤسسة العسكرية في بلد المليون شهيد أن رفضت نتائج انتخابات محلية فاز خلالها "حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ" وكان ذلك سبباً في انفجار الأحداث الدموية للعشرية السوداء لعقد تسعينات القرن العشرين.
 
فالجيش، أو العسكر كما يسميه البعض كلما تعلق الأمر بالحديث عن التدخل في الحياة السياسية، أدى أبرز الأدوار وهيمن في كل من الجزائر ومصر خلال العقود الماضية، ومن المتوقع أن يتعاظم نفوذه كلما شعر بالاستهداف من قبل تيار سياسي قوي أو لوبيات مال وأعمال أو غيرها. وبالتالي فإن ما حصل في مصر من إطاحة بحكم "الإخوان" لا يبدو مستبعداً في الجزائر في حال فازت الأحزاب "الإخوانية" في الإنتخابات ورغبت في تحجيم نفوذ المؤسسة العسكرية أو فتحت الباب على مصراعيه للاختراقات والتدخلات الخارجية.
 
ويؤكد معظم العارفين بالشأن الجزائري، أن بلد المليون شهيد لن يعرف الفوضى التي شهدتها ليبيا، لأن في الجزائر، وعلى غرار مصر وتونس، مؤسسات وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. كما أن في الجزائر إدارة متماسكة قادرة على تسيير المرافق في حال حصول فراغ سياسي على غرار نظيرتها التونسية التي ضمنت استمرار الدولة خلال الفترة اللاحقة لرحيل زين العابدين بن علي والسابقة لتنظيم الانتخابات المتعلقة بالمجلس الوطني التأسيسي.
 
ولعل أشد ما يخشاه الجزائريون هو تنامي هذه النزعات الانفصالية التي عادت إلى الظهور في بلدهم وبات أنصارها لا يتوانون عن التعبير عنها لمناسبة أو من دونها بخاصة أن التعديلات الدستورية الأخيرة تشجع ضمنياً هذه النزعات. ويبدو أن من غايات هذا المشروع الربيعي القادم من وراء البحار والمحيطات هو إضعاف هذه الدول ومنها الجزائر وتفتيتها فدرالياً والهيمنة على ثرواتها ومصادرة قرارها السياسي والقضاء على كل مظاهر السيادة فيها.
 
ويستغرب البعض من السهولة التي غرق بها الجزائريون في مستنقع "الربيع العربي" وهم الذين عاينوا طيلة عقد من الزمان مساوئ هذا المشروع الهدام الذي فاجأ التونسيين والمصريين ولم يتخذوا التدابير اللازمة للتصدي له. فقد كان أمام الجزائريين وخلافاً لجيرانهم التونسيين متسع من الوقت للإستعداد ومجابهة المخاطر وتجنب مصير باقي بلدان "الربيع العربيط. لكنهم كابروا كثيراً واعتبر بعضهم أنهم الجنس الأنقى والأرقى والأذكى، وصدرت عن بعض هؤلاء تلك الشعارات ذاتها من قبيل "الجزائر ليست تونس"، وأن "الخريف العربي" هو ما عاشوه خلال العشرية السوداء، وبالتالي فإن حراكهم لا علاقة له بما طاول المنطقة، وكأنهم في كوكب قصي، لا يؤثرون ولا يتأثرون بمحيطهم، ولا ينظر إليهم لدى دوائر القرار في الغرب كجزء من منطقة برمتها توضع لها الاستراتيجيات في إطار قاعدة المنافسة والهيمنة التي تميز العلاقات بين الدول.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم