إعلان

العالم على صفيح ساخن... من "أوكوس" إلى "كواد" إنذار أحمر في بكين وموسكو!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
صفقة الغواصات
صفقة الغواصات
A+ A-
يحبس العالم أنفاسه، ترقّباً لما قد يحدث غداً، بعد صفقة الغواصات الأسترالية وما شابها من غموض ومفاجآت. أوضاع استراتيجية جديدة تتدافع على الساحة الدولية، كل يبحث عن موطئ قدم فوق رمال متحركة ... التوجّه الأميركي الصاخب إلى الشرق الآسيوي، حيث الصراع على المستقبل مع الصين، خط استراتيجي سوف يأخذ مداه، بكل ما يولّده من أخطار. أشباح الحروب الطاحنة تقفز فوق الجغرافيا السياسية، يتقلب الكوكب على جمر المواجهة المقبلة، لا يعلم متى تندلع شرارتها، أو كيف تنتهي، أو من يكون وقودها... سيناريو كابوسي تتشكل ملامحه، قريباً من حافة الهاوية؛ فهل من مفر؟
 
شوكة نووية
ليست صفقة الغواصات النووية الأخيرة التي تقول أميركا إنها باعتها لأستراليا، ضمن اتفاق تحالف ثلاثي يضم بريطانيا، ويُعرف باسم اتفاق "أوكوس" حدثاً منعزلاً عن حسابات معقدة، تفور في ردهات واشنطن، وترج ارتداداتها جنبات الكوكب. هناك شبه إجماع داخل الإدارة الأميركية على أن الانسحاب من أفغانستان نال بقسوة من هيبة الولايات المتحدة، بالتزامن مع تصدعات سياسية بالداخل الأميركي، وبرغم ذلك ينظر البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية إلى هذا الانسحاب بوصفه خطوة مفصلية، لتهيئة الظروف من أجل التركيز على الصيد الثمين: الصين. أولى خطوات المواجهة مع التنين الأصفر هي إخافة بكين وإشغالها وتشويش حساباتها، من خلال تضخيم الشعور بالخطر لديها، ورفع مستويات التوتر في محيطها الحيوي، عبر تطويقها بالمهددات والأزمات، في بحر الصين الجنوبي والمحيطين الهادئ والهندي.
 
هذه النظرة الاستراتيجية الأميركية تهدف لاستنزاف الصين وإنهاكها بلا شفقة، وتعطيل مسيرتها التنموية الهائلة؛ بل إن بعض خبراء الشؤون الأميركية يرون أن صفقة الغواصات الأسترالية ليست أكثر من "تمثيلية أو خدعة كبرى"، ويذهبون إلى أن تلك الغواصات النووية التي ستنشرها واشنطن في المياه الأسترالية ستديرها طواقم أميركية، وسيكون دور أستراليا، مجرد "محلل"، أي إضفاء الشرعية السياسية والقانونية أمام العالم، على مرابطة الغواصات في مياهها بصورة دائمة. يتوقع بعض الخبراء أن تحمل الغواصات صواريخ نووية، تستهدف مواقع استراتيجية صينية، وتكون شوكة نووية في خاصرتها اللينة، قد تدفعها إلى الانهماك في سباق تسلح نووي يستنزف طاقات اقتصادها الذي يحتل المرتبة الثانية عالمياً، بعد نظيره الأميركي.
 
يناقش صنّاع السياسة في الولايات المتحدة كيفية التعامل مع الصين؛ يصف بعضهم الوضع الحالي أنه حرب باردة جديدة، لكن وضع الصين فى هذا الإطار الأيديولوجي يمكن اعتباره "نظرة سطحية" تشوه التحدي الاستراتيجي الحقيقي الذي تواجهه واشنطن والتي ترغب بدورها في الحفاظ على مكانتها كأكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، وهو ما يدفع البعض للضغط باتجاه تبني معادلات صفرية، في علاقتها مع الصين التي تنازع الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً.
 
استراتيجية المنافسة
هنا يشيد مساعد وزير الدفاع الأميركي الأسبق وأستاذ السياسة بجامعة هارفرد، جوزف ناي، بعودة واشنطن إلى التركيز على "استراتيجية المنافسة مع القوى العظمى"، بالذات الصين وروسيا، بدلاً من التركيز على "صراع أقل وزناً وأهمية -بحسب تعبيره- وهو "الحرب على الإرهاب"، لكنه يحذر من أن الولايات المتحدة لديها مشكلتان، الأولى: أن المنافسة مع القوى العظمى تجمع أنواعاً مختلفة من الحالات، فروسيا قوة متراجعة والصين قوة صاعدة. يجب على الولايات المتحدة أن تدرك الطبيعة الفريدة للتهديد الذى تشكله روسيا؛ كما اكتشف العالم في عام 1914 عشية الحرب العالمية الأولى، يمكن أن تكون القوة المتراجعة (النمسا ــ المجر) فى بعض الأحيان الأكثر قبولاً للمخاطرة في النزاع. المفارقة أن روسيا تشهد حالياً تدهوراً ديموغرافياً واقتصادياً، لكنها تحتفظ بموارد هائلة يمكنها أن توظفها للإضرار بأميركا في كل شيء، بدءاً من الحد من الأسلحة النووية والصراع السيبراني إلى الشرق الأوسط. لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية لا تلقي بروسيا في أحضان الصين، بخاصة أن النهج الأميركي تجاه الصين، يضع روسيا هي الأخرى في مأزق، إذ إن الأساطيل الأميركية، والأسترالية - البريطانية التي تطوق الصين بحزام من نار، وتحد من حركتها ومصالحها في أوراسيا والعالم، تضرب حصاراً غير منظور على روسيا، تماماً مثل الصين!. وفي الوقت نفسه تدرك واشنطن وبكين أن نشوب حرب بينهما؛ المنتصر بالتأكيد سيكون موسكو، أكبر قوة نووية، وثالث القوى العالمية؛ لهذا تحاول أميركا تحييد روسيا قدر المستطاع، خلال مواجهة الصين. وفي السياق نفسه، أتت القمة الرباعية لقادة أميركا واليابان والهند وأستراليا، في واشنطن، "قمة تجمع كواد"، وهي "الدول الديموقراطية" التي تتمركز في مواجهة الصين، حيث انتقدت بكين القمة، وقالت: إنها زمرة مغلقة تستهدف الآخرين وتسبح ضد العصر.
 
هنا تبرز المشكلة الثانية أمام واشنطن، برأي جوزف ناي، أن التنافس بين القوى العظمى لا يعير بالاً كبيراً للتهديدات الخطيرة المستجدة، فقد تغير مفهوم الأمن القومى والأجندة السياسية العالمية منذ عام 1914 وعام 1945، لكن استراتيجية الولايات المتحدة الراهنة لا تُقدر تهديدات العولمة البيئية. يوضح ناي أن تغير المناخ العالمي سيتسبب بخسائر تصل إلى تريليونات الدولارات، ربما تفوق أضرار الحروب بكثير، لقد قتلت جائحة كورونا من الأميركيين أكثر مما فعلت كل الحروب الأميركية مجتمعة، منذ عام 1945. ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الحالية للولايات المتحدة تضاعف ميزانية البنتاغون 100 مرة على ميزانية مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، و25 ضعفاً لميزانية المعاهد الوطنية للصحة.
 
عقبات حقيقية
يمكن اختصار مرامي السياسة الأميركية، في المحيطين الهادئ والهندي، في هدفين: الأول إعادة بناء النظام التجاري ودمج الولايات المتحدة؛ بحيث يمكن لدول المحيطين تقليل اعتمادها الاقتصادي تدريجياً على الصين. والثاني هو سعي واشنطن مع شركائها لمنع التوازن العسكري في آسيا من السقوط فريسة للهيمنة الصينية. لكن الهدفين يصطدمان واقعياً بعقبات حقيقية، أبرزها أن الصين هي أكبر شريك تجاري لدول عدة مهمة، من بينها الولايات المتحدة نفسها -بعكس الحال مع الاتحاد السوفياتي السابق، خلال الحرب الباردة- وحتى لو افترضنا قدرة واشنطن وحلفائها على تفكيك هذا الترابط الاقتصادي، فلا يمكن فصل الاعتماد البيئي المتبادل الذي يخضع لقوانين البيولوجيا والفيزياء وليس السياسة فحسب.
 
أضف إلى ذلك أن انسحاب إدارة ترامب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ وعدم قدرة إدارة بايدن على العودة إلى المفاوضات الجارية، لأسباب داخلية بالأساس، من أجل المشاركة بالاتفاقية الشاملة للشراكة عبر المحيط الهادئ، لا سيما اتفاقية الشراكة المُنقَّحة التي وقَّعتها 11 دولة في 2018، ولا تشمل الولايات المتحدة؛ قد يدفع بكين إلى "وضع السيطرة" على نظام التجارة بين دول المحيطين الهندي والهادئ. وإذا تم ذلك فسيكون له تأثير عميق على النظام الأمني بالمنطقة والعالم. صحيح أن واشنطن تقلل من قدرة بكين على تلبية اشتراطات المعاهدة، لكنها لا تستطيع الاستهانة بقدرات التنين.
 
خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من الحرب الباردة الجديدة بين أميركا والصين، مطالباً إياهما بتجنيب البشرية ويلات هذا الصراع. لكن لا حياة لمن تنادي، فالناظر إلى تلك الاجتماعات يستنتج أن "الأمم المتحدة" تحتضر، بينما تحشد أميركا حلفاءها للتأسيس لنظام عالمي مغاير، في مواجهة الصين؛ ولعل صفقة الغواصات الأسترالية مجرد "ضربة البداية" في اللعبة الكبرى، تقرع أجراس الخطر في العواصم المؤثرة؛ في ظل إشارات على سقوط منظومات القيم الإنسانية حتى بين الحلفاء، مع حالة من التمركز الشديد على الذات، في إطار النهم الامبراطوري للتمدد والهيمنة. نحن على أعتاب فصل جديد من صراع القوى العظمى يصنع عالماً جديداً، لا يختلف كثيراً عما صوره الروائي البريطاني "ألدوس هكسلي"، وربما أكثر تهديداً!.
وذلك حديث آخر.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم