إعلان

ساكن قرطاج والنّظام الجديد

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
قيس سعيّد ورئيسة الحكومة نجلاء بودن
قيس سعيّد ورئيسة الحكومة نجلاء بودن
A+ A-
يثير موضوع الشركات الأهلية الذي أعلن عنه الرئيس التونسي قيس سعيّد جدلاً واسعاً في تونس، بسبب غموض أهدافه وعدم قدرة السواد الأعظم من الأجيال الجديدة على فهم محتواه. فغالبية هؤلاء نشأوا وتربوا وعاشوا في مناخ اقتصادي رأسمالي، تبدو فيه هذه المفاهيم هجينة وعصيّة على الاستيعاب وعلى إدراك مدلولاتها وأبعادها.
 
وحتى الجيل الذي عاش فترة الستينات من القرن الماضي، فإن المفهوم الجديد يبدو أيضاً غامضاً بالنسبة إليهم، فهو يشبه إلى حد بعيد التعاضديات التي كانت عماد تجربة التعاضد الفاشلة لعقد ستينات القرن العشرين، والتي كلّفت تونس في ذلك الزمن خسائر اقتصادية فادحة، وأضرّت بمعيشة المواطنين إلى حد كبير. وبالتالي يخشى هؤلاء أن تتكرر تلك التجربة الفاشلة مجدداً، وتتضرر المصالح الاقتصادية ويخسر العديد من التونسيين موارد رزقهم، مثلما حصل خلال فترة التعاضد التي كان رمزها وزير بورقيبة الراحل أحمد بن صالح.
 
ولعل المعضلة الي سيواجهها التونسيون عند التطبيق، وتأسيس هذه الشركات الأهلية، هو غياب هذا المفهوم في المنظومة القانونية التونسية، باعتبار أن قانون الشركات التجارية لا يتضمن أي إشارة إلى هذا النوع من الشركات، ولا يُعرف إن كانت هذه الشركات تجارية أم مدنية. وبالتالي يتساءل كثير من التونسيين إن كان سيتم تكوين هذه الشركات خلافاً لإرادة المشرّع التونسي الذي سن مجلة الشركات التجارية، أم أنه سيتم تنقيح هذه المجلة لتضاف إليها هذه الشركات إلى جانب أنواع الشركات المألوفة التي نظمتها بدقة القوانين التجارية التونسية.
 
إن ما هو أكيد أن ساكن قرطاج يرغب في قلب كل شيء في البلد رأساً على عقب، سواء تعلق الأمر بالنظام السياسي أو بالاقتصاد أو بالانتخابات أو بمنوال التنمية، سواء من خلال هذه الشركات الأهلية أو عبر غيرها من الخطط. ولعل ما يؤكد هذا القول هو الحديث عن أن هذه الشركات التي ستتركز بكل معتمدية (تقسيم إداري أقل درجة من الولاية أو المحافظة) سيكون لها دور في العملية الانتخابية، وبالتالي فهناك ربط بدا هجيناً للبعض بين ما هو سياسي وانتخابي واقتصادي واجتماعي.
 
ويُجمع أغلب التونسيين اليوم على أن الرئيس قيس سعيّد كان لديه برنامج للتأسيس لتونس أخرى، أي كما يراها هو، لكنه لم يقدمه خلال حملته الانتخابية الرئاسية التي صرّح خلالها أنه لا يمتلك برنامجاً، فتم التصويت له من قبل أنصاره ومريديه فقط لأنه "نظيف اليد" على حد قولهم. فقد استشرى الفساد وسط الطبقة السياسية التونسية بدرجة كبيرة وبصورة لافتة، وهو ما جعل قيس سعيّد يتميز بماضيه الناصع باعتباره أستاذاً جامعياً في اختصاص القانون الدستوري، قضى حياته المهنية في مدارج كليات الحقوق وفي مكتباتها، ولم يتورط في ما تورط فيه الآخرون.
 
فهل كان مشروع الشركات الأهلية هو برنامج قيس سعيّد قبل تربعه على عرش قرطاج، وخشي من البوح به حتى لا يكون عائقاً يحول دونه والوصول إلى القصر الرئاسي، بالنظر إلى المعارضة الشديدة التي كان سيلقاها؟ أم أن الفكرة حديثة العهد واقتضتها ظروف البلد في إطار البحث عن حلول للخروج من الوضع المزري الذي باتت عليه تونس بعد العشرية السوداء من حكم حركة النهضة الإخوانية وشركائها من حزبي التكتل والمؤتمر عام 2011، وحركة نداء تونس عام 2014، وحزبي ائتلاف الكرامة وقلب تونس سنة 2019؟
إن أغلب الظن أن هذا الطرح كان برنامج ساكن قرطاج منذ البداية، حيث لمّح إليه في بعض المناسبات التي سبقت إجراء الانتخابات، ولكن أغلب التونسيين لم يتنبهوا إلى الإشارات التي كان يطلقها قيس سعيّد بين الفينة والأخرى. فالرجل أكد صراحة أو ضمنياً أنه لا يؤمن بالأحزاب السياسية والظاهرة الحزبية، وهو ميال إلى اعتماد الديموقراطية المباشرة لسياسة شؤون البلاد والعباد، وهو طرح وإن بدا طوباوياً إلا أنه يجد أنصاراً ومريدين وآذاناً صاغية.
 
ويرى كثير من أنصار سعيّد أن نظام المجالس والشركات الأهلية الذي يُنَظِّرُ له محسوبون على الرئيس، قد يختلف معه البعض، لكنه يبقى طرحاً قابلاً للنقاش من دون رفضه بالكامل. وعلى من يعارض هذا الطرح أن يقدم، برأيهم، بديلاً منه أو تصوراً جديداً للحكم في تونس من خارج إطار الديموقراطية الحزبية التقليدية التي فشلت فشلاً ذريعاً في العشرية الأخيرة.
 
ويتساءل هؤلاء: كيف يمكن بناء نظام ديموقراطي بتنظيم عقائدي وحزبيات بصدد التشكل نخرها الفساد والمحسوبية؟ كيف يمكن بناء نظام ديموقراطي بأحزاب تونسية غير ديموقراطية؟ هل يمكن للغنوشي الذي يترأس حزبه منذ تأسيسه ويعطل مؤتمر حركة النهضة ليبقى رئيسها الأبدي، ولمن ورّث أخاه "بالحياة" على رأس الحزب الجمهوري، ولمن يحتكر كل شيء في حزب العمال الشيوعي حتى خطة الناطق الرسمي، ولمن يوهم الناس بأنه استقال من التيار الديموقراطي ليظهر بمظهر من يؤمن بالتداول السلمي، في حين أنه الحاكم بأمره داخله، ولغيرهم من رؤساء الأحزاب التونسية التي ليس داخلها التداول الديموقراطي أن يبنوا نظاماً ديموقراطياً حزبياً؟
 
يؤكد هؤلاء أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن الأحزاب الحالية هي أبعد ما تكون عن البناء والتشييد، وأن الديموقراطية بحاجة إلى أحزاب حقيقية مكتملة البناء، وليس إلى هذه الأحزاب ومن يحتكرون المواقع القيادية داخلها. فالديموقراطية ثقافة قبل كل شيء وجب أن ينهل منها المنتمون إلى هذه الأحزاب ويتشبعوا بقيمها ويطبقوها في أحزابهم قبل أن يفكروا في بناء نظام ديموقراطي على مستوى الدولة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم